كأس الخليج بين .. الرياضة والسياسة .. العراق ضحية التجاذبات والاستهداف؟

كأس الخليج بين .. الرياضة والسياسة .. العراق ضحية التجاذبات والاستهداف؟
تتناول الرؤية تداخل الرياضة والسياسة في كأس الخليج، مركزةً على تأثر العراق تاريخياً بالأزمات والعزلة، مع التمييز بين الوقائع الموثقة وادعاءات الاستهداف، والدعوة إلى منافسة عادلة تفصل الخلافات السياسية عن الملاعب وتجعل الرياضة جسراً للتقارب....

كأس الخليج بين الرياضة والسياسة .. العراق ضحية التجاذبات والاستهداف ؟ من المفترض أن تكون كرة القدم مساحة للفرح والمنافسة والتقارب بين الشعوب، وأن يكون الملعب هو المكان الوحيد الذي تُحسم فيه النتائج، بعيداً عن الخلافات السياسية والحسابات الإقليمية . لكن تاريخ كأس الخليج العربي يقول إن العلاقة بين الرياضة والسياسة في هذه المنطقة لم تكن دائماً منفصلة، بل كثيراً ما تداخلت المصالح والخصومات السياسية مع المشهد الرياضي، وكان العراق واحداً من أكثر الأطراف التي دفعت ثمناً باهظاً لهذا التداخل .

وليس المقصود هنا أن كل مباراة خسرها المنتخب العراقي كانت نتيجة قرار سياسي، أو أن كل خروج عراقي من بطولة كان مؤامرة، فهذا استنتاج لا يمكن إثباته بمجرد الانطباعات . لكن قراءة تاريخ البطولة تكشف سلسلة من الأحداث تجعل السؤال مشروعاً .

لماذا كان العراق، في مراحل عديدة، أكثر المنتخبات تعرضاً لتأثير الأزمات السياسية على مشاركته الخليجية ؟ العراق لم يدخل كأس الخليج كدولة طارئة على المشهد، بل كان من أبرز أركان البطولة منذ مشاركته الأولى في خليجي 4 عام 1976.

وبعد ثلاث سنوات فقط استضاف بغداد خليجي 5 عام 1979، وتوج المنتخب العراقي باللقب على أرضه، ثم عاد وفاز بالبطولة عامي 1984 و1988. وبذلك أصبح العراق أحد أبطال البطولة التاريخيين، وصاحب حضور رياضي لا يمكن تجاهله . لكن عندما دخلت المنطقة في أزمات سياسية وحروب متتالية، لم تعد كرة القدم بمنأى عن تداعياتها . في خليجي 10 بالكويت عام 1990، انسحب المنتخب العراقي من البطولة، ثم غاب العراق عن النسخ التالية، ولم يعد إلى البطولة إلا في خليجي 17 عام 2004. ويشير اتحاد كأس الخليج نفسه إلى غياب العراق عن عدد من النسخ بعد تلك المرحلة، بينما توثق مصادر الاتحاد العراقي والخليجي تأثير الحصار والعزلة الرياضية التي تعرض لها العراق بعد أزمة حرب الكويت . وهنا تبدأ واحدة من أكثر الصفحات حساسية في تاريخ الكرة العراقية . فالمنتخب الذي كان ينافس على الألقاب ويقف نداً للمنتخبات الخليجية، وجد نفسه خارج المشهد لسنوات طويلة، ليس بسبب تراجع فني أو عجز رياضي، وإنما نتيجة ظروف سياسية وأمنية تجاوزت حدود الرياضة .

وبذلك أصبح اللاعب العراقي يدفع ثمن قرار سياسي لم يكن هو من صنعه، والجمهور العراقي يدفع ثمن عزلة لم يخترها، وكرة القدم العراقية تخسر سنوات من التطور والاحتكاك والمنافسة . وهذا هو أول معنى يمكن أن نضعه أمام مصطلح ( استهداف العراق ) ليس بالضرورة استهدافاً مباشراً داخل الملعب، وإنما جعل الرياضة واحدة من ساحات انعكاس الصراع السياسي على العراق . لقد كانت الكرة العراقية في تلك المرحلة ضحية البيئة السياسية أكثر مما كانت ضحية المنافسة الرياضية . وعندما عاد العراق إلى كأس الخليج عام 2004، كان ذلك أشبه بعودة لاعب إلى ملعب غادره قسراً سنوات طويلة .

غير أن العودة لم تكن تعني انتهاء آثار الماضي، فالعراق كان يدخل كل بطولة محملاً بذاكرة سياسية وثقيلة، بينما كانت كرة القدم الخليجية تتطور وتتوسع في إمكاناتها ومؤسساتها واستثماراتها . ومع ذلك، ظل العراق قادراً على إثبات نفسه . وهذا ما يجعل قصة العراق في كأس الخليج مختلفة عن مجرد قصة منتخب يبحث عن لقب . إنها قصة منتخب استطاع، رغم الحروب والعقوبات والعزلة، أن يحتفظ بمكانته بين الكبار . ولعل خليجي 25 في البصرة كان أهم اختبار لهذه الحقيقة .

عندما عاد العراق إلى استضافة البطولة في البصرة عام 2023، لم تكن المسألة مجرد ملعب وفنادق وتنظيم مباريات . كانت البصرة تحمل رسالة عراقية إلى المحيط الخليجي والعربي .. العراق يريد أن يفتح أبوابه، ويريد أن تكون الرياضة جسراً للتواصل بعد عقود من التوتر . وكانت البطولة حدثاً استثنائياً في الذاكرة العراقية، الجماهير امتلأت بها الملاعب والشوارع، ووجد العراقيون في البطولة فرصة لإظهار وجه مختلف للعراق، فيما أصبحت البصرة نقطة التقاء للجماهير الخليجية .

لكن المفارقة أن السياسة ظلت حاضرة حتى في بطولة أراد العراقيون أن تكون عنواناً للرياضة والسلام . فالأحداث التنظيمية التي رافقت افتتاح خليجي 25 أثارت جدلاً واسعاً، ومنها أزمة دخول الوفد الكويتي إلى الملعب، وهي حادثة اعتذر عنها الجانب العراقي .

ولا توجد في هذه الواقعة وحدها أدلة تسمح بوصفها استهدافاً سياسياً، لكنها تكشف مدى حساسية العلاقة بين الرياضة والسياسة عندما تكون البطولة مقامة في بلد يحمل تاريخاً ثقيلاً من الخلافات مع محيطه . ومع ذلك، نجحت البصرة في تقديم واحدة من أهم الرسائل ، العراق قادر على استقبال أشقائه، وقادر على تنظيم بطولة كبرى، وقادر على أن يجعل من كرة القدم لغة للحوار .

والأهم أن المنتخب العراقي لم يكتفِ بالاستضافة، بل ذهب إلى النهاية وتوج بطلاً لخليجي 25 . وهنا ظهرت حقيقة أخرى .. العراق، عندما يحصل على الفرصة، يستطيع أن ينافس . ولهذا فإن الحديث عن العراق في كأس الخليج لا يمكن أن ينحصر في فكرة (( منتخب يخسر أو يفوز )). بل يجب أن يوضع ضمن سياق تاريخي أكبر . فالعراق لم يكن ضعيفاً في تاريخ البطولة، بل كان بطلاً ثلاث مرات قبل لقب البصرة، وحقق حضوراً تنافسياً لافتاً . وحتى اتحاد كأس الخليج يثبت أن العراق كان من القوى الأساسية في البطولة منذ دخوله إليها . ومن هنا فإن السؤال يعود مرة أخرى .. هل المشكلة في المنتخب العراقي، أم أن السياسة كثيراً ما وضعت العراق في ظروف جعلت مهمته أصعب من مجرد المنافسة داخل الملعب ؟ الإجابة تحتاج إلى التفريق بين مرحلتين . المرحلة الأولى موثقة بوضوح .. العراق تعرض لعزلة رياضية نتيجة ظروف سياسية، وغاب عن بطولات خليجية عديدة. هذه ليست نظرية ولا رواية جماهيرية، وإنما جزء من تاريخ البطولة نفسها . أما المرحلة الثانية، وهي الحديث عن وجود استهداف في نتائج المباريات أو القرارات التحكيمية أو ترتيبات البطولات، فتحتاج إلى أدلة منفصلة لكل واقعة. فلا يجوز أن نضع كل شيء في سلة واحدة . لكن المشكلة أن السياسة عندما تدخل إلى الرياضة لا تحتاج دائماً إلى إصدار قرار مباشر ضد لاعب أو منتخب؛ يكفي أن تتشكل بيئة مشحونة، أو أن تصبح المنافسة الرياضية امتداداً للخلاف السياسي، حتى يشعر الجمهور بأن المباراة لم تعد مباراة فقط . وهذا ما يجعل العراق شديد الحساسية تجاه أي موقف خليجي. فالذاكرة العراقية تحمل سنوات من العزلة، وتعرف أن المنتخب غاب عن المنافسة عندما كانت أجيال كاملة من اللاعبين في أوج عطائها . وتعرف الجماهير أن العراق كان قادراً على بناء تاريخ رياضي أكبر لو لم تتعرض كرتُه لكل تلك الانقطاعات . ثم جاءت خليجي 26 في الكويت أواخر عام 2024 ومطلع 2025 لتعيد النقاش من جديد .

دخل العراق البطولة وهو حامل لقب خليجي 25، وفاز في مباراته الأولى على اليمن بهدف نظيف، ثم خسر أمام البحرين، قبل أن يخسر أمام السعودية 3-1 ويغادر البطولة من دور المجموعات . الاتحاد الآسيوي وثّق النتائج وترتيب المجموعة، مؤكداً أن السعودية تأهلت إلى نصف النهائي بعد فوزها على العراق .

وهنا انقسم الشارع العراقي . هناك من رأى أن الخروج نتيجة فنية طبيعية، وأن المنتخب لم يقدم المستوى الذي يؤهله للاستمرار . وهناك من قرأ المشهد في سياق سياسي أوسع، خصوصاً مع وجود تاريخ طويل من العلاقة المعقدة بين السياسة والرياضة الخليجية . لكن المسؤولية الإعلامية تفرض علينا ألا نحول الشك إلى حقيقة . فخسارة العراق أمام السعودية لا تثبت وحدها وجود استهداف، كما أن وجود خلافات سياسية بين الدول لا يعني تلقائياً أن نتيجة المباراة كانت سياسية . لكن في المقابل، لا يجوز أيضاً تجاهل التاريخ والقول إن الرياضة كانت دائماً منفصلة عن السياسة . الحقيقة أن كأس الخليج نفسها شهدت على مر تاريخها انسحابات وتغييرات وغيابات مرتبطة بظروف سياسية. ولذلك فإن القول بأن البطولة كانت دائماً بمنأى عن السياسة لا ينسجم مع تاريخها الموثق . المشكلة إذن ليست في وجود السياسة باعتبارها واقعاً إقليمياً، وإنما في انتقالها من غرف السياسة إلى أرض الملعب . فالسياسة عندما تستخدم الرياضة لتوجيه الرسائل، تتحول المباراة من منافسة إلى اختبار ولاءات. وعندما يصبح الجمهور مشحوناً بخلافات الدول، تصبح كل صافرة وكل قرار وكل نتيجة قابلة للتفسير السياسي . وهنا تحديداً يقع العراق في موقف شديد الحساسية . العراق بلد عربي كبير، لكنه عاش خلال عقود صراعات إقليمية ودولية جعلته في أحيان كثيرة خارج التوازنات الطبيعية للمنطقة . لذلك فإن عودته إلى محيطه الخليجي والعربي تحتاج إلى علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على ذاكرة الصراع . ومن الخطأ أن ينظر البعض إلى العراق باعتباره منافساً يجب احتواؤه أو إضعافه . فالعراق عندما يكون قوياً رياضياً لا يخسر الخليج، بل يكسب الخليج منتخباً جماهيرياً وتنافسياً يرفع قيمة البطولة . والمنتخب العراقي القوي ليس تهديداً لأحد . بل إن قوة المنافسة هي التي تمنح البطولة قيمتها . إن كأس الخليج تفقد جزءاً من معناها إذا تحولت إلى بطولة تتصارع فيها الحسابات السياسية بدلاً من المنتخبات . فالهدف من الرياضة أن تجمع المختلفين، لا أن تعيد إنتاج خلافاتهم . ومن هنا فإن الحديث عن «استهداف العراق» يجب أن يتحول من خطاب اتهامي إلى سؤال أكبر .. هل استطاعت المنظومة الخليجية أن تفصل فعلاً بين الخلافات السياسية والمنافسة الرياضية؟

هذا السؤال لا يخص العراق وحده . لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الأزمات السياسية يمكن أن تؤثر في الرياضة، لكن التجربة نفسها أثبتت أن الرياضة يمكن أن تكون أداة لتخفيف الأزمات أيضاً. وخليجي 25 في البصرة كان نموذجاً واضحاً لذلك . فقد جاء الجمهور الخليجي إلى العراق، وجلس العراقي إلى جانب الخليجي، وتحدث الناس عن كرة القدم أكثر مما تحدثوا عن الخلافات السياسية . وهذا هو الوجه الذي يجب أن تنتصر له كأس الخليج . العراق لا يطلب امتيازاً . ولا يريد أن يفوز لأنه العراق . ولا يريد أن يُعامل كضيف يحتاج إلى مجاملة . العراق يريد شيئاً أبسط بكثير أن تكون المنافسة داخل الملعب، وأن تكون العدالة فوق الجميع، وأن لا تتحول كرة القدم إلى أداة لمعاقبة الشعوب على مواقف حكوماتها . وهنا تكمن المسألة . إذا كان العراق قد دفع ثمناً سياسياً في الماضي، فلا ينبغي أن يدفع ثمناً سياسياً جديداً في الرياضة . وإذا كانت هناك خلافات سياسية بين بغداد وأي عاصمة خليجية، فإن هذه الخلافات يجب أن تبقى في مكانها الطبيعي طاولة السياسة والدبلوماسية، لا ملعب كرة القدم . فاللاعب العراقي لا يمثل قراراً سياسياً، والجمهور العراقي ليس مسؤولاً عن ملفات الحكومات، والمنتخب الوطني لا ينبغي أن يكون صندوق بريد للخلافات بين الدول . إن تحويل كأس الخليج إلى مساحة لتصفية الحسابات السياسية يسيء إلى الجميع، لكنه يسيء إلى العراق بصورة أكبر، لأن العراق دفع تاريخياً ثمناً باهظاً من العزلة والانقطاع عن المنافسات . ومن حق الأجيال العراقية الجديدة أن تنافس دون أن تحمل أوزار الأجيال السياسية السابقة . ومن حق اللاعب العراقي أن يدخل الملعب وهو يفكر في كيفية تسجيل الهدف، لا في تاريخ العلاقات بين العواصم . ومن حق الجمهور الخليجي أيضاً أن يشاهد مباراة كرة قدم لا مباراة سياسية متنكرة في زي رياضي . لقد آن الأوان لأن تنتقل كأس الخليج من مرحلة (انعكاس السياسة على الرياضة) إلى مرحلة (استخدام الرياضة لتقريب السياسة). وهنا يمكن للعراق أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة . فالعراق يمتلك تاريخاً كروياً عريقاً، وجمهوراً واسعاً، وموقعاً مهماً، وقد أثبتت البصرة أن الشعب العراقي قادر على استقبال أشقائه بروح عربية أصيلة . لكن المطلوب أن تكون العلاقة متبادلة . لا يريد العراق بطولة تنحاز إليه، وإنما بطولة لا تنحاز ضده . لا يريد حكماً يجامل منتخبه، وإنما حكماً لا يتأثر بالسياسة . لا يريد نتيجة مصنوعة له، وإنما يريد أن تكون النتيجة صناعة لاعبيه . وهذه ليست مطالبة عراقية خاصة، بل هي القاعدة التي تحمي الرياضة في كل مكان . في النهاية، قد لا يكون من الدقة القول إن كل ما تعرض له العراق في كأس الخليج كان نتيجة (مؤامرة) أو (استهداف مباشر)، لكن من الصعب أيضاً إنكار أن العراق كان من أكثر المنتخبات تأثراً بالتجاذبات السياسية التي مرت بها المنطقة، وأن تاريخه في البطولة يحمل فصولاً واضحة من الغياب والعزلة والتأجيل والتأثر بالأزمات السياسية . وهذا وحده كافٍ لفتح النقاش . فالقضية ليست أن نخترع عدواً للعراق، وإنما أن نعترف بأن الرياضة الخليجية لن تبلغ كامل قيمتها ما دامت السياسة قادرة على ترك ظلالها الثقيلة على الملاعب . العراق يريد أن ينافس. الخليج يريد منافسة قوية . والجمهور يريد كرة قدم . إذن، لماذا لا يكون الملعب هو الحكم الوحيد ؟ فكأس الخليج يجب أن تكون بطولة للمنتخبات لا للحكومات، وللجماهير لا للخلافات، وللرياضة لا للتجاذبات . وإذا كان العراق قد دفع في الماضي ثمن السياسة، فإن أقل ما يمكن أن تقدمه له الرياضة الخليجية اليوم هو أن تمنحه فرصة المنافسة العادلة، وأن تفتح أمامه صفحة جديدة لا تحكمها ذاكرة الصراع . فالعراق لا يريد أن ينتصر خارج الملعب، لكنه أيضاً لا يقبل أن يخسر بسبب ما يحدث خارجه . وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يريد لكرة القدم الخليجية أن تبقى مساحة للتنافس الشريف، لا ساحة أخرى من ساحات السياسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *