بين صراحة “ترامب” وكواليس “روتشيلد”: العراق وإدارة الوقت تحت أفق 2027

بين صراحة ترامب وكواليس روتشيلد العراق وإدارة الوقت تحت أفق 2027
يقرأ النص تمديد مسار حصر السلاح حتى حزيران 2027 بوصفه «تأجيلاً استراتيجياً» للمواجهة في العراق، ويربطه بتحركات بغداد الخارجية. غير أن ثبوت اللقاءات والمهلة الزمنية لا يثبت وجود صفقة سرية تربط بين المسارين...

كشفت أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عن ملامح مرحلة جديدة في إدارة الصراعات الدولية، حيث اعتلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنبر الأممي ليطرح أطروحة حازمة قائمة على مبدأ “السلام عبر القوة” وإعلاء المصلحة الوطنية للولايات المتحدة فوق كل اعتبار. لم يكن الخطاب مجرد استعراض بروتوكولي، بل كان بمثابة إعادة رسم ملامح النظام الدولي عبر تهميش الحوكمة العابرة للحدود، وتوجيه نقد مباشر وعلني للمؤسسات القضائية والتنفيذية الدولية وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ومن خلال هذا العرض الصريح للقوة، بعثت واشنطن برسالة مفادها أن الشرعية والردع يتحددان بالقدرة على فرض الأمر الواقع واستباحة التحصينات، كما تجسد في الملف الفنزويلي، لتؤكد أن المعاهدات والتفاهمات الدولية تظل رهينة بمدى توافقها مع بوصلة الأمن القومي والمنافع الاقتصادية الأمريكية.

​وفي ظل هذا التصعيد الدولي، تجلت استراتيجية التعامل مع الشرق الأوسط عبر منهجية تجزئة الساحات والحد من اشتباك الجبهات المتزامنة. ففي الوقت الذي تشهد فيه ساحات اليمن ولبنان وإيران مواجهات واختبارات حسم مباشرة، بدت الساحة العراقية وكأنها تخضع لمعادلة التهدئة المؤقتة أو “التأجيل الاستراتيجي”. لم يكن هذا التحايد الشكلي وليد الصدفة، بل جاء إدراكاً من صناع القرار في واشنطن لضرورة حماية استقرار أسواق الطاقة والشبكة المالية الدولية من الهزات الفجائية، مع الرهان على سيناريو “تحصيل الحاصل” الذي يفترض أن حسم الأوراق الإقليمية الكبرى سينعكس تلقائياً على إنهاك الأدوات والتنظيمات الداخلية في بغداد وتجريدها من غطائها الإقليمي دون الحاجة لفتح مواجهة عسكرية مبكرة على الأراضي العراقية.

​ولم تكن هذه المهلة الممتدة حتى حزيران من عام 2027 مقطوعة عن كواليس الترتيبات السياسية والمالية التي سبقتها وتخللتها. فالقراءة المتأنية للمحطات التي سبقت لقاءات نيويورك تعيد التذكير بالزيارات واللقاءات ذات الرمزية العالية في العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها لقاء باريس المثير للجدل مع الملياردير والمصرفي إدوارد دو روتشيلد. يُقرأ هذا اللقاء في الأدبيات السياسية والاقتصادية كبطاقة طمأنة واستكشاف قُدمت للدوائر المالية والغربية النافذة، مفادها أن القيادة التنفيذية في بغداد تسعى لربط مؤسساتها المالية بالمنظومة الغربية وتتبنى سلوكاً براغماتياً يمكن الرهان عليه لإدارة الملفات الشائكة. وقد أثمرت هذه التفاهمات المالية والسياسية عن انتزاع اتفاق غير معلن يقضي بتهدئة الاستهدافات الميدانية والضغط الاقتصادي، مقابل الالتزام بجدول زمني مرحلي لحصر السلاح بيد الدولة يمتد حتى صيف 2027.

​إن هذه التطورات تضع السلطة التنفيذية في العراق أمام إشكاليات مفهومية وسياسية عميقة حول طبيعة دورها وهامش حركتها الميداني. فبينما يرى البعض أن رئيس الحكومة بات يتحرك ضمن المساحة الرمادية كحامل لرسائل التحذير والتهدئة بين واشنطن وقوى الداخل، تبرز مفارقة حادة بين الأدبيات والشعارات السياسية المعلنة محلياً، والتي حصرت العمل السياسي في مقولات مثل “جند الإصلاح”، وبين واقعية الممارسة الميدانية التي اقتضت التنسيق والجلوس مع أعتى رموز النفوذ المالي الغربي والتاريخي الداعم للكيان الصهيوني. لقد أظهرت هذه اللقاءات انتقالاً سريعاً ونفعياً نحو البراغماتية المجردة لتثبيت أركان الحكم وشراء الوقت، على حساب المبادئ والشعارات السياسية التي جرى تصديرها للجمهور العراقي.

​ختاماً، تحتم هذه اللحظة التاريخية على المجتمع العراقي والحركات السياسية الحية إعادة تقييم المشهد بكثير من المكاشفة والصراحة. إن الارتهان للتقاطعات الدولية وتأجيل الاستحقاقات الوطنية إلى مهل زمنية تتحدد في نيويورك أو باريس لا يشكل حلاً مستداماً لبناء الدولة أو حماية السيادة. إن بناء دولة القوانين والمؤسسات الناجزة يتطلب الخروج من جلباب الوساطات وشراء الوقت إلى رحاب التفويض الشعبي والقرار الوطني المستقل، كي لا يظل العراق ساحة تنتظر نتائج الحسم الخارجي أو رهينة للترتيبات المالية والأمنية التي تُصاغ في الغرف المغلقة بعيداً عن تطلعات شعبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *