الحاكمية الشيعية.. حين تتحول التسمية إلى فخ سياسي

الحاكمية الشيعية حين تتحول التسمية إلى فخ سياسي
قراءة في خطورة مصطلح الحاكمية الشيعية، وكيف ينقل النقاش من محاسبة الأحزاب إلى اتهام المكوّنات الاجتماعية...

الحاكمية الشيعية وفخ اختزال الدولة

ثمة تعبير يتكرر على ألسنة البعض، سواء بقصد أو بجهل، حول الحاكمية الشيعية. وهو ليس توصيفاً بريئاً كما يبدو، بل قد يتحول إلى فخ سياسي يراد من خلاله اختزال الدولة العراقية وسلطتها في مكوّن مذهبي واحد، ثم تحميل هذا المكوّن وحده مسؤولية كل ما يجري في البلاد.

وهذا التوصيف غير دقيق. فالعراق لا تحكمه طائفة، وإنما منظومة أحزاب وقوى سياسية تشترك في إدارة الدولة، من الشيعة والسنة والكرد، وتتحمل كل قوة مسؤوليتها بقدر حضورها ودورها وقراراتها.

من مساءلة الأحزاب إلى مساءلة المكوّن

المشكلة أن استخدام مصطلح الحاكمية الشيعية ينقل النقاش من مساءلة الأحزاب والقوى السياسية إلى مساءلة مكوّن اجتماعي بأكمله. وبذلك يصبح الشيعي مسؤولاً عن قرار حزب، والسني مسؤولاً عن قرار حزب آخر، والكردي مسؤولاً عن خيارات قوى سياسية كردية، وكأن الانتماء المذهبي أو القومي هو معيار المسؤولية السياسية.

وهنا تكمن خطورة المصطلح. فهو لا يضعف السلطة فقط، بل قد يضع الشيعة أنفسهم في مواجهة فكرة الدولة، وكأن وصول قوى سياسية شيعية إلى الحكم يعني قيام «حكم شيعي». بينما الحقيقة أن السلطة في العراق نتاج منظومة سياسية تشترك فيها مكونات وأحزاب متعددة.

لذلك، فإن التعبير الأكثر دقة هو «القوى السياسية الحاكمة»، أو «الأحزاب المشاركة في إدارة الدولة»، مع تحديد المسؤولية وفق القرار والموقف والأداء، لا وفق المذهب.

فالشيعة ليسوا «الحاكمية»، والسنة ليسوا «معارضة»، بل هم جزء من منظومة السلطة، والكرد ليسوا خارج الدولة.

حين تتحول الهوية إلى أداة سياسية

إن أخطر ما تفعله هذه التسمية أنها تحول الهوية من حقيقة اجتماعية إلى أداة لتوزيع المسؤولية السياسية. وعندما تصبح الطائفة بديلاً عن الحزب، تضيع حدود المحاسبة، وتتحول الدولة إلى ساحة اتهام جماعي.

وفي العراق، حيث تتقاطع السلطة بين أحزاب ومؤسسات ومصالح متعددة، فإن اختزال الحكم في مكوّن مذهبي لا يفسّر بنية السلطة بقدر ما يعيد إنتاج الانقسام الذي تستفيد منه القوى السياسية نفسها.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين مكوّنات العراق، بل بين منطق الدولة ومنطق المحاصصة، وبين مسؤولية سياسية محددة واتهام اجتماعي شامل.

وكلما اتسعت الفجوة بين الهوية السياسية والهوية الاجتماعية، ازدادت الحاجة إلى خطاب يفصل بوضوح بين المكوّن الذي ينتمي إليه السياسي والقرار الذي يتحمل مسؤوليته.

فالدولة التي تُدار بمنطق المكوّنات ستبقى أسيرة تفسير طائفي لأزماتها. أما الدولة التي تُدار بمنطق المؤسسات، فتجعل معيار الحكم هو الكفاءة والمساءلة والنتائج. وهذا التحول لا يحمي المكونات من التعميم فحسب، بل يحمي الدولة نفسها من أن تتحول إلى رهينة للهويات السياسية.

من الحاكمية الشيعية إلى مسؤولية الأحزاب

من هنا يجب أن ينتقل الخطاب السياسي العراقي من تحميل المكونات مسؤولية الأحزاب إلى محاسبة الأحزاب على أفعالها، ومن الصراع على الهويات إلى الصراع على بناء الدولة.

فالعراق لا يحتاج إلى الحاكمية الشيعية، ولا إلى «حاكمية سنية»، ولا إلى «حاكمية كردية». وإنما يحتاج إلى دولة تحكمها المؤسسات، وتتحمل القوى السياسية مسؤولية قراراتها أمام الشعب، بصرف النظر عن هويتها المذهبية أو القومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *