لماذا اختار مجتبى خامنئي أن يخاطب مقاتلي حزب الله الآن؟… رسالة إلى الحزب أم إنذار إلى واشنطن وتل أبيب؟

لماذا اختار مجتبى خامنئي أن يخاطب مقاتلي حزب الله الآن؟… رسالة إلى الحزب أم إنذار إلى واشنطن وتل أبيب؟
تؤكد رسالة مجتبى خامنئي لحزب الله ثبات التحالف الاستراتيجي، وترفض تحويله إلى ورقة تفاوض، موجّهةً إنذاراً لواشنطن وتل أبيب بأن الضغوط العسكرية والتحولات الإقليمية لن تفكك محور الحلفاء أو تغيّر ثوابت السياسة الإيرانية...

في السياسة، لا تُرسل الرسائل الكبيرة لمجرد رفع المعنويات، ولا تختار القيادات توقيت كلماتها اعتباطاً. فالرسائل التي تُوجَّه إلى الحلفاء في لحظات التحول تكون، في حقيقتها، رسائل إلى الخصوم قبل أن تكون إلى الأصدقاء.

من هنا، ينبغي قراءة رسالة السيد مجتبى خامنئي إلى مقاتلي حزب الله. فهي ليست خطاباً عاطفياً، ولا مجرد تحية لمقاتلين خاضوا حرباً قاسية، بل إعلان سياسي متكامل، كُتب بلغة الدعم، لكنه يحمل بين سطوره رسائل ردع وإعادة رسم للحدود السياسية.

لقد جاءت الرسالة في لحظة يظن فيها كثيرون أن الحرب الأخيرة وما رافقها من ضغوط عسكرية وسياسية فتحت الباب أمام تغيير جذري في موازين القوى، وأن إيران قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات تمس حلفاءها، وفي مقدمتهم حزب الله. غير أن الرسالة جاءت لتنسف هذه الفرضية من أساسها.

فالرسالة تقول بوضوح إن العلاقة بين إيران وحزب الله ليست ورقة تفاوض، وليست بنداً يمكن شطبه من أي تسوية إقليمية. إنها، وفق الرؤية الإيرانية، جزء من عقيدة سياسية وأمنية ترى أن أمن إيران يبدأ من قوة حلفائها، وأن أي محاولة لفصل طهران عن حزب الله ليست سوى وهم سياسي.

والأهم أن الرسالة لم تكتفِ بتجديد الالتزام، بل حرصت على تثبيت معادلة أكثر عمقاً: لبنان ليس تفصيلاً في الحسابات الإيرانية، وحزب الله ليس عبئاً تسعى طهران إلى التخلص منه تحت ضغط العقوبات أو التهديدات. وعلى العكس، فإن الرسالة أرادت أن تؤكد أن الحزب ما زال يحتل موقعاً محورياً في الاستراتيجية الإيرانية، وأن مكانته لم تتراجع رغم كل ما شهدته المنطقة.

أما توقيت الرسالة، فهو بحد ذاته جزء من مضمونها.

فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة. هناك ضغوط أمريكية وإسرائيلية، ومحاولات لإنتاج ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، ونقاشات متزايدة حول مستقبل سلاح حزب الله ودوره في لبنان. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت قابلاً للتأويل، ولذلك اختارت طهران أن تتحدث.

لكنها لم تتحدث إلى بيروت وحدها.

لقد كانت الرسالة موجهة إلى واشنطن أيضاً، لتقول إن الضغوط العسكرية لا تكفي لتغيير الثوابت الإيرانية، وأن الرهان على تفكيك محور الحلفاء عبر استنزاف أحد أركانه لن يحقق أهدافه. وكانت موجهة إلى تل أبيب، لتؤكد أن الاعتقاد بأن الحرب الأخيرة أنهت دور حزب الله أو أضعفت موقعه الاستراتيجي هو قراءة متسرعة لما جرى.

وفي الوقت نفسه، حملت الرسالة بعداً داخلياً لا يقل أهمية. فالقيادة الإيرانية الجديدة كانت بحاجة إلى إثبات أن انتقال القيادة لا يعني انتقال السياسة، وأن الثبات على الخيارات الكبرى هو عنوان المرحلة. لذلك جاءت الرسالة لتؤكد أن تغير الأشخاص لا يعني تغير الاستراتيجية، وأن ما كان يعد ركناً أساسياً في السياسة الإيرانية سيبقى كذلك.

إن أخطر ما في الرسالة ليس ما قالته، بل ما رفضت أن تقوله. فهي لم تترك أي إشارة إلى مراجعة العلاقة مع حزب الله، ولم تلمح إلى استعداد لإعادة تعريف هذا التحالف. وهذا بحد ذاته موقف سياسي بالغ الدلالة، لأن الصمت عن التغيير في لحظة يتوقع فيها الجميع التغيير يعني الإصرار على الاستمرار.

لهذا، فإن من يقرأ الرسالة باعتبارها مجرد خطاب تضامني يقرأ نصف المشهد فقط. أما النصف الآخر، فهو أنها إعلان بأن إيران تريد أن تدخل المرحلة المقبلة من موقع الشريك الذي يتمسك بأوراق قوته، لا من موقع الطرف الذي يتخلى عنها تحت الضغط.

قد تختلف التقديرات بشأن قدرة إيران على الحفاظ على هذه المعادلة في ظل التحولات المتسارعة، لكن الرسالة نفسها لا تترك مجالاً للالتباس: طهران أرادت أن تقول إن حزب الله ما زال جزءاً من معادلتها الاستراتيجية، وإن زمن إعادة رسم خرائط النفوذ من دون احتساب هذا العامل لم يبدأ بعد.

وهكذا، فإن الرسالة لم تكن موجّهة إلى مقاتلي حزب الله وحدهم، بل كانت، في جوهرها، رسالة سياسية إلى العواصم التي تعتقد أن الضغوط كافية لتغيير ثوابت الصراع. ففي الشرق الأوسط، لا تُكتب الرسائل بالكلمات فقط، بل بالتوقيت، وبالجهة التي تُوجَّه إليها، وبما تختاره أن تقوله… وما تختاره أن تتركه بين السطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *