يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً متسارعاً بفعل التطور المتنامي في التقنيات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أخذت تعيد تشكيل أنماط الإنتاج والتجارة والخدمات وإدارة المعرفة، وتؤثر بصورة متزايدة في كفاءة المؤسسات وقدرتها على اتخاذ القرار. وفي ظل هذا التحول، لم تعد الرقمنة خياراً تكميلياً في إدارة الاقتصادات الحديثة، وإنما أصبحت من المتطلبات الأساسية لتحديث الأداء الاقتصادي والإداري، ورفع الإنتاجية، وتحسين نوعية الخدمات، وتعزيز قدرة الدول على التكيف مع التحولات المتلاحقة في الاقتصاد العالمي. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق، بالنظر إلى حاجته إلى تحديث مؤسساته، وتنويع قاعدته الاقتصادية، وتقليص الاعتماد المفرط على الأنماط التقليدية في الإدارة والإنتاج.
يقوم الاقتصاد الرقمي في جوهره على توظيف تقنيات المعلومات والاتصالات والبيانات في مختلف الأنشطة الاقتصادية والإدارية والخدمية. ويمكن للعراق أن يستفيد من هذه التقنيات في تطوير آليات جمع البيانات الاقتصادية وتحليلها، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، وتسريع إنجاز المعاملات، وخفض جانب من التكاليف الإدارية، فضلاً عن تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. غير أن بناء اقتصاد رقمي فاعل لا يتحقق بمجرد إدخال تطبيقات حديثة إلى المؤسسات، بل يتطلب بنية تحتية رقمية متطورة، واتصالاً واسعاً وموثوقاً بالإنترنت، ومنظومات دفع إلكتروني آمنة، وقواعد بيانات مترابطة، إلى جانب موارد بشرية تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع هذه البيئة الجديدة.
ويمثل الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي يمكن توظيفها في مسار التحول الرقمي الحكومي في العراق. وهذا التحول ينبغي ألا يقتصر على نقل المعاملات الورقية إلى منصات إلكترونية، لأن تحويل الإجراءات التقليدية إلى صيغ رقمية من دون إعادة النظر في بنيتها وآلياتها لا يحقق بالضرورة زيادة حقيقية في الكفاءة. المطلوب هو بناء منظومة حكومية متكاملة تستطيع فيها المؤسسات تبادل البيانات بصورة آمنة ومنظمة، والاستفادة منها في تحليل المشكلات ودعم القرار، والحد من تكرار الإجراءات والمعلومات، وتقديم الخدمات العامة بدرجة أعلى من السرعة والدقة والشفافية.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً مهماً في دعم مساعي العراق لتنويع اقتصاده، ولا سيما إذا انتقل استخدام هذه التكنولوجيا من نطاق التطبيقات الفردية والاستهلاكية إلى الاستخدام الاقتصادي والإنتاجي. ويمكن أن تستفيد المشروعات الناشئة والصغيرة والمتوسطة من الأدوات الذكية في تحليل الأسواق، وإدارة الموارد، وخدمة الزبائن، وتطوير المنتجات، وخفض بعض التكاليف التشغيلية، الأمر الذي يتيح لها قدرة أكبر على النمو والمنافسة.
وتتسع مجالات الاستخدام لتشمل قطاعات حيوية متعددة. ففي قطاع الطاقة، يمكن توظيف تحليل البيانات والأنظمة الذكية في متابعة الأداء، والتنبؤ بالأعطال، وتحسين إدارة الموارد ورفع الكفاءة التشغيلية. وفي الزراعة، يمكن الاستفادة منها في إدارة المياه والري ومراقبة المحاصيل وتحليل الظروف المؤثرة في الإنتاج. كما يمكن استخدامها في النقل والاتصالات والصحة والتعليم والخدمات المصرفية، بما يسهم في تحسين نوعية الخدمات ورفع كفاءة المؤسسات العاملة في هذه القطاعات. إلا أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع بمفردها معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد؛ إذ تتوقف نتائجها على البيئة المؤسسية التي تعمل فيها، وعلى كفاءة الموارد البشرية، وقدرة القطاع الخاص على الاستثمار والابتكار، ومدى توافر البنية الأساسية اللازمة لاستيعابها.
وفي مقابل هذه الفرص، يواجه توظيف الذكاء الاصطناعي في العراق جملة من التحديات التي ينبغي التعامل معها بجدية. ويأتي في مقدمتها الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية، ومعالجة التفاوت في الوصول إلى الخدمات التقنية، ونقص بعض المهارات المتخصصة، فضلاً عن ضرورة تعزيز قدرة المؤسسات على حماية أنظمتها وقواعد بياناتها من الاختراقات والهجمات السيبرانية. فالتوسع في الرقمنة من دون بناء منظومة أمنية موازية قد يحول البيانات والأنظمة الرقمية من أداة لرفع الكفاءة إلى مصدر جديد للمخاطر.
ويضاف إلى ذلك البعد القانوني والتنظيمي؛ إذ يقتضي التوسع في استخدام البيانات والأنظمة الذكية وجود أطر قانونية واضحة تحدد أساليب جمع البيانات ومعالجتها وحمايتها، وتنظم مسؤولية الجهات التي تستخدم الخوارزميات، وتحفظ خصوصية الأفراد وحقوقهم. كما ينبغي أن تبقى القرارات ذات الأثر المباشر في حقوق المواطنين ومصالحهم خاضعة لرقابة بشرية واضحة، وألا يؤدي الاعتماد على الأنظمة الآلية إلى إضعاف مبدأ المسؤولية والمساءلة داخل المؤسسات.
أما سوق العمل، فمن المرجح أن يتأثر بصورة متزايدة باتساع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ولا سيما في الوظائف التي تعتمد على المهام الروتينية والمتكررة. ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء العمل البشري، بقدر ما يعني تغير طبيعة المهارات المطلوبة. وستزداد الحاجة إلى العاملين القادرين على استخدام الأنظمة الرقمية وتحليل البيانات والإشراف على التقنيات الذكية. ومن ثم فإن غياب برامج التدريب وإعادة التأهيل قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين من يمتلكون المهارات الرقمية ومن يفتقرون إليها، فضلاً عن زيادة التفاوت بين المناطق والفئات المختلفة في القدرة على الاستفادة من التحول الرقمي.
ومن هنا، فإن الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي في العراق ينبغي أن يستند إلى استراتيجية وطنية واضحة تحدد الأولويات والمسؤوليات والمراحل التنفيذية، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات متفرقة لا يجمع بينها إطار مؤسسي موحد. ويتطلب ذلك تطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الإنترنت ومراكز البيانات، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الرقمية، بالتوازي مع تحديث التشريعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات.
كما تبرز ضرورة إنشاء قواعد بيانات حكومية موحدة وموثوقة، ووضع ضوابط واضحة لإدارتها وحمايتها وتبادلها بين المؤسسات، مع الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب والبحث العلمي. ويمكن في المراحل الأولى تنفيذ مشروعات تطبيقية مدروسة في قطاعات ذات أولوية، مثل الطاقة والاتصالات والصحة والتعليم والخدمات المصرفية، وتقييم نتائجها بصورة دقيقة قبل الانتقال إلى نطاق أوسع. ومن الضروري كذلك ضمان الشفافية والرقابة البشرية في استخدام التطبيقات الذكية، بما يصون حقوق المواطن ويعزز الثقة بالتكنولوجيا والمؤسسات التي تديرها.
لقد أصبح العالم اليوم أمام مرحلة جديدة تتزايد فيها مساهمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديد مستويات الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية، ومن ثم فإن مواكبة هذه التحولات لم تعد مسألة يمكن تأجيلها بالنسبة إلى العراق. غير أن النجاح في هذا المجال لا يقاس بكثرة المنصات والتطبيقات، وإنما بقدرة الدولة والاقتصاد والمجتمع على توظيفها بصورة منتجة وآمنة ومستدامة.
ويبقى الاستثمار في الإنسان الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه هذا التحول؛ فالذكاء الاصطناعي، مهما اتسعت قدراته، يحتاج إلى الإنسان القادر على فهمه وتطويره وتوجيهه والإشراف على نتائجه. ولذلك فإن تعلم أدواته وتنمية المهارات المرتبطة به لم يعودا ترفاً معرفياً، وإنما أصبحا ضرورة اقتصادية ومهنية. والخيار الأكثر جدوى للعراق هو إعداد الإنسان للعمل مع هذه التكنولوجيا والاستفادة منها وقيادتها، قبل أن تتسع الفجوة بين متطلبات الاقتصاد الجديد والقدرات المتاحة في سوق العمل.


