لم يكن اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة دول مجلس التعاون في نيويورك مجرد لقاء بروتوكولي. فقد جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وبعد أشهر من الحرب الأمريكية–الإيرانية، وفي وقت بدأت فيه واشنطن نفسها تتحدث عن التفاوض والتهدئة، بعدما كانت لغة الحسم العسكري هي العنوان الأبرز.
الرسالة التي حملها ترامب إلى القادة الخليجيين يمكن اختصارها في عبارة واحدة: ابحثوا عن مخرج.
فترامب تحدث عن “زخم كبير” في الاتصالات مع إيران، بعد اجتماع استمر ساعات بين مبعوثيه ومسؤولين إيرانيين، فيما قال مبعوثه توم براك إن هناك حاجة إلى “طريق إلى الأمام” ووقف مؤقت للقتال يفتح الباب أمام مسار دبلوماسي أوسع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
الدول الخليجية التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمريكية باعتبارها الضامن لأمنها، وجدت نفسها أمام واشنطن وهي تبحث عن تسوية مع إيران. فالسؤال الذي كان يُطرح بالأمس: كيف تُهزم إيران؟ بدأ يتحول اليوم إلى سؤال آخر: كيف تنتهي الحرب؟
وهذا التحول لا يعني أن واشنطن تخلت عن الضغط أو الخيار العسكري، لكنه يعني أن القوة وحدها لم تنتج التسوية التي تريدها، وأن التفاوض أصبح ضرورة إلى جانب التهديد.
والخليج، في هذه المعادلة، ليس متفرجاً. فهو الجغرافيا التي ستتأثر بأي حرب، والممرات البحرية التي تتأثر بأي تصعيد، والاقتصادات التي تدفع مباشرة ثمن اضطراب الطاقة والملاحة.
لكن السؤال الأهم هو: من يقرر أمن الخليج؟ هل هي عواصم الخليج نفسها، أم واشنطن؟
صلالة: فرصة خليجية أُهدرت
قبل أيام فقط، كانت سلطنة عُمان تحاول عقد اجتماع في صلالة يجمع إيران ودول مجلس التعاون والعراق لبحث أمن الملاحة ومضيق هرمز.
كانت الفكرة في حد ذاتها مهمة: أن يجلس أصحاب المصلحة المباشرون إلى طاولة واحدة لمناقشة قضية لا تستطيع أي دولة خليجية تجاهلها.
لكن البحرين أعلنت عدم مشاركتها، مشترطة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران قبل المشاركة في مثل هذا الاجتماع. وبعد ذلك أعلنت مسقط تأجيل الاجتماع، سعياً إلى توفير ظروف أفضل للحوار والتوافق.
وهنا يمكن فهم ما سُمّي سياسياً “تعطيل اجتماع صلالة”.
المشكلة ليست أن للبحرين خلافات مع إيران: فهذا حق سيادي. المشكلة أن اجتماع صلالة لم يكن اجتماعاً ثنائياً بين المنامة وطهران، وإنما محاولة لبحث أمن خليجي جماعي.
فإذا كانت الملاحة في هرمز تهدد مصالح البحرين والسعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان، فلماذا يصبح الخلاف السياسي بين دولتين سبباً لتعطيل فرصة للحوار الجماعي؟
والمفارقة في نيويورك
المفارقة أن قادة الخليج الذين لم يستطيعوا الاجتماع مع إيران في صلالة، اجتمعوا في نيويورك مع ترامب، بينما كانت واشنطن نفسها تفتح قنوات اتصال مع طهران.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بصراحة:
هل أصبحت الولايات المتحدة أكثر استعداداً للحوار مع إيران من بعض العواصم الخليجية؟
إذا كانت واشنطن تفاوض طهران، فلماذا يبقى بعض الحلفاء الخليجيين أسرى لمنطق القطيعة؟
وإذا كان ترامب نفسه يبحث عن اتفاق، فلماذا لا يكون الخليج طرفاً مستقلاً في صياغة الترتيبات التي ستحدد مستقبله؟
السعودية والإمارات أمام اختبار
السعودية والإمارات تحديداً أمام اختبار سياسي حقيقي. فقد أثبتت السنوات الماضية أن المواجهة مع إيران لم تُلغِ إيران من المعادلة، كما أن عودة العلاقات السعودية–الإيرانية عام 2023 كانت اعترافاً عملياً بأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن أمن المنطقة يحتاج إلى قنوات اتصال.
اليوم تتكرر الحقيقة نفسها ولكن تحت ضغط الحرب.
لا تستطيع الرياض وأبوظبي أن تتركا واشنطن تقرر متى تصعّد ومتى تفاوض، ثم تنتظرا منها أن تضمن وحدها أمن الخليج في كل الظروف.
فالولايات المتحدة لها مصالحها، وهي تتصرف وفق حساباتها. وهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية. لكن غير الطبيعي أن يبقى قرار الأمن الخليجي خارج الخليج.
والبحرين أمام سؤال أكبر
أما البحرين، فإن موقفها من صلالة يستحق نقاشاً خليجياً هادئاً وصريحاً.
إذا كان الشرط هو حل الخلافات مع إيران قبل الجلوس معها، فإن السؤال المقابل هو: كيف ستُحل الخلافات أصلاً إذا لم يجلس أصحابها إلى طاولة واحدة؟
الحوار ليس مكافأة للطرف الآخر، ولا يعني التنازل عن المواقف. الحوار وسيلة لإدارة الخلافات وحماية المصالح.
وكان يمكن لاجتماع صلالة، لو انعقد، أن يكون بداية لمسار خليجي–إيراني يناقش هرمز والملاحة والأمن الإقليمي بعيداً عن الوصاية الأمريكية.
لكن الفرصة تأجلت.
ثم جاء ترامب إلى نيويورك ليقول لقادة الخليج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: نحن نبحث عن مخرج تفاوضي مع إيران.
وهنا تصبح المفارقة مؤلمة: بينما كانت عُمان تحاول فتح نافذة للحوار بين الجيران، كانت بعض العواصم لا تزال تتعامل مع الحوار وكأنه تنازل.
آن للخليج أن يسأل نفسه
لقد كشفت الحرب حقيقة لا يمكن تجاهلها: الولايات المتحدة تصعّد عندما ترى أن التصعيد يخدم مصالحها، وتتفاوض عندما ترى أن التفاوض يخدم مصالحها.
أما دول الخليج فتبقى في الجغرافيا نفسها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من انتصر في الحرب، ولا من تراجع فيها، وإنما:
متى يصبح أمن الخليج مصلحة خليجية أولاً؟
إن اجتماع صلالة كان فرصة لذلك، واجتماع نيويورك كشف أن واشنطن نفسها بدأت تبحث عن تسوية.
وبين صلالة ونيويورك تبدو الصورة صارخة:
عُمان فتحت باب الحوار مع إيران فتأجل الاجتماع، وواشنطن فتحت باب التفاوض مع إيران فاجتمع بها قادة الخليج.
وهذه ليست مفارقة عابرة، بل درس سياسي.
فمن يترك قرار الحرب لواشنطن، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما تترك واشنطن قرار السلام لمصالحها.
الخليج لا يحتاج إلى مزيد من الحروب بالوكالة: بل يحتاج إلى امتلاك قراره.


