دعوة المستشار الحمر إلى الاتحاد.. اعتراف متأخر بانتهاء زمن الحماية الأمريكية

دعوة المستشار الحمر إلى الاتحاد.. اعتراف متأخر بانتهاء زمن الحماية الأمريكية
تعكس الدعوة إلى اتحاد خليجي أزمة النموذج الأمني التقليدي القائم على الحماية الخارجية، فيما تعيق الخلافات الداخلية قيام اتحاد فعلي. ويتطلب أمن الخليج المستدام مراجعة فلسفته الأمنية وبناء منظومة إقليمية قائمة على الحوار والسيادة وتوازن المصالح...

جاءت دعوة مستشار ملك البحرين للشؤن الإعلامية نبيل بن يعقوب الحمر إلى الانتقال من مرحلة “التعاون” إلى “حالة الاتحاد” في توقيت لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فهي ليست مجرد دعوة فكرية لتطوير مجلس التعاون، بقدر ما تبدو محاولة لإيجاد مخرج من أزمة استراتيجية تعيشها المنظومة الخليجية بعد أن فقدت كثيرًا من رهاناتها التي اعتمدت عليها طوال العقود الماضية.

فالاتحادات لا تُولد في لحظات القلق، ولا تُبنى تحت ضغط الخوف، وإنما تنشأ عندما تتوافر إرادة سياسية حقيقية، ومصالح مستقرة، ورؤية مشتركة للمستقبل. أما عندما تصبح الدعوة إلى الاتحاد رد فعل على تغير موازين القوى، فإنها تتحول إلى محاولة لإنقاذ الواقع، لا إلى صناعة مستقبل جديد.

لقد قامت العقيدة الأمنية الخليجية منذ الثمانينيات على ثلاث ركائز أساسية: الحماية الأمريكية، والتفوق العسكري الإسرائيلي بوصفه عامل ردع غير مباشر، والعوائد النفطية التي أمّنت الاستقرار الاقتصادي. واليوم تواجه هذه الركائز جميعها تحديات متزايدة، مع تبدل أولويات واشنطن، وتصاعد كلفة الصراعات الإقليمية، وتراجع اليقين الذي حكم المنطقة لعقود.

من هنا يمكن فهم الدعوة إلى “حالة الاتحاد”. فهي ليست تعبيرًا عن قوة، بل عن شعور بأن المرحلة السابقة لم تعد قادرة على إنتاج الأمن الذي كانت توفره.

لكن السؤال الجوهري هو: إذا كان مجلس التعاون قد عجز طوال أكثر من أربعين عامًا عن توحيد سياساته الخارجية، أو بناء قيادة عسكرية موحدة، أو تجاوز خلافاته الداخلية التي وصلت في بعض المحطات إلى المقاطعة السياسية والإعلامية، فما الذي يجعل الاتحاد اليوم أكثر قابلية للحياة؟

إن تغيير الاسم لا يغير الواقع. فالخلافات التي عطلت مجلس التعاون لن تختفي بمجرد إعلان اتحاد سياسي، بل ستنتقل معه إلى مستوى أعلى وأكثر تعقيدًا.

ثم إن الأمن لا يصنعه الاتحاد الشكلي، وإنما تصنعه الثقة. والثقة لا تُبنى بين الحكومات فقط، بل بين الدولة ومواطنيها أيضًا. فلا يمكن الحديث عن اتحاد قوي في ظل غياب المشاركة السياسية، وتفاوت الرؤى، واستمرار الأزمات الداخلية التي تعاني منها بعض دول المنطقة.

والأهم من ذلك أن مستقبل الخليج لن يتحقق عبر بناء تكتل يقوم على منطق المواجهة الدائمة مع الجوار، وإنما عبر بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الحوار، واحترام السيادة، وتوازن المصالح، لأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، ولأن الاستقرار الدائم لا يُفرض بالقوة، بل يُصنع بالتفاهم.

إن ما تحتاجه دول الخليج اليوم ليس اتحادًا يستهدف تعويض تراجع المظلة الخارجية، وإنما مراجعة شاملة للفلسفة التي أدارت بها أمنها طوال العقود الماضية. فالأزمات الأخيرة أثبتت أن الاعتماد المطلق على القوى الكبرى لا يوفر ضمانات دائمة، وأن التحالفات الدولية تتبدل وفق المصالح، بينما تبقى شعوب المنطقة وجغرافيتها هي الثابت الوحيد.

لهذا تبدو دعوة المستشار الحمر، رغم ما تحمله من عناوين وحدوية، أقرب إلى اعتراف غير مباشر بأن النموذج الأمني الذي حكم الخليج منذ تأسيس مجلس التعاون يمر اليوم بأصعب اختبار في تاريخه.

فليس كل دعوة إلى الاتحاد تعني قوة.. أحيانًا تكون محاولة أخيرة لتأجيل الاعتراف بأن زمن الرهانات القديمة قد انتهى، وأن الخليج بحاجة إلى إعادة تعريف أمنه، لا إلى إعادة تسمية مؤسساته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *