إصلاح السياسة النقدية وإعادة هيكلة العملة؛ هل يحتاج العراق إلى حذف ثلاثة أصفار من الدينار؟

إصلاح السياسة النقدية وإعادة هيكلة العملة؛ هل يحتاج العراق إلى حذف ثلاثة أصفار من الدينار؟
حذف الأصفار من الدينار العراقي قد يسهّل المعاملات والمحاسبة، لكنه لا يرفع القوة الشرائية. نجاحه يتطلب استقراراً مالياً ونقدياً وإصلاحاً مصرفياً مسبقاً، ليكون تتويجاً للإصلاحات لا بديلاً عنها أو وسيلةً مصطنعة لتعزيز قيمة العملة....

تعود فكرة حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي دورياً إلى النقاش الاقتصادي باعتبارها وسيلة لتبسيط التعاملات النقدية والمحاسبية وتقليل الأرقام الكبيرة المستخدمة في التسعير والميزانيات. غير أن التجارب الدولية تؤكد أن إعادة تسمية العملة لا تخلق استقراراً نقدياً، بل تنجح عندما تكون نتيجةً لاستقرار تحقق بالفعل. ولذلك فإن السؤال بالنسبة للعراق ليس: هل يستطيع حذف الأصفار؟ بل: هل أصبحت البيئة الاقتصادية والمالية مهيأة لذلك؟

التجارب الدولية: النجاح يسبق حذف الأصفار

تمثل تركيا النموذج الأكثر وضوحاً. ففي يناير/كانون الثاني 2005 حذفت أنقرة ستة أصفار من عملتها، فأصبح مليون ليرة قديمة يعادل ليرة تركية جديدة واحدة. لكن هذه العملية لم تكن سبب انخفاض التضخم؛ فقد سبقتها سنوات من الإصلاح المالي والنقدي، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي في إطار برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي. وخلال ثلاث سنوات هبط التضخم من نحو 70% إلى أقل من 10%، ثم جاء حذف الأصفار ليعكس الاستقرار المتحقق ويعزز الثقة بالعملة.

وتقدم البرازيل درساً مماثلاً. فقد تجاوز التضخم السنوي 2,000% في 1993-1994 قبل تطبيق «خطة الريال». ولم تعتمد البرازيل على تغيير شكل العملة وحده، بل أعادت بناء الإطار المالي والنقدي، لينخفض التضخم لاحقاً إلى أقل من 3% بحلول 1998.

أما فنزويلا فتمثل الحالة المعاكسة. فقد حذفت 14 صفراً من البوليفار عبر ثلاث عمليات بين 2008 و2021، لكن استمرار تمويل الاختلالات المالية بالتوسع النقدي، وتراجع الإنتاج، وانهيار الثقة بالعملة جعل إعادة التسمية تفشل في وقف التضخم. وتجارب الأرجنتين المتكررة في استبدال العملات تقدم الدرس نفسه: تغيير الوحدة النقدية لا يستطيع معالجة اختلالات المالية العامة والإنتاج والتوقعات التضخمية.

العراق: هل المشكلة في عدد الأصفار؟

يمتلك العراق بالفعل كتلة نقدية كبيرة. وتشير بيانات صندوق النقد، استناداً إلى أرقام البنك المركزي العراقي، إلى أن العملة المتداولة بلغت نحو 100.5 تريليون دينار في نهاية 2024، بعد أن كانت 76.6 تريليوناً في 2021. ويتوقع الصندوق ارتفاعها إلى نحو 105 تريليونات دينار في 2025.

هذه الأرقام تجعل حذف ثلاثة أصفار جذاباً من الناحية التشغيلية. فإذا أصبح كل 1,000 دينار قديم = دينار جديد واحد، ستنخفض القيم الاسمية دون أن تتغير الثروة الحقيقية: راتب مقداره مليون دينار يصبح ألف دينار جديد، وسلعة سعرها 25 ألف دينار تصبح 25 ديناراً. لا يصبح المواطن أغنى، ولا ترتفع القوة الشرائية، ولا تتغير القيمة الحقيقية للدين العام أو الودائع.

كما أن العراق لا يواجه حالياً تضخماً مفرطاً يفرض إعادة تسمية عاجلة للعملة. فقد انخفض التضخم إلى نحو 2.7% بنهاية 2024، بينما بلغت الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي نحو 100.3 مليار دولار، وهي تغطي أكثر من عام من الواردات.

وهذا يعني أن مبررات حذف الأصفار في العراق تختلف جذرياً عن مبررات تركيا في بداية الألفية أو دول أميركا اللاتينية خلال حقب التضخم الجامح.

فوائد تنظيمية وليست علاجاً اقتصادياً

يمكن للعملية، إذا أُحسن تنفيذها، أن تقلل تعقيد الحسابات والقوائم المالية، وتسهل التعاملات النقدية والتسعير، وتخفض الحاجة إلى تداول فئات اسمية مرتفعة. لكنها تفرض في المقابل تكاليف كبيرة لطباعة العملة الجديدة وسحب القديمة وتعديل أجهزة الصراف والأنظمة المصرفية والبرامج المحاسبية والعقود.

كما تظهر التجارب الدولية احتمال حدوث تقريب للأسعار نحو الأعلى في السلع منخفضة القيمة، فضلاً عن الارتباك خلال المرحلة الانتقالية وإمكانية استغلال نقص الوعي للمضاربة أو الاحتيال. لذلك يتطلب التنفيذ فترة تداول متزامن للعملتين، وقواعد دقيقة لتحويل الأسعار، وحملة توعية واسعة.

لكن الأولوية بالنسبة للعراق ينبغي أن تكون أعمق من تغيير الفئات النقدية. فقد حذر صندوق النقد في 2025 من اتساع الاختلالات المالية بسبب نمو الإنفاق الجاري والأجور وضعف الإيرادات غير النفطية، ودعا إلى إعادة هيكلة المصارف الحكومية وتطوير القطاع الخاص وتحسين إدارة المالية العامة. وفي الوقت نفسه، يواصل البنك المركزي تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والتسوية والمقاصة وتوطين الرواتب، وهي إصلاحات يمكن أن تقلل الاعتماد على النقد الورقي من الأساس.

لذلك فإن حذف الأصفار يمكن أن يكون المرحلة الأخيرة من إصلاح نقدي، لا بدايته. فإذا سبقه ضبط للمالية العامة، وإصلاح للمصارف، وتوسع في المدفوعات الإلكترونية، واستقرار لسعر الصرف والتضخم، فقد يصبح خطوة تنظيمية مفيدة تعكس اقتصاداً أكثر كفاءة. أما إذا عومل باعتباره وسيلة لرفع قيمة الدينار أو السيطرة على التضخم، فلن يتجاوز أثره تغيير الأرقام المطبوعة على الأوراق النقدية.

الدرس الذي تقدمه تركيا والبرازيل وفنزويلا واضح: قوة العملة لا تأتي من عدد الأصفار التي تحملها، بل من قوة السياسات والمؤسسات والاقتصاد الذي يقف خلفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *