أثار القرار الأمريكي الأخير المتعلق بالعقوبات المفروضة على قطاع الطيران الإيراني، وما ترتب عليه من تأثير مباشر في حركة الطيران بين العراق وإيران، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. وذهب بعضهم إلى المطالبة بتدخل مرجعية السيد علي السيستاني لاتخاذ موقف يضغط باتجاه رفض القرار الأمريكي أو عدم الالتزام بتداعياته.
ومن وجهة نظري، فإن مرجعية السيد السيستاني لا تتخذ مواقفها تحت ضغط العواطف والشعارات وردود الأفعال الآنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضية قد تترتب عليها نتائج سياسية واقتصادية ومالية تمس العراق ومواطنيه جميعاً.
ويوم أمس، عندما توقفت الرحلات الإيرانية في مطار بغداد الدولي، في حين استمرت مؤقتاً عبر مطار النجف، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بتصريحات نارية صدرت عن بعض المحسوبين على أحزاب وقوى سياسية، وكانت في رأيي بعيدة عن منطق الدولة وحسابات المصالح والنتائج.
ووفق المعلومات التي كانت متاحة آنذاك، لم تكن المسألة مجرد قرار عراقي معلن بإغلاق الأجواء أمام الطيران الإيراني، بل ارتبط جانب أساسي منها بامتناع شركات المناولة والخدمات الأرضية عن تقديم خدماتها للناقلات الإيرانية خشية تعرضها للعقوبات الأمريكية، بينما استمرت الرحلات في مطار النجف خلال تلك الفترة قبل أن يصدر لاحقاً توجيه بإيقافها.
لكن البعض سارع إلى تحويل هذا الاختلاف الإداري والتشغيلي إلى قصة (مقاومة وبطولة)، فقرأنا من يكتب ما معناه (بأمر المرجعية، مطار النجف يستمر في دعم إيران ولا يلتزم بالعقوبات)، وآخر يكتب (بأمر صاحب الزمان، مطار النجف يكسر الحصار).
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل هذا منطق دولة؟
وهل هكذا تُدار العلاقات الدولية؟
وهل القرارات التي يمكن أن تعرّض بلداً بأكمله لعقوبات أو قيود مالية واقتصادية تُتخذ بهذه الطريقة؟
المشكلة أننا نحول قضية سياسية واقتصادية وقانونية شديدة التعقيد إلى شعارات عاطفية على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم نطالب المرجعية الدينية بأن تدخل طرفاً فيها، وكأن القضية مجرد موقف سياسي يحتاج إلى كلمة لتنتهي المسألة.
وهناك مسألة أخرى ينبغي عدم تجاهلها، وهي أن العراق دولة متعددة دينياً ومذهبياً وقومياً، وحتى داخل المكون الشيعي لا يقلد جميع العراقيين مرجعية السيد السيستاني، فهناك مراجع دينية أخرى ولها مقلدوها، فضلاً عن وجود السنة والمسيحيين والإيزيديين والصابئة ومكونات وقوميات عراقية أخرى.
لذلك، عندما نتحدث عن قرار سيادي يمس الدولة العراقية بأكملها، فلا يمكن اختزال القضية في موقف مرجعية دينية، مهما كان ثقلها ومكانتها وتأثيرها الاجتماعي والديني والسياسي.
فالقرار الذي تترتب عليه نتائج تمس جميع العراقيين ينبغي أن يُدرس على أساس المصلحة الوطنية العراقية، وعلى أساس ما ستتحمله الدولة والمجتمع والاقتصاد والمواطن من نتائج.
وقبل أن نقول (نريد من مرجعية السيد السيستاني أن تتدخل لكسر القرار الأمريكي)، علينا أن نسأل أولاً:
(إذا قرر العراق تحدي هذه العقوبات، فما النتائج المحتملة على العراق؟)
الدول لا تُدار بالعواطف، ولا بالشعارات، ولا بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تُدار بحساب المصالح والقدرات والنتائج والمخاطر والبدائل.
العراق اليوم، سواء أعجبنا هذا الواقع أم لم يعجبنا، لا يمتلك استقلالاً مالياً واقتصادياً كاملاً يسمح له باتخاذ أي قرار خارجي من دون حساب انعكاساته. فالاقتصاد العراقي شديد الاعتماد على الإيرادات النفطية، كما أن جزءاً مهماً من تعاملاته المالية الدولية وتدفقات الدولار يمر ضمن منظومة مالية عالمية تلعب فيها المؤسسات والقنوات الأمريكية دوراً مؤثراً.
ولهذا فإن الدخول في مواجهة مالية مع الولايات المتحدة ليس شعاراً سياسياً يُرفع، وإنما قرار له كلفة يجب حسابها قبل اتخاذه.
إذن، القضية ليست:
(هل نخاف من أمريكا أم لا نخاف؟)
هذا تبسيط ساذج لقضية أكثر تعقيداً.
السؤال الحقيقي هو:
(إذا دخل العراق في مواجهة مالية واقتصادية مع الولايات المتحدة، فمن سيدفع الثمن؟)
هل سيدفعه السياسي؟
أم الحزب؟
أم صاحب الملايين والمليارات؟
أم الموظف والمواطن والسوق والاقتصاد العراقي؟
إذا فُرضت قيود إضافية على الدولار أو التحويلات المالية أو المصارف العراقية، فإن السياسي الذي يمتلك ملايين أو مليارات الدولارات لن يجوع، ولن يكون أول من يشعر بالأزمة.
المواطن هو الذي قد يواجه ارتفاع سعر الدولار.
والمواطن هو الذي سيدفع زيادة أسعار السلع المستوردة.
والتاجر هو الذي سترتفع عليه كلفة التحويل والاستيراد.
والموظف هو الذي سيقلق من انتظام راتبه وقوته الشرائية.
والقطاع المصرفي والتجاري العراقي هو الذي قد يتحمل القيود والتعقيدات.
وفي النهاية، تنتقل فاتورة القرار من مكاتب السياسيين إلى جيوب الناس.
وهنا يجب أن نفهم حقيقة أساسية:
إيران تضع مصالحها وأمنها القومي أولاً، وهذا أمر طبيعي تفعله الدول. والولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها وسياساتها. والعراق أيضاً يجب أن تكون له مصلحته الوطنية وحساباته الخاصة.
فلا ينبغي مطالبة العراق بتحمل كلفة اقتصادية أو سياسية أو أمنية كبيرة لمجرد إثبات أنه صاحب موقف.
الوطنية ليست أن أتخذ قراراً يبدو بطولياً، ثم أرسل فاتورته إلى المواطن.
والوطنية ليست أن أرفع سقف الشعارات إلى أقصى حد، بينما قدرة الدولة على تحمل نتائج تلك الشعارات محدودة.
الوطنية الحقيقية هي أن أعرف قدرة بلدي، وأن أحسب ماذا سأربح وماذا سأخسر، وما البدائل المتاحة أمامي، وما حجم الضرر المتوقع، وكيف سأتعامل معه، ومن سيتحمل كلفته إذا وقع.
ولهذا أعتقد أيضاً أن مرجعية السيد السيستاني أعمق من أن تُدفع إلى موقف بهذه الخطورة نتيجة ضغط منشورات مواقع التواصل الاجتماعي أو المزايدات الحزبية والسياسية. فأي موقف بهذا المستوى يفترض أن يأخذ في الحسبان مصالح أكثر من (46 مليون عراقي)، لا أن يُنظر إليه حصراً من زاوية العلاقة مع إيران أو الولايات المتحدة.
وأستغرب شخصياً من بعض السياسيين والأحزاب عندما يتحولون فجأة إلى أبطال في مواجهة الولايات المتحدة، بينما أموالهم ومصالحهم وعائلاتهم في مأمن، ثم يريدون ممارسة مفهومهم للوطنية والسيادة على حساب المواطن العراقي.
فهل من المنطق أن نقول:
(نقاوم الولايات المتحدة برواتب الموظفين العراقيين، بينما نظامنا المالي واقتصادنا ما زالا شديدي الارتباط بالدولار وبالمنظومة المالية الدولية؟)
إذا أردنا فعلاً أن نمتلك قراراً سيادياً مستقلاً، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الشعارات، بل عبر بناء عناصر القوة التي تجعل القرار المستقل ممكناً.
ابنِ اقتصاداً قوياً.
نوّع مصادر الدخل.
قلل اعتماد الدولة على النفط.
طوّر نظاماً مصرفياً حديثاً وقادراً على التعامل مع الأسواق الدولية.
نوّع الاحتياطيات والقنوات المالية.
ادعم الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي.
طوّر قطاعاً خاصاً حقيقياً.
قلل اعتماد السوق العراقية على الاستيراد.
وابنِ مؤسسات دولة قادرة على تحمل الصدمات الاقتصادية والمالية والعقوبات الخارجية.
عندها فقط ستتوسع مساحة القرار العراقي، وسيصبح بإمكان الدولة أن تقول (لا) لهذه الدولة أو تلك عندما تتعارض مطالبها مع المصلحة الوطنية العراقية، من دون أن تستيقظ في اليوم التالي لتكتشف أن المواطن هو من سيدفع ثمن تلك الـ(لا).
فالدولة التي تريد قراراً مستقلاً يجب أن تمتلك أولاً أدوات الاستقلال.
أما أن يكون الاقتصاد هشاً، والإنتاج المحلي ضعيفاً، والاعتماد على الاستيراد كبيراً، والإيرادات مرتبطة إلى حد بعيد بالنفط، ثم ندخل في مواجهة اقتصادية تحت عنوان السيادة ونترك المواطن يتحمل نتائجها، فهذه ليست سيادة.
السيادة ليست أن ترفع صوتك أكثر.
السيادة أن تمتلك خيارات أكثر.
وليست أن تتحدى الآخرين بالكلمات.
بل أن تمتلك من عناصر القوة ما يسمح لك برفض ما يتعارض مع مصالحك، وتحمل نتائج قرارك عندما ترفض.
وهنا يكمن الفرق بين (شعار السيادة) و(قدرة السيادة).
فالدولة القوية لا تحتاج إلى إثبات سيادتها بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بخطاب انفعالي، ولا بمزايدة سياسية.
الدولة القوية تثبت سيادتها باقتصادها، ومؤسساتها، وإنتاجها، ونظامها المالي، وقدرتها على توفير احتياجات شعبها، وامتلاكها بدائل حقيقية عندما تتعرض للضغط.
ومن يريد للعراق أن يقول (لا) للعالم، عليه أولاً أن يعمل لكي يصبح العراق قادراً على تحمل كلفة هذه الـ(لا).
أما أن نقولها نحن، ويدفع المواطن ثمنها، فهذه ليست سيادة.
السيادة ليست شعاراً نرفعه عندما نغضب، وإنما قدرة تبنيها الدولة، وخيارات تمتلكها، وكلفة تستطيع تحملها عندما تقرر.


