في يوم السيادة، لا نتحدث عن مفهومٍ مجرد أو شعارٍ يُرفع في مناسبة، وإنما عن دولة تعرف بوضوح من يقرر، ومن ينفذ، ومن يحاسب. فالسيادة الحقيقية تبدأ حين تكون مؤسسات الدولة هي صاحبة القرار، وحين يصبح القانون المرجعية التي لا تعلو عليها إرادة فرد أو جماعة أو جهة، ويكون الاحتكام إليه قاعدة ثابتة في إدارة الشأن العام.
ويكتسب الحديث عن السيادة هذا العام معنى مختلفاً بالنسبة إلى العراق. ففي 30 أيلول/سبتمبر 2026 اكتمل خروج القوات الأمريكية من العراق، بعد مسار تفاوضي استند إلى التفاهمات العراقية–الأمريكية بشأن إنهاء المهمة العسكرية للتحالف والانتقال إلى شكل مختلف من العلاقات الثنائية. وبهذا تنتهي مرحلة عسكرية امتدت، بأشكال ومهام مختلفة، على مدى أكثر من عقدين منذ عام 2003، بما يجعل هذا التاريخ قابلاً لأن يشكل نقطة تحول مهمة في المسار السياسي العراقي، إذا استطاعت الدولة تحويل انتهاء الوجود العسكري الأجنبي إلى تعزيز فعلي لقدرتها على إدارة قرارها وأمنها ومصالحها من خلال مؤسساتها الوطنية.
غير أن السيادة لا تكتمل بخروج القوات الأجنبية وحده. فالسيادة العسكرية والأمنية تمثل جانباً أساسياً منها، لكنها لا تغني عن السيادة السياسية والاقتصادية والمالية. وقد يكون التحدي الأكبر أمام العراق في المرحلة المقبلة هو الانتقال من استعادة المجال السيادي على الأرض إلى توسيع قدرة الدولة على اتخاذ قرارها الاقتصادي بصورة أكثر استقلالاً، من دون أن يعني ذلك الانعزال عن الاقتصاد العالمي أو قطع علاقاتها المالية والتجارية مع شركائها.
الدولة ذات السيادة لا تُقاس بارتفاع صوتها ولا بكثرة ما تردده من شعارات، وإنما بقدرتها على فرض القانون وإدارة مصالحها من خلال مؤسسات قوية وفاعلة: حكومة تؤدي مسؤولياتها، وبرلمان يمارس دوره التشريعي والرقابي، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية وعسكرية تعمل ضمن صلاحياتها الدستورية والقانونية، وإدارة عامة تخدم المواطن وتحمي المال العام وتخضع للمساءلة.
ومن هنا، فإن بناء المؤسسات ليس شأناً إدارياً أو تنظيمياً فحسب، بل هو في صميم مفهوم السيادة. فكلما ضعفت المؤسسة اتسعت مساحة النفوذ الشخصي والمصالح الخاصة والاجتهادات الخارجة عن الأطر الرسمية، وكلما قويت أصبح القرار أكثر وضوحاً، والمسؤولية أكثر تحديداً، والقانون أكثر حضوراً، والدولة أقدر على حماية مصالحها وفرض هيبتها.
والسيادة الاقتصادية تحديداً لا تعني أن يدير العراق اقتصاده بعيداً عن العالم، فهذا غير ممكن ولا مطلوب في اقتصاد دولي مترابط، وإنما تعني امتلاكه هامشاً أكبر في تحديد أولوياته الاقتصادية والمالية، وتنويع مصادر دخله، وتقوية جهازه المصرفي، وتطوير قدرته الإنتاجية، وإدارة موارده بما يخدم المصلحة الوطنية.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد العراقي. فبحسب البنك الدولي، شكّل النفط في عام 2025 نحو 88% من الإيرادات الحكومية و91% من صادرات السلع العراقية. وهذه النسب تكشف أن مسألة الاستقلال الاقتصادي لا ترتبط فقط بعلاقة العراق مع الولايات المتحدة أو غيرها، وإنما أيضاً ببنية الاقتصاد العراقي نفسه ومدى اعتماده على مورد واحد في تمويل الدولة والحصول على النقد الأجنبي.
فالدولة التي تعتمد إلى هذه الدرجة على النفط تتأثر قدرتها المالية بتقلبات الأسعار والإنتاج وطرق التصدير، وتصبح الموازنة العامة أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ولهذا فإن استعادة مساحة أوسع من الاستقلال الاقتصادي تمر عبر بناء اقتصاد قادر على توليد الإيرادات وفرص العمل خارج القطاع النفطي، وزيادة مساهمة القطاع الخاص المنتج، وتطوير الصناعة والزراعة والخدمات، وليس عبر تغيير شكل العلاقات الخارجية وحده.
كما أن السيادة المالية ترتبط بقدرة النظام المصرفي العراقي على العمل بكفاءة داخل النظام المالي الدولي. فالعراق، شأنه شأن الدول التي تعتمد بصورة واسعة على الدولار في تجارتها الخارجية، يرتبط بشبكة من المصارف المراسلة وآليات التسوية والامتثال الدولية. وللبنك المركزي العراقي منذ سنوات حسابات وأرصدة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهي جزء من البنية التي تُدار من خلالها أصول واحتياطيات ومعاملات دولية للعراق. وتظهر القوائم المالية للبنك المركزي وجود أرصدة وحسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وجود هذه العلاقات المصرفية في حد ذاته لا يعني انتقاصاً تلقائياً من السيادة؛ فمعظم اقتصادات العالم تعمل من خلال شبكات مالية دولية. لكن التحدي الحقيقي هو أن يمتلك العراق نظاماً مصرفياً قوياً وشفافاً وقادراً على الامتثال، بحيث لا تتحول حاجته إلى الدولار والقنوات الخارجية إلى نقطة ضعف في قدرته على إدارة اقتصاده. ومن هنا يصبح إصلاح المصارف، ومكافحة غسل الأموال، وتطوير أدوات الدفع، وتنويع العلاقات المالية الخارجية جزءاً من بناء السيادة الاقتصادية الحديثة.
والسيادة لا تظهر في الملفات الكبرى وحدها، بل يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. يشعر بها حين يعرف أن معاملته لا تحتاج إلى واسطة، وأن حقه لا يتوقف على علاقاته، وأن الوظيفة العامة ليست امتيازاً لفئة أو جماعة، وأن المال العام ليس مباحاً، وأن المسؤول مهما علا منصبه يخضع للقانون والرقابة والمحاسبة. عندها تتحول السيادة من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية يشعر المواطن بأثرها بصورة مباشرة.
وحماية المال العام هنا ليست قضية منفصلة. فحين تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، يصبح كل مورد يهدر نتيجة الفساد أو سوء الإدارة أو ضعف الرقابة خسارة في قدرة الدولة نفسها. والسيادة الاقتصادية لا تتحقق فقط بزيادة الإيرادات، بل بكفاءة إدارتها وتوجيهها نحو البنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار المنتج، بما يقلل اعتماد الاقتصاد تدريجياً على الإنفاق الحكومي والريع النفطي.
وفي العلاقات الخارجية أيضاً، تزداد قدرة الدولة على حماية مصالحها كلما كان قرارها نابعاً من مؤسساتها. فالدولة التي تمتلك سياسة واضحة واقتصاداً متماسكاً وإدارة كفوءة وأجهزة دولة منضبطة بالقانون تستطيع أن تبني علاقات أكثر توازناً مع الولايات المتحدة وإيران ودول الجوار وسائر الشركاء، من موقع المصالح المتبادلة، لا من موقع التبعية أو الفراغ المؤسسي.
ومن هذه الزاوية، فإن 30 أيلول/سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية مرحلة عسكرية فحسب؛ بل باعتباره بداية اختبار جديد لقدرة العراق على إدارة مرحلة ما بعد الوجود العسكري الأمريكي. فالانتقال من السيادة الأمنية إلى سيادة أكثر اكتمالاً يضع أمام الدولة ملفات لا تقل صعوبة: حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وتعزيز استقلال القرار السياسي، وإصلاح النظام المالي والمصرفي، وتقليل الارتهان للريع النفطي، وبناء قاعدة إنتاجية تمنح الاقتصاد العراقي قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الخارجية.
لذلك، ينبغي أن يكون الاحتفال بيوم السيادة احتفالاً بفكرة الدولة نفسها: دولة مؤسسات لا دولة أشخاص، ودولة قانون لا دولة نفوذ، ودولة قرار ومسؤولية لا دولة فراغ وتعدد في مراكز القرار.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الفعلية: إصلاح المؤسسات لا تأجيل إصلاحها، وتفعيل الرقابة لا تعطيلها، وحماية استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، وضمان خضوع جميع مؤسسات الدولة والجهات العاملة في إطارها للقانون والمساءلة. وعلى المستوى الاقتصادي، يصبح المطلوب بناء مؤسسات مالية واقتصادية تسمح للعراق بأن يحول ثروته النفطية إلى قاعدة لاقتصاد متنوع، لا أن تبقى هذه الثروة مصدراً لاستمرار الاعتماد على الخارج.
فالسيادة لا تُبنى بخطاب واحد، ولا تتحقق بقرار واحد، ولا تكتمل بمجرد رحيل آخر جندي أجنبي. إنها مشروع مستمر لبناء دولة قادرة، يبدأ من المؤسسة ويصل أثره إلى المواطن، وتتعزز فيه السيادة السياسية بسيادة اقتصادية ومالية حقيقية، ويصبح القانون أقوى من المصالح، والمؤسسة أقوى من الأشخاص، والمصلحة العامة مقدمة على المصالح الخاصة.
وإذا كان الثلاثون من أيلول/سبتمبر قد أغلق صفحة من تاريخ العراق الحديث، فإن قيمة هذه اللحظة ستتحدد بما يُكتب بعدها: هل تتحول نهاية الوجود العسكري الأمريكي إلى بداية مرحلة جديدة من بناء الدولة وتعزيز استقلال قرارها السياسي والاقتصادي، أم تبقى السيادة عنواناً سياسياً لا يرافقه تغيير في بنية الاقتصاد والمؤسسات؟
فلنجعل يوم السيادة موعداً لتجديد الالتزام ببناء دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والاقتصاد أكثر قدرة على إنتاج قوته واستقلال قراره، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الخاصة.
تلك هي السيادة بلا نقص أو زيادة.


