اقتصاد الألمنيوم في العراق: فرص إحلال الواردات وتطوير الصناعات التحويلية

اقتصاد الألمنيوم في العراق فرص إحلال الواردات وتطوير الصناعات التحويلية
تكشف المقارنة الإقليمية فجوةً كبيرة في سلسلة قيمة الألمنيوم العراقية، وتبرز أولوية بناء صناعات تحويلية قائمة على إعادة التدوير والصهر الثانوي والدرفلة والبثق، قبل الاستثمار في الألمنيوم الأولي، بما يعزز القيمة المضافة والتشغيل ويخفض الاعتماد على الواردات...

تمثل صناعة الألمنيوم أحد القطاعات الصناعية المهمة لارتباطها المباشر بالبناء والتشييد والصناعات الكهربائية والنقل والتغليف، فضلاً عن قدرتها على توليد حلقات إنتاجية مترابطة داخل الاقتصاد. ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذه الصناعة على إنتاج الألمنيوم الأولي، وإنما تتزايد كلما امتدت سلسلة القيمة إلى الدرفلة والبثق والصفائح والمقاطع والقوالب والمنتجات الهندسية. ومن هنا تكشف مقارنة العراق ببعض دول المنطقة عن فجوة واضحة، ليس فقط في إنتاج المعدن، بل في بناء سلسلة صناعية قادرة على تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.

وتوضح بيانات عام 2024 حجم هذه الفجوة. فقد بلغ إنتاج إيران نحو 604.5 آلاف طن من الألمنيوم الأولي، إلى جانب نحو 232 ألف طن من الألومينا و796.5 ألف طن من البوكسيت. أما السعودية فأنتجت نحو 745 ألف طن من الألمنيوم الأولي، ونحو 1.9 مليون طن من الألومينا و5.5 ملايين طن من البوكسيت المعدني. وفي تركيا بلغ إنتاج الألمنيوم الأولي نحو 80 ألف طن والألومينا قرابة 300 ألف طن، فيما وصل إنتاج البوكسيت إلى 3.66 ملايين طن. ولا تعكس هذه الأرقام اختلافاً في حجم الإنتاج فقط، وإنما في درجة تكامل السلسلة الصناعية من استخراج المادة الخام إلى إنتاج المعدن وتصنيعه.

في المقابل، لا يظهر العراق منتجاً رئيسياً للألمنيوم الأولي، فيما تكشف بيانات التجارة الخارجية عن اعتماد واضح على الاستيراد في عدد من المنتجات الأساسية. ففي عام 2024 استورد العراق نحو 28.04 ألف طن من الصفائح والشرائح المستطيلة من الألمنيوم غير المخلوط، بقيمة تقارب 104.7 ملايين دولار، جاء منها نحو 20.56 ألف طن من السعودية و7.35 آلاف طن من الصين. والأهمية هنا لا تكمن في الرقم وحده، بل في أن الحديث يدور عن بند تجاري واحد ضمن مجموعة واسعة من منتجات الألمنيوم، بما يشير إلى وجود سوق محلية يمكن أن تستوعب جزءاً من الإنتاج الوطني إذا تمكنت الصناعة العراقية من الوصول إلى مستوى مناسب من الجودة والكلفة.

كما استورد العراق في العام نفسه نحو 38.5 طناً من الألمنيوم غير المشغول المخلوط بقيمة 103.6 آلاف دولار من إيران، إضافة إلى نحو 740 طناً من خامات ومركزات الألمنيوم بقيمة تقارب 324.8 ألف دولار. وهذه الكميات محدودة قياساً باستيراد المنتجات المصنعة، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها دليلاً على وجود قاعدة لإنتاج الألمنيوم الأولي في العراق، لكنها تكشف عن تعدد صور الطلب المحلي على المواد والمدخلات المرتبطة بهذا القطاع.

وتشير المقارنة الإقليمية إلى أن الفرصة الاقتصادية للعراق لا تستلزم البدء مباشرة بإنشاء مصهر ضخم لإنتاج الألمنيوم الأولي. فهذا النوع من المشاريع كثيف رأس المال والطاقة، ويتطلب إمدادات كهربائية مستقرة ومنخفضة الكلفة، فضلاً عن تأمين الألومينا والمواد المساعدة والبنية التحتية اللوجستية. ويظل استهلاك الكهرباء من أهم محددات القدرة التنافسية في صناعة الألمنيوم، إذ تتجاوز كثافة استهلاك الكهرباء في عملية الصهر الأولي عالمياً 14 ألف كيلوواط/ساعة تقريباً لكل طن في المؤشرات الدولية المنشورة، وهو ما يجعل استقرار الطاقة وكلفتها عاملاً حاسماً في اقتصاديات المشروع.

وفي الحالة العراقية، حيث ما زالت منظومة الكهرباء تواجه تحديات في الاستقرار والتجهيز، قد يكون الاستثمار أولاً في المراحل الأقل استهلاكاً للطاقة والأقرب إلى الطلب المحلي أكثر واقعية من القفز مباشرة إلى الحلقة الأعلى كلفة في سلسلة الإنتاج. فوجود طلب محلي على المقاطع والصفائح ومنتجات البناء والكهرباء يمنح العراق فرصة لتطوير صناعة تحويلية تدريجية قبل التفكير في منافسة الدول التي راكمت استثمارات ضخمة في التعدين والتكرير والصهر.

ويمكن أن تبدأ هذه الاستراتيجية بتطوير منظومة وطنية لجمع وفرز وإعادة تدوير خردة الألمنيوم، ثم توسيع قدرات الصهر الثانوي والبثق والدرفلة وإنتاج المقاطع والصفائح والقوالب والمنتجات المستخدمة في البناء والكهرباء والنقل. ولا تحتاج هذه المراحل إلى الانتظار حتى يمتلك العراق سلسلة متكاملة من البوكسيت إلى الألمنيوم الأولي، بل يمكن تأسيسها بالاعتماد على الخردة والألمنيوم الأولي المستورد كمدخلات إنتاج، ثم زيادة المكون المحلي تدريجياً.

وتمنح إعادة التدوير العراق ميزة إضافية، لأنها تسمح بتحويل جزء من الخردة المتولدة محلياً إلى مورد صناعي بدلاً من فقدان قيمتها أو تصديرها خاماً، كما تخفض الحاجة إلى المدخلات الأولية مرتفعة الكلفة. والأهم أن هذا المسار قابل للارتباط بشبكة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الجمع والفرز والصهر والتشكيل والتصنيع، بما يجعل أثره في التشغيل والتنمية الصناعية أوسع من مجرد إنشاء مصنع منفرد.

كما أن توطين الصناعات التحويلية يتيح إحلال جانب من الواردات بمنتجات محلية، ويزيد القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد العراقي. فالفارق الاقتصادي كبير بين استيراد صفائح أو مقاطع جاهزة وبين استيراد مادة أولية أو نصف مصنعة ثم تحويلها داخل العراق إلى أبواب ونوافذ وهياكل ومكونات كهربائية وأجزاء هندسية. ففي الحالة الثانية تتوزع القيمة على الأجور والخدمات والنقل والتصنيع والصيانة والأرباح المحلية، وتتكون حول الصناعة روابط أمامية وخلفية مع قطاعات أخرى.

غير أن سياسة إحلال الواردات لا ينبغي أن تتحول إلى حماية دائمة لصناعة غير قادرة على المنافسة. فإذا كانت كلفة المنتج المحلي أعلى بصورة كبيرة أو كانت جودته أقل من المنتج المستورد، فإن فرض القيود التجارية وحدها سينقل الكلفة في النهاية إلى المستهلك وقطاع البناء والصناعات الأخرى. لذلك يجب أن يقوم تطوير القطاع على مزيج من الطاقة المستقرة، والتمويل الصناعي، والمواصفات القياسية، والتكنولوجيا، وحجم إنتاج يسمح بخفض الكلفة، مع حماية مدروسة ومؤقتة للمشروعات التي تمتلك فرصة حقيقية للوصول إلى القدرة التنافسية.

وعلى المدى الأبعد، يمكن دراسة جدوى الانتقال إلى إنتاج الألمنيوم الأولي إذا أصبحت شروط الطاقة والمواد الأولية والبنية اللوجستية والسوق أكثر ملاءمة. فقرار إنشاء مصهر لا ينبغي أن يقوم على الرغبة في امتلاك صناعة متكاملة شكلياً، وإنما على حساب اقتصادي واضح لكلفة الكهرباء والألومينا والنقل ورأس المال مقارنة بسعر الألمنيوم في الأسواق العالمية.

وبذلك، يمكن أن تصبح صناعة الألمنيوم أحد المسارات العملية لتنويع القاعدة الصناعية العراقية وتقليل جانب من الاعتماد على الواردات. غير أن البداية الأكثر واقعية ليست بالضرورة منافسة السعودية أو إيران وتركيا في الحلقة الأولى من الصناعة، وإنما بناء سلسلة قيمة عراقية تبدأ بإعادة التدوير والصناعات التحويلية، ثم تتوسع مع تحسن الطاقة والبنية التحتية والقدرات الاستثمارية والتكنولوجية. وبهذا المسار يستطيع العراق الانتقال تدريجياً من سوق مستهلك لمنتجات الألمنيوم إلى اقتصاد ينتج جزءاً متزايداً من احتياجاته، ويحتفظ بحصة أكبر من القيمة المضافة وفرص العمل داخل السوق الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *