تطرح التحولات الأمنية المتسارعة في العراق سؤالا يتجاوز حدود إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، ليصل إلى جوهر مفهوم الأمن الوطني وطبيعة الدولة العراقية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، فالعراق يجد نفسه أمام حاجة حقيقية إلى تطوير بنيته الأمنية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة، لكنه في الوقت ذاته لا يتحرك داخل بيئة محايدة؛ إذ يتقاطع أمنه الوطني مع مصالح الولايات المتحدة وإيران، ومع حسابات قوى إقليمية ودولية أخرى ترى في العراق مساحة استراتيجية ذات أهمية كبيرة.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية تنطلق من حاجة عراقية خالصة تفرضها التحولات الداخلية وطبيعة التهديدات الجديدة، أم أنها تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالصراع الأمريكي–الإيراني والتنافس الأوسع على العراق وموقعه الإقليمي؟
في الواقع، يصعب الفصل بصورة كاملة بين العاملين، فالحاجة العراقية إلى إعادة بناء المنظومة الأمنية قائمة بذاتها، لكنها تتحرك داخل بيئة خارجية تجعل عملية إعادة البناء محكومة بجملة من التوازنات والضغوط والحسابات، وبالتالي، فإن التحدي لا يتمثل فقط في بناء مؤسسات أمنية أكثر قوة، وإنما في ضمان أن يكون اتجاه هذه القوة نابعا من تعريف عراقي للمصلحة الوطنية.
لقد تغيرت طبيعة التهديدات التي تواجه العراق بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد التهديد الأمني محصورا بالإرهاب أو بالمواجهة العسكرية التقليدية، بل أصبح أكثر تركيبا، بحيث يشمل الأمن السيبراني، والحرب المعلوماتية، والطائرات المسيّرة، والتهديدات العابرة للحدود، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية، والأمن الاقتصادي، فضلا عن تأثير الأزمات الإقليمية في الداخل العراقي.
وهذا التحول يفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن نفسه، فالبنية الأمنية التي صُممت للتعامل مع تهديدات تقليدية قد لا تكون قادرة وحدها على التعامل مع بيئة استراتيجية تتحرك فيها التهديدات بسرعة وتتداخل فيها الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية.
لذلك، فإن إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية تمثل، في أصلها، حاجة وطنية موضوعية، فالعراق يحتاج إلى منظومة أمن قومي قادرة على قراءة البيئة الاستراتيجية بصورة شاملة، وربط المعلومات الاستخبارية بالقرار السياسي، وتنسيق المؤسسات العسكرية والأمنية، وتطوير القدرات التكنولوجية، وحماية المجال السيبراني، وتعزيز أمن الحدود والبنية التحتية، والتعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى تهديدات واسعة.
غير أن هذه الحاجة الوطنية تتحرك داخل بيئة إقليمية لا يمكن تجاهلها، فالعراق يمثل نقطة التقاء جغرافي وسياسي بين إيران وتركيا ودول الخليج، كما يحتفظ بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعله جزءا من شبكة واسعة من التفاعلات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن أي تغيير كبير في بنيته الأمنية يمكن أن يُقرأ من الخارج ليس باعتباره شأنا عراقيا فقط، وإنما باعتباره تحولا قد يؤثر في توازنات المنطقة.
وهنا يظهر الصراع الأمريكي–الإيراني بوصفه أحد العوامل المؤثرة في البيئة الأمنية العراقية، فالعراق لا يقف خارج هذا الصراع، حتى عندما يسعى رسميا إلى عدم التحول إلى ساحة مواجهة بين الطرفين، فوجود المصالح الأمريكية من جهة، والنفوذ الإيراني وعلاقات العراق المختلفة مع إيران من جهة أخرى، يجعل الملف الأمني العراقي متداخلا مع حسابات الطرفين.
لكن من المهم التمييز بين التأثر بالبيئة الدولية وبين الخضوع لها، فكون العراق يتأثر بالصراع الأمريكي–الإيراني لا يعني بالضرورة أن إعادة تشكيل بنيته الأمنية تتم بناء على إرادة خارجية، فالدول جميعا تتأثر ببيئتها الدولية، لكن الفرق يكمن في قدرة الدولة على تحويل هذا التأثر إلى خيارات وطنية بدلا من أن تتحول إلى مساحة تتصارع فيها الإرادات الخارجية.
ومن هذه الزاوية، فإن معيار النجاح في إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية لا ينبغي أن يكون حجم التعاون مع الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما، وإنما قدرة العراق على تحديد ما يحتاجه أمنه الوطني أولا، ثم اختيار الشراكات التي تساعده على تحقيق هذه الاحتياجات.
فالعراق يحتاج إلى التعاون الدولي في مجالات عديدة، من التدريب والتسليح إلى التكنولوجيا والاستخبارات والأمن السيبراني، لكن هذا التعاون ينبغي أن يكون جزءا من استراتيجية وطنية واضحة، لا بديلا عن بناء القدرات العراقية، وكلما زادت قدرة العراق الذاتية، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع مختلف الأطراف من موقع الشراكة والمصلحة المتبادلة.
وفي المقابل، فإن استمرار وجود تعدد في مصادر التأثير داخل البيئة الأمنية والسياسية العراقية قد يجعل عملية إعادة التشكيل أكثر تعقيدا، فإعادة بناء المؤسسات لا تتعلق فقط بالهياكل والاختصاصات، وإنما أيضا بتحديد مرجعية القرار الأمني، وتوحيد مفهوم التهديد، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومختلف مصادر القوة والتأثير.
ولهذا فإن إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية ينبغي ألا تُفهم باعتبارها مجرد عملية إدارية لإعادة توزيع الصلاحيات بين الأجهزة، وإنما باعتبارها مشروعا لإعادة بناء هندسة الأمن الوطني، وهذه الهندسة تتطلب الانتقال من الاستجابة للأزمات إلى استباقها، ومن التعامل مع التهديدات بصورة منفردة إلى بناء منظومة قادرة على الربط بين التهديدات المختلفة.
كما أن العراق بحاجة إلى تطوير مفهوم واضح للأمن الاستراتيجي يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: حماية الدولة ومؤسساتها، حماية المجتمع ومصالحه الحيوية، وحماية القرار الوطني من التحول إلى موضوع للتجاذب الخارجي، فالأمن لا يتحقق فقط عندما تكون الحدود محمية أو عندما تكون المؤسسات العسكرية قوية، وإنما عندما تكون الدولة قادرة على اتخاذ قراراتها الاستراتيجية وفق تقديرها لمصالحها الوطنية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الصراع الأمريكي–الإيراني ليس باعتباره السبب الوحيد لإعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية، وإنما باعتباره بيئة ضاغطة تكشف نقاط القوة والضعف في هذه البنية، فكلما كانت المؤسسات العراقية أكثر تماسكا، أصبح العراق أكثر قدرة على منع الصراع الخارجي من التأثير في قراره الداخلي، وكلما كانت البنية الأمنية أكثر تعددا وتداخلا، أصبح احتمال انتقال التنافس الخارجي إلى الداخل أكبر.
وهنا تبرز فرصة استراتيجية للعراق، فبدلا من النظر إلى موقعه بين القوى المتنافسة باعتباره مشكلة دائمة، يمكن تحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة إذا امتلك العراق قدرة أكبر على إدارة علاقاته، فالعراق يستطيع أن يتعاون مع الولايات المتحدة في مجالات، ومع إيران في مجالات أخرى، ومع دول الخليج وتركيا ودول أخرى، شرط أن تكون هذه العلاقات محكومة بمحددات المصلحة الوطنية العراقية.
إن إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون استجابة لصراع الآخرين على العراق، بل استجابة لتحولات العراق نفسه، فالمؤسسة الأمنية التي يحتاجها العراق اليوم يجب أن تكون قادرة على حماية الدولة في عالم مختلف عن العالم الذي نشأت فيه كثير من ترتيبات الأمن التقليدية.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إعادة تشكيل البنية الأمنية عراقية أم متأثرة بالخارج؛ لأن الاثنين يمكن أن يجتمعا في الوقت نفسه، الحاجة إلى إعادة التشكيل وطنية في جوهرها، لكنها تتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية تؤثر في مساراتها، والتحدي العراقي الحقيقي هو ضمان أن يبقى التأثير الخارجي عاملا في البيئة وليس عاملا مقررا في القرار.
إن العراق لا يحتاج إلى بنية أمنية تعزل نفسها عن العالم، كما لا يحتاج إلى بنية أمنية تستجيب لمتطلبات القوى الخارجية، ما يحتاجه هو بنية أمنية وطنية قادرة على الاستفادة من العلاقات الدولية دون الارتهان لها، وعلى التعاون مع القوى المختلفة دون التحول إلى طرف في صراعاتها، وعلى بناء القوة الذاتية بما يجعل الشراكة الخارجية خيارا استراتيجيا لا ضرورة مفروضة.
ومن هنا، فإن إعادة تشكيل الأمن العراقي ينبغي أن تُبنى على قاعدة واضحة: كلما امتلك العراق قدرة وطنية أكبر على إنتاج أمنه، تراجعت قدرة الآخرين على إنتاج أمنهم داخله، وهذه هي النقلة التي يمكن أن تحول إعادة بناء البنية الأمنية من مجرد استجابة للضغوط الإقليمية والدولية إلى مشروع وطني لإعادة تعريف موقع العراق ودوره وقدرته على حماية قراره السيادي في بيئة إقليمية متغيرة.


