العراق بين خطر الانكشاف وفرصة إعادة بناء الدولة

العراق بين خطر الانكشاف وفرصة إعادة بناء الدولة
تكشف الحرب هشاشة الانكشاف العراقي أمام اضطرابات الإقليم، من صادرات النفط والطاقة إلى الممرات التجارية والقطاع المالي، وتدعو إلى تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء سيادة مؤسساتية، واقتصاد متنوع، وأمن وطني شامل متعدد المسارات...

لا يمكن النظر إلى العراق بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية باعتباره مجرد دولة مجاورة تأثرت بتداعيات صراع لم تكن طرفاً فيه. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وارتباطاته الاقتصادية والأمنية، وجد نفسه أمام سؤال أعمق: هل يستطيع بناء دولة قادرة على حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة، أم سيبقى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين؟

لقد كشفت الحرب أن المشكلة العراقية لا تكمن فقط في احتمال التعرض لتهديد أمني مباشر، وإنما في هشاشة منظومة الأمن الوطني بمفهومها الشامل. فالعراق ما يزال شديد الاعتماد على النفط في تمويل الدولة، وعلى الممر البحري الخليجي في تصريف معظم صادراته النفطية، وعلى الخارج في أجزاء مهمة من الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والاستثمار. وفي عام 2024 كانت جميع صادراته النفطية المنقولة بحراً، التي تجاوز متوسطها 3.2 ملايين برميل يومياً، تخرج من الموانئ الجنوبية على الخليج. وقد ظهر معنى هذا الانكشاف خلال الحرب؛ إذ تراجعت الصادرات العراقية إلى نحو 1.35 مليون برميل يومياً في تموز/يوليو 2026 قبل أن تتعافى إلى نحو 2.34 مليون برميل في آب/أغسطس، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الحرب التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يومياً.

أول ما ينبغي أن يستخلصه العراق من الحرب هو أن الحياد لا يعني السلبية. فالعراق يستطيع أن ينأى بنفسه عن الصراع العسكري، لكنه لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن تداعياته الاقتصادية والأمنية. والحياد المطلوب ليس حياداً بين مصالح متعارضة، وإنما انحياز واضح إلى المصلحة الوطنية العراقية.

وهذا يعني أن بغداد مطالبة بإرسال رسالة سياسية واضحة إلى جميع الأطراف المتصارعة: الأراضي العراقية ليست منصة للهجوم على الآخرين، وليست ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، وفي الوقت نفسه لن تسمح الدولة بتحويل أمنها وسيادتها إلى ورقة تفاوض.

السلاح والسيادة..

الاختبار الأصعب

ربما تكون قضية السلاح خارج القرار المركزي للدولة هي أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب. لكن التعامل معها بمنطق المواجهة السياسية قد يزيد الانقسام بدلاً من أن يحل المشكلة. لذلك فإن المدخل الأكثر واقعية هو تحويل القضية من شعار سياسي إلى عملية مؤسساتية تدريجية، هدفها النهائي توحيد قرار الحرب والسلم واستخدام القوة داخل مؤسسات الدولة.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تلغي مكونات المجتمع، وإنما الدولة التي تجعل القانون الإطار الناظم لجميع القوى.

ومن هنا فإن حصر السلاح بقرار الدولة ينبغي ألا يُقدَّم بوصفه استهدافاً لفئة أو مكون، بل باعتباره ضمانة لجميع العراقيين. فتعدد مراكز القوة يعني تعدد مراكز القرار، ويضعف قدرة الحكومة على حماية مواطنيها وسيادتها وعلاقاتها الخارجية.

كردستان.. جزء من

المعادلة الوطنية

ومن الأخطاء الاستراتيجية التعامل مع أمن إقليم كردستان باعتباره ملفاً منفصلاً عن الأمن العراقي. فالإقليم يمثل مساحة اقتصادية وأمنية مهمة، ويضم منشآت للطاقة والاستثمار والبنية التحتية، كما يقع على عقدة جغرافية تربط العراق بتركيا وإيران. وفي آب/أغسطس 2026 مُدِّد اتفاق خط الأنابيب العراقي-التركي لمدة عام، وكان الخط ينقل نحو 170 ألف برميل يومياً إلى ميناء جيهان، ما يؤكد القيمة الاستراتيجية للممر الشمالي في وقت تتعرض فيه طرق الخليج للاضطراب.

لذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى انتقال العلاقة بين بغداد وأربيل من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمن وطني مشتركة، تقوم على التنسيق الاستخباري والدفاعي وحماية المنشآت الاستراتيجية، وصولاً إلى بناء قدرات عراقية متكاملة في الدفاع الجوي وحماية الأجواء.

الاقتصاد.. الأزمة كشفت

نقطة الضعف الأكبر

إذا كان الأمن هو الوجه الأول للأزمة، فإن الاقتصاد هو الوجه الأكثر خطورة على المدى الطويل. العراق يمتلك مورداً هائلاً هو النفط، لكن المشكلة ليست في امتلاك النفط، وإنما في تحوله إلى المصدر شبه الأساسي لتمويل الدولة. ووفق صندوق النقد الدولي، بلغت الإيرادات النفطية للحكومة نحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقابل 3.3% فقط للإيرادات غير النفطية، فيما بلغت إيرادات تصدير الخام نحو 121.3 تريليون دينار. وهذا يعني أن المالية العامة تظل شديدة الحساسية لسعر البرميل وحجم الصادرات معاً.

ولهذا فإن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الأزمات الدولية قد يبدو مكسباً مؤقتاً، لكنه لا يمثل بالضرورة مكسباً استراتيجياً. فقد اقترب خام برنت في 8 أيلول/سبتمبر 2026 من 99 دولاراً للبرميل، في وقت ظلت فيه صادرات العراق دون مستويات ما قبل الحرب. أي إن ارتفاع السعر قد يتزامن مع انخفاض الكميات المصدرة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فلا تتحول كل زيادة سعرية إلى زيادة مماثلة في الإيراد الفعلي.

كما أن بنية الإنفاق تزيد هذه الحساسية؛ إذ قدّر صندوق النقد الأجور والتقاعد بنحو 22% من الناتج في 2024. لذلك فإن تحويل إيرادات الحرب الاستثنائية إلى توسع دائم في الإنفاق التشغيلي قد يعمق الاختلال المالي بدلاً من معالجته.

القرار الاستراتيجي الصحيح هو تحويل أي إيرادات استثنائية إلى أصول اقتصادية دائمة مثل: قطاع النقل وسكك الحديد، والموانئ، والطاقة، والغاز، والصناعة، والزراعة، والمناطق اللوجستية، والبنية التحتية، والتكنولوجيا.

أي بمعنى، ينبغي على العراق ألا ينفق عائدات الأزمة بنفقات غير منتجة، بل أن يستثمرها في تقليل احتمالات أزماته المستقبلية، بحيث يتحول النفط من أداة لتمويل الاستهلاك الجاري إلى أداة لبناء قدرة إنتاجية وسيادية.

طريق التنمية.. من

مشروع اقتصادي إلى مشروع سيادي

تكتسب مشاريع النقل والموانئ أهمية تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية. فالعراق يمتلك ميزة جغرافية لا يمكن استنساخها: موقعه بين الخليج وتركيا وأوروبا وبين المشرق والبحر المتوسط. وقد أبرز اضطراب هرمز هذه الميزة؛ إذ ارتفعت حركة البضائع العابرة عبر ميناء العقبة في النصف الأول من 2026 بنسبة 155.1% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مدفوعة جزئياً بإعادة توجيه شحنات إلى العراق بعيداً عن الخليج. كما بدأ استخدام مسارات عبر سوريا لتصدير بعض المنتجات النفطية، بما يؤكد أهمية تنويع الممرات.

ولهذا فإن “طريق التنمية” يمكن استثماره بشكل صحيح لكي يتحول إلى أحد أهم أدوات إعادة تعريف الدور العراقي. وتقدر خطة التنمية الوطنية 2024-2028 كلفة المشروع بنحو 17 مليار دولار، لربط الخليج بالحدود التركية عبر السكك والطرق، فيما استُلم في كانون الأول/ديسمبر 2025 المقطع الأول الرابط بين ميناء الفاو وسفوان بطول 63 كيلومتراً، واستمرت في 2026 الإجراءات التشريعية والتنسيق مع الجانب التركي.

فإذا نجح العراق في ربط ميناء الفاو بشبكة سكك حديد ومناطق صناعية ولوجستية وصولاً إلى تركيا، فإنه لن يبني مجرد طريق لنقل البضائع، وإنما شبكة مصالح إقليمية تجعل استقرار العراق مصلحة للآخرين أيضاً. وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الاقتصادي الحديث: كلما زادت مصالح الدول في استقرار العراق، زادت قدرة العراق على حماية استقراره.

ومن المهم أيضاً تطوير مسارات بديلة عبر الأردن والبحر الأحمر، لأن الدولة الذكية لا تعتمد على طريق واحد في التجارة والطاقة والنقل. وقد أثبتت الحرب أن الاعتماد المفرط على نقطة اختناق واحدة يمكن أن يحول الميزة الجغرافية نفسها إلى مصدر هشاشة.

الأمن القومي لم يعد

عسكرياً فقط

أظهرت الأزمة أن مفهوم الأمن القومي العراقي يحتاج إلى إعادة تعريف. الأمن القومي في العراق اليوم يعني حماية الغذاء والدواء والطاقة والمياه والعملة والنظام المصرفي والاتصالات بقدر ما يعني حماية الحدود والأجواء. ففي قطاع الكهرباء، أشار صندوق النقد إلى أن العراق اعتمد تاريخياً على واردات الطاقة من إيران لتغطية ما بين 30% و40% من احتياجاته الكهربائية، بصورة أساسية عبر الغاز، فيما بلغت خسائر توزيع الكهرباء نحو 55% في 2024. وهذا يعني أن الانكشاف الخارجي يتضاعف بفعل الاختلالات الداخلية في كفاءة المنظومة.

فالدولة التي تستطيع حماية حدودها لكنها تعجز عن تأمين الغذاء أو الطاقة أو النظام المالي في وقت الأزمة تظل دولة مكشوفة استراتيجياً. ومن هنا فإن بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية والطاقة والأدوية، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة إنتاج الغاز المحلي، وتطوير قدرات النقل والتخزين، ليس ترفاً إدارياً، بل جزء من عقيدة الأمن الوطني العراقي.

الدولار والمصارف..

جبهة أخرى للسيادة

وقد تكون الجبهة المالية أقل وضوحاً من الجبهة العسكرية، لكنها ربما تكون أكثر تأثيراً على حياة المواطن. العراق مرتبط بالنظام المالي العالمي، وأي خلل في علاقاته المصرفية أو في آليات التحويلات الخارجية يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الأسواق والأسعار وسعر الصرف والاستيراد. ولهذا فإن الإصلاح المصرفي لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل جزءاً من مشروع بناء دولة اقتصادية حديثة تمتلك أدوات مالية قادرة على حماية تدفقاتها التجارية.

وقد بدأ البنك المركزي منذ 2025 مشروعاً لإصلاح القطاع المصرفي الخاص، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي 2025-2029. وتشير بياناته إلى أن عدد البطاقات المصرفية بلغ نحو 19.75 مليون بطاقة في 2023، بزيادة 21.9% عن العام السابق، بينما ارتفع عدد نقاط الدفع الإلكتروني من 10,718 إلى 23,066 نقطة. وهذه الأرقام تكشف قاعدة يمكن البناء عليها لتقليل استخدام النقد وتوسيع الوساطة المالية الرسمية.

المطلوب هو نظام مالي أكثر شفافية، ومصارف قادرة على الامتثال للمعايير الدولية، واقتصاد أقل اعتماداً على النقد، مع مكافحة صارمة لتمويل الأنشطة غير المشروعة. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما أيضاً بمن يملك القدرة على حماية نظامه المالي، وتنويع طرق تجارته، ومنع الأزمات الخارجية من التحول تلقائياً إلى أزمات داخلية. والحرب، بكل ما حملته من مخاطر، كشفت نقاط الانكشاف بوضوح؛ أما الاختبار الحقيقي فهو قدرة العراق على تحويل هذا الإدراك إلى مؤسسات وبنية تحتية وسياسات تجعل الدولة أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *