هل تساءلنا يوماً لماذا تستمر الحروب سنوات طويلة من دون أن تصل إلى نهايات حاسمة؟ ولماذا يبقى الشرق الأوسط في حالة متكررة من الأزمات والتوترات رغم تعدد مبادرات السلام والتسويات السياسية؟ ولماذا تبدو بعض الصراعات الدولية وكأنها تُدار ضمن حدود محسوبة، بحيث لا يُسمح لطرف بالانتصار الكامل ولا للطرف الآخر بالانهيار التام؟ هذه الأسئلة تفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة النظام الدولي، تقوم على افتراض أن ما نشاهده من أزمات لا يمكن تفسيره دائماً باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة أو المصادفات السياسية، بل قد يكون في جانب منه نتيجة توازنات ومصالح كبرى تعمل على إدارة الصراع بدلاً من حسمه.
في السياسة الدولية، لا تتحرك الدول دائماً وفق ما تعلنه حكوماتها أمام الجمهور، فخلف القرارات الظاهرة توجد شبكات واسعة من المصالح الاقتصادية والعسكرية والمالية والأمنية، فضلاً عن مؤسسات ومراكز نفوذ قادرة على التأثير في اتجاهات القرار. وليس المقصود بالضرورة وجود «حكومة سرية» واحدة تدير العالم من غرفة مغلقة، بقدر ما نتحدث عن منظومة معقدة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والمؤسسات المالية وشركات السلاح والطاقة ومراكز النفوذ، بحيث يصبح استمرار بعض الأزمات أكثر فائدة لبعض الأطراف من إنهائها.
من هذا المنظور يمكن النظر إلى إيران بوصفها مثالاً على سياسة التوازن المحسوب. فإيران، وفق هذه القراءة، لا يُراد لها أن تنهار بالكامل، لأن انهيارها قد يفتح فراغاً جيوسياسياً واسعاً يصعب التحكم في نتائجه، وفي الوقت نفسه لا يُراد لها أن تتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة قادرة على فرض قواعدها بصورة مستقلة. المطلوب إبقاؤها ضمن مستوى من القوة يسمح لها بالتأثير وإثارة مخاوف خصومها، ولكن ضمن حدود تمنعها من تحقيق تفوق حاسم. وبهذا تستمر حالة القلق الإقليمي، وتستمر معها الحاجة إلى التحالفات الأمنية والتسلح والوجود العسكري الخارجي.
وينطبق منطق مشابه على الحوثيين في اليمن. فاستمرارهم كقوة فاعلة من دون الوصول إلى انتصار نهائي أو هزيمة كاملة يعني بقاء الصراع مفتوحاً وقابلاً لإعادة التصعيد في أي وقت. والحروب غير المحسومة تنتج بطبيعتها بيئة دائمة لبيع السلاح، وإعادة تشكيل التحالفات، والضغط على الدول، والتحكم بخطوط الملاحة والطاقة. وحين يتحول الصراع إلى حالة مزمنة، تصبح إدارته أحياناً أكثر أهمية بالنسبة إلى القوى المؤثرة من إنهائه بصورة نهائية.
أما دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر والبحرين، فإن استمرار شعورها بوجود تهديدات أمنية مباشرة يدفعها إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز تحالفاتها الدولية واستضافة القواعد والقوات الأجنبية. فالدولة التي ترى بيئتها الإقليمية شديدة الخطورة تميل بطبيعتها إلى البحث عن مظلة أمنية قوية، وكلما ازداد مستوى التهديد ازدادت حاجتها إلى الشريك الذي يوفر لها الحماية. ومن هنا تتحول المخاوف الأمنية إلى أداة ذات تأثير مباشر في بنية التحالفات والقرارات الاستراتيجية.
ويمكن قراءة موقع إسرائيل بالمنطق ذاته. فبقاء إسرائيل متفوقة عسكرياً على محيطها يخدم موقعها الإقليمي، لكن استمرار التهديدات المحيطة بها يجعلها في الوقت نفسه بحاجة دائمة إلى الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الخارجي. لذلك فإن المنطقة تبقى في مساحة تقع بين السلام الشامل والحرب الشاملة؛ فلا تسوية نهائية تغلق ملفات الصراع كلها، ولا حرب كبرى تصل إلى نتائج تعيد بناء النظام الإقليمي من أساسه. إنها حالة من الصراع المنضبط الذي تتغير شدته، لكن أسبابه الأساسية تبقى قائمة.
ولا يقتصر هذا المنطق على الشرق الأوسط. فالانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها أصبح عنصراً ثابتاً في المشهد الأمريكي. الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاوز في مراحل كثيرة حدود المنافسة الانتخابية ليصل إلى انقسام اجتماعي وثقافي عميق. وحين ينشغل المجتمع بصراعاته الداخلية، تصبح قدرته على تكوين رؤية موحدة تجاه القضايا الكبرى أكثر صعوبة، كما تصبح عملية التأثير في الرأي العام أكثر سهولة عبر الإعلام والاستقطاب والهويات السياسية المتعارضة.
أما روسيا، فتبدو في النظام الدولي المعاصر قوة يصعب تجاهلها، لكن يجري استنزاف قدراتها في صراعات طويلة وعقوبات اقتصادية وضغوط استراتيجية متراكمة. المطلوب، وفق هذه القراءة، ليس بالضرورة القضاء على روسيا، لأن وجودها بوصفها تهديداً لأوروبا يوفر مبرراً لاستمرار التحالفات العسكرية وتعزيز الإنفاق الدفاعي الغربي، ولكن في المقابل لا يمكن السماح لها باستعادة قدرة تمكنها من تغيير قواعد النظام الدولي بصورة منفردة. لذلك تبقى قوية بما يكفي لإثارة القلق، ومقيدة بما يكفي لمنعها من فرض نظام بديل.
والصين تمثل تحدياً أكثر تعقيداً. فهي مركز أساسي في الاقتصاد والتجارة وسلاسل التوريد العالمية، ولذلك فإن محاصرتها اقتصادياً بصورة كاملة قد تلحق أضراراً بالنظام الاقتصادي الذي استفاد من صعودها ذاته. في المقابل، فإن صعودها العسكري والتكنولوجي والجيوسياسي يثير مخاوف القوى الغربية. ولهذا نشاهد علاقة تقوم في الوقت نفسه على التعاون والمنافسة: تجارة ضخمة من جهة، وضغوط تكنولوجية وتحالفات عسكرية وتطويق جيوسياسي من جهة أخرى. الصين مطلوبة كشريك اقتصادي، لكنها غير مرغوبة كقوة قادرة على الانفراد بقيادة النظام العالمي.
وتواجه أوروبا هي الأخرى معادلة خاصة. فهي كتلة اقتصادية هائلة، لكن قدرتها على تحويل وزنها الاقتصادي إلى استقلال استراتيجي كامل ما زالت محدودة. تعتمد دول أوروبية كثيرة في أمنها على المظلة الأطلسية، كما كشفت أزمات الطاقة والحرب والهجرة مدى هشاشة بعض عناصر القوة الأوروبية. وكلما تعمقت الخلافات الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي، أصبحت إمكانية بناء سياسة خارجية ودفاعية مستقلة أكثر صعوبة، وبقيت القارة أقرب إلى الشريك الاقتصادي الكبير منها إلى القوة الجيوسياسية الموحدة.
من هنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا تستمر مثل هذه التوازنات غير المستقرة؟ أحد التفسيرات الممكنة هو أن النظام الدولي لا يبحث دائماً عن الاستقرار الكامل، لأن الاستقرار يمنح الدول والمجتمعات مساحة أوسع للاستقلال وصناعة القرار. أما البيئة التي يسيطر عليها الخوف والصراع وعدم اليقين، فإنها تزيد اعتماد الدول على التحالفات والحماية الخارجية. من يخاف يبحث عن حامٍ، ومن ينقسم تضعف قدرته على اتخاذ قرار مستقل، ومن يواجه تهديداً دائماً يصبح أكثر استعداداً لدفع كلفة الحماية، سواء كانت هذه الكلفة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.
لهذا فإن فهم ما يحدث في العالم لا ينبغي أن يتوقف عند الأخبار اليومية أو الخطابات الرسمية. السؤال الأهم دائماً هو: من يستفيد؟ من يستفيد من استمرار الحرب؟ من يربح من سباقات التسلح؟ من تتوسع قدرته على التأثير عندما تبقى الدول خائفة ومنقسمة؟ ومن تتحول مصالحه الاقتصادية والسياسية إلى جزء من استمرار الأزمة ذاتها؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبني كل نظرية تُقال عن «القوى الخفية»، لكنه يمنعنا في الوقت نفسه من التعامل مع السياسة الدولية بسذاجة، وكأن الأحداث الكبرى تقع بلا مصالح ولا حسابات.
العالم أكثر تعقيداً من أن تديره جهة واحدة بصورة مطلقة، لكنه أيضاً أكثر تنظيماً من أن تكون كل أزماته مجرد مصادفات منفصلة. توجد قوى ومصالح وتحالفات وشبكات نفوذ تحاول باستمرار توجيه الأحداث بما يضمن مصالحها، وقد لا تحتاج هذه القوى إلى السيطرة الكاملة على العالم؛ يكفي أحياناً أن تستطيع التحكم في اتجاهات الأزمات وحدودها وتوقيتاتها.
لهذا لا أطلب من القارئ أن يصدق كل تفسير، ولا أن يتعامل مع كل حدث باعتباره جزءاً من مؤامرة كبرى. المطلوب أبسط من ذلك وأهم: أن يفكر، وأن يسأل، وأن يبحث عمّن يستفيد من كل أزمة قبل أن يكتفي بتفسيرها الظاهر. من يستفيد من استمرار الحروب؟ من يربح من الخوف والانقسام؟ ولماذا تبقى بعض القوى في حالة صعود مقيد، وأخرى في حالة استنزاف مستمر، بينما تستمر مناطق كاملة في العيش بين الحرب والسلام؟
حين تبدأ هذه الأسئلة، تبدأ الصورة بالاتضاح. فالوعي لا يمنح الإنسان جميع الإجابات، لكنه يمنعه من قبول الإجابات الجاهزة. وفي عالم أصبحت فيه صناعة الرأي العام جزءاً من أدوات القوة، يبقى الوعي النقدي من أهم الأسلحة التي يمتلكها الإنسان؛ لأنه السلاح الوحيد الذي يصعب مصادرته ما دام صاحبه مصراً على التفكير.


