مضيق هرمز وسؤال ما بعد الحرب
لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت، أو حجم الأهداف التي دُمّرت، أو الخسائر التي تكبّدها طرفا الصراع. فالمشهد الأخطر الذي تكشفه الساعات الأخيرة يرتبط بـمضيق هرمز وسؤال آخر: من يملك القدرة على فرض شروط ما بعد الحرب؟
وهنا تحديداً يبرز مضيق هرمز بوصفه الورقة الأكثر حساسية في المواجهة. فالمضيق ليس ممراً مائياً عادياً؛ إذ مر عبره في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي. كما تمر عبره أيضاً نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ومن خلال هذه الزاوية يمكن فهم التحول اللافت في السلوك الأمريكي. فواشنطن، التي دخلت الحرب وهي تملك تفوقاً عسكرياً هائلاً، تجد نفسها أمام ورطة سياسية مختلفة. فقد أصبحت إعادة فتح هرمز جزءاً مركزياً من أي تسوية، لا مجرد نتيجة تلقائية لانتهاء العمليات العسكرية.
مضيق هرمز من الحرب العسكرية إلى حرب الإرادات
القراءة السطحية قد تقول إن الولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري، وبالتالي فإنها قادرة على حسم المعركة وفرض إرادتها في النهاية. لكن الحروب الحديثة لا تُحسم دائماً وفق ميزان القوة العسكرية وحده. بل تُحسم أيضاً بقدرة كل طرف على تحويل قوته الميدانية إلى مكاسب سياسية وشروط تفاوضية.
فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق إلى الأبد حتى تحقق أثراً استراتيجياً. يكفي أن تجعل الملاحة فيه عالية المخاطر، أو أن تربط عودتها إلى طبيعتها باتفاق سياسي وأمني واقتصادي. وهذا ما جعل المضيق يتحول من جغرافيا بحرية إلى أداة تفاوضية.
وحسب التقارير الأخيرة، تواصل طهران ومسقط التفاوض على ترتيبات لإعادة الملاحة، فيما بقيت هناك فجوات كبيرة مع واشنطن. وتقول إيران إن أي اتفاق بشأن حركة السفن لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق، لأن الأمر مرتبط بشروط أوسع تجاه الولايات المتحدة.
وهنا تكمن المفارقة. فالولايات المتحدة تستطيع استخدام القوة لإجبار إيران على القتال، لكنها لا تستطيع بسهولة استخدام القوة وحدها لإنتاج ملاحة مستقرة وطويلة الأمد.
لماذا تتفاوض عُمان نيابة عن واشنطن؟
لم تعد عُمان مجرد وسيط دبلوماسي بين واشنطن وطهران. بل أصبحت قناة أساسية لإدارة واحدة من مراحل الصراع تعقيداً. فرفض إيران التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة منح مسقط دوراً محورياً في تقريب المواقف، وفتح المجال أمام صيغة تفاوضية تسمح لكل طرف بالحفاظ على قدر من ماء الوجه.
المفاوضات لم تعد تدور فقط حول سؤال: هل ستعيد إيران فتح مضيق هرمز؟ بل أصبحت تدور حول السؤال الأكثر أهمية: ما المقابل الذي ستحصل عليه طهران مقابل إعادة فتحه؟
إيران تدرك أن المضيق يمثل أقوى أوراقها التفاوضية. ففتحه من دون ضمانات قد يفقدها هذه الورقة، بينما استمرار إغلاقه قد يضاعف الضغوط الاقتصادية والدولية عليها. أما واشنطن فتحتاج إلى عودة الملاحة، لكنها لا تريد أن تبدو وكأنها دفعت ثمناً سياسياً لإيران.
ومن هنا يتجاوز الدور العُماني الوساطة التقليدية، ليصبح جزءاً من هندسة تسوية تحفظ مصالح الطرفين. كما يمنع ظهور طرف منتصر وآخر مهزوم، ويفتح الطريق أمام ترتيبات تتعلق بأمن الخليج ومستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة.
الشروط الإيرانية وإعادة تعريف نتائج الحرب
في الأيام الأخيرة، طرحت طهران شروطاً صعبة لإعادة فتح المضيق. وشملت هذه الشروط إنهاء الحرب والتهديدات الأمريكية، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار البحري، والتعويض عن أضرار الحرب.
هذه الشروط تكشف أن إيران لا تتعامل مع هرمز باعتباره ملفاً منفصلاً. بل تتعامل معه باعتباره «مفتاحاً لإعادة صياغة ميزان النتائج السياسية للحرب».
فإذا كان إغلاق المضيق قد تسبب في أزمة عالمية للطاقة والشحن، فإن إعادة فتحه يمكن أن تصبح المقابل الذي تستخدمه طهران للحصول على تنازلات في ملفات أخرى.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. إيران لا تقول للأمريكيين فقط: «افتحوا لنا العقوبات». بل تقول عملياً: إذا كنتم تريدون عودة الملاحة، فعليكم أن تدفعوا ثمناً سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وهذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد معركة على الأرض أو في الجو، وإنما أصبحت معركة على سعر التسوية.
مضيق هرمز والوجود العسكري الأمريكي في الخليج
في هذا المفصل تظهر نقطة أكثر حساسية، ربما تغيب عن البعض. فالوجود الأمريكي في الخليج ليس وليد الحرب الحالية. فمنذ عام 1971، عندما انتهى الوجود البريطاني المباشر في البحرين، حصلت البحرية الأمريكية بالقوة على استخدام منشأة كانت تابعة للبحرية البريطانية.
وتطورت هذه المنشأة لاحقاً إلى قاعدة الدعم البحري في البحرين، التي أصبحت مقراً للأسطول الخامس والقيادة البحرية الأمريكية في المنطقة.
لذلك فإن أي تسوية تضع قيوداً دائمة على حركة القطع العسكرية الأمريكية في الخليج لن تكون مجرد بند يتعلق بالملاحة. إنها ستلامس البنية الأمنية الأمريكية التي تشكلت في الخليج منذ عقود.
لكن يجب هنا التفريق بين أمرين. فمنع السفن الأمريكية من المرور في مضيق هرمز لا يعني تلقائياً انسحاب الولايات المتحدة من الخليج. ربما تعيد واشنطن توزيع قواتها، أو تعتمد على قواعد أخرى، أو تغير نمط انتشارها البحري والجوي.
ولذلك فإن الحديث عن «انسحاب أمريكي كامل» يحتاج إلى دليل على اتفاق صريح بإخلاء القواعد والمنشآت، وليس مجرد تقييد الملاحة العسكرية.
لكن إذا تحول هذا التقييد إلى التزام طويل الأمد، فإن آثاره ستكون أكبر بكثير من مجرد مسألة عبور سفينة. سيعني ذلك أن إيران نجحت في تغيير قواعد الحركة العسكرية الأمريكية داخل إحدى أهم مناطق انتشارها العالمي.
المعركة الحقيقية: من يفرض قواعد ما بعد الحرب؟
لم يعد الصراع الأمريكي الإيراني يدور فقط حول من يمتلك السلاح الأقوى، بل حول من يستطيع فرض قواعد المرحلة التالية. فواشنطن تريد إنهاء الحرب وهي قادرة على القول إن إيران أُجبرت على إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى شروط جديدة. أما طهران فتريد الخروج من الحرب وهي قادرة على القول إن الولايات المتحدة اضطرت إلى التفاوض وتقديم ضمانات وتنازلات مقابل إعادة فتح المضيق.
ومن هنا أصبح هرمز رمزاً للصراع كله. فإذا أُعيد فتحه من دون تنازلات إيرانية كبيرة، ستقدم واشنطن ذلك بوصفه نجاحاً لاستراتيجيتها. أما إذا جاء الفتح مقابل قبول الولايات المتحدة بجزء جوهري من الشروط الإيرانية، فستمتلك طهران دليلاً سياسياً على أن التفوق العسكري الأمريكي لم يكن كافياً لفرض التسوية.
لذلك، فإن القول بهزيمة عسكرية أمريكية سيكون مبالغة. لكن السؤال الأهم هو: هل نجحت واشنطن في تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة؟
فالقوة قد تدمر الأهداف، لكنها لا تضمن وحدها فرض التسوية. وحاجة واشنطن إلى الوساطة لإعادة فتح هرمز تكشف أن المعركة أصبحت معركة نتائج ما بعد الحرب.


