المالكي.. إعادة تعريف معركة السلاح من المواجهة إلى التسوية

المالكي.. إعادة تعريف معركة السلاح من المواجهة إلى التسوية
تتناول الرؤية المطروحة مقاربة نوري المالكي لملف السلاح والفصائل، مؤكدة الانتقال من منطق المواجهة إلى التنظيم والاحتواء، مع التركيز على مركزية الدولة في القرار العسكري والتمييز بين المؤسسة الرسمية والتشكيلات السياسية المسلحة...

السيد نوري المالكي في لقائه الأخير مع قناة “الشرقية”، قدم قراءة لافتة لملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح، تكشف عن تحول في لغة التعاطي مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي. فالمالكي لم يتعامل مع الملف بمنطق “نزع السلاح” أو المواجهة المباشرة، بل اختار مفردات “التنظيم” و”الاحتواء” و”الحوار”، في محاولة لإنتاج صيغة تمنع انتقال الأزمة من المجال السياسي إلى الصدام الداخلي.

أبرز ما يمكن التوقف عنده هو تأكيد المالكي أن “لغة التحدي والوعيد انتهت”، وأن التهديد بالهجوم على الحكومة أو مقرات الفصائل لا يمكن أن يقود إلى نتيجة. هذه العبارة تعكس إدراكاً سياسياً بأن ميزان القوة داخل العراق لا يسمح لطرف بإلغاء الآخر بالقوة، وأن أي مواجهة مباشرة ستكون مكلفة للجميع. لذلك فإن الأولوية، من وجهة نظره، أصبحت وضع قاعدة مشتركة لحل الأزمة، وليس تحويل تاريخ 30 أيلول إلى موعد للمواجهة أو العقوبات.

ومن هنا يعيد المالكي تفسير دلالة 30 أيلول، فهو لا يراه بالضرورة موعداً لتسليم السلاح أو حسم الملف، وإنما يمكن أن يكون موعداً للإعلان عن القاعدة التي سيجري اعتمادها لإنهاء الأزمة. وهذه إشارة مهمة، لأنها تنقل النقاش من “موعد نهائي للتنفيذ إلى إطار سياسي وقانوني للتنفيذ التدريجي”.

وفي الجانب الآخر، يرفض المالكي استخدام مفردة “نزع السلاح”، ويطرح بدلاً منها “تنظيم السلاح واحتواءه”، مع التمييز بين السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف، وبين أنواع السلاح بحسب وظيفتها وقدرتها على الاستهداف داخل العراق وخارجه. وهذا يعني أن القضية، وفق هذه الرؤية، ليست جمع كل الأسلحة من جميع الفصائل، وإنما تحديد أي سلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، ومن يمتلك قرار استخدامه.

أما النقطة الأكثر حساسية في حديثه فتتمثل في الفصل بين الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. فقد شدد المالكي على أن الحشد مؤسسة عسكرية حكومية، وأن سلاحه وأمواله وأوامره مرتبطة بالدولة، مع الإقرار بإمكانية حاجته إلى مزيد من التنظيم والدعم. وبذلك يرفض وضع الحشد والفصائل والميليشيات والسلاح المنفلت في خانة واحدة، ويؤكد أن معالجة ملف الفصائل لا تعني بالضرورة المساس بشرعية مؤسسة الحشد.

وتكتسب عبارته “الفصائل فصائل والحشد حشد” أهمية خاصة، فهي توحي بأن جوهر التسوية المقبلة قد يكون إعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل والحشد والدولة، المالكي هنا يحاول الفصل بين كيانين مختلفين:

الحشد الشعبي: هو مؤسسة رسمية تابعة للدولة، لها قانون وهيكل إداري ومالي وقيادة وأوامر عسكرية.

أما الفصائل المسلحة: فهي تنظيمات لها تاريخها وقياداتها وهويتها السياسية والتنظيمية، وبعضها مرتبط بالحشد وبعضها خارج هيكله.

لذلك، عندما يقول “الفصائل فصائل والحشد حشد”، فهو يريد القول إن وجود عناصر أو مقاتلين تابعين لفصيل داخل مؤسسة الحشد لا يعني أن الفصيل نفسه أصبح صاحب القرار داخل الحشد.

ما المقصود بفصل الانتماء السياسي أو التنظيمي عن القرار العسكري؟

لنفترض أن هناك فصيلاً سياسياً لديه عدد من الأفراد المنتمين إليه، وهؤلاء الأفراد أصبحوا ضمن تشكيلات الحشد. بحسب هذه الرؤية، فإنهم عندما يعملون داخل مؤسسة الحشد لا يفترض أن يتلقوا أوامرهم العسكرية من القيادة السياسية أو التنظيمية للفصيل، وإنما من السلسلة العسكرية الرسمية للدولة.

أي أن هناك فرقاً بين الانتماء السياسي والأمر العسكري. فإذا كان المقاتل منتسباً إلى مؤسسة رسمية، فإن قرار التحرك والانتشار واستخدام السلاح يجب أن يأتي من القيادة الرسمية، وليس من قيادة الفصيل السياسية. هذه النقطة التي أثارها السيد المالكي في غاية الاهمية بالنسبة لملف حصر السلاح. لأن جوهر المشكلة ليس بالضرورة وجود أفراد الفصائل داخل الحشد، وإنما من يمتلك قرار استخدام القوة.

ويستحضر المالكي تجربة البصرة و”صولة الفرسان” ليؤكد أن الدولة سبق أن استخدمت القوة عندما تحول السلاح إلى أداة للجريمة والتهريب وتهديد الأمن. لكنه يميز بين تلك الحالة وبين الواقع الحالي، الذي يرى أن معالجته ينبغي أن تقوم على الحوار والاحتواء، ما لم يتحول السلاح إلى تهديد مباشر للدولة والمجتمع.

وبقراءة التصريحات مجتمعة، يمكن القول إن رؤية المالكي لا تتجه إلى تفكيك الفصائل دفعة واحدة، ولا إلى الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، وإنما إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة. فالحشد يبقى مؤسسة رسمية، والفصائل يعاد تحديد وضعها السياسي والعسكري، والسلاح المؤثر استراتيجياً يخضع للتنظيم، بينما يصبح القرار العسكري النهائي من اختصاص الدولة.

وهنا تكمن أهمية لقاء المالكي: فهو لا يقدم حلاً نهائياً بقدر ما يكشف عن منهج جديد لإدارة الأزمة، الانتقال من معركة “نزع السلاح” إلى معركة أكثر تعقيداً تتعلق بمن يمتلك الشرعية والقرار في استخدام القوة. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد يكون حصر السلاح عملية تدريجية تحفظ للدولة هيبتها، وللحشد شرعيته، وللفصائل مخرجاً سياسياً يحول دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *