العراق واليمن والسعودية .. أمن عربي واحد ومسؤلية تاريخية

العراق واليمن والسعودية .. أمن عربي واحد ومسؤلية تاريخية
يربط أمن العراق واليمن والسعودية ضمن بيئة إقليمية مترابطة، داعياً إلى وقف التصعيد واحترام السيادة وحماية المدنيين ومنع استخدام أراضي الدول لاستهداف جيرانها، مع تفعيل الدبلوماسية والوساطات العربية لمعالجة الأزمات ومنع اتساع الصراع...

تمر المنطقة العربية بمرحلة دقيقة تتشابك فيها الأزمات السياسية والأمنية والعسكرية، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية بصورة تجعل أي تطور محدود قابلاً للتمدد إلى ساحات أوسع . وفي ظل ما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب عربي هادئ ومسؤول، يضع أمن الشعوب واستقرار الدول فوق حسابات التصعيد وردود الأفعال .

ويأتي العراق واليمن والمملكة العربية السعودية في قلب هذا المشهد الحساس، بحكم الموقع الجغرافي والأهمية السياسية والاقتصادية والأمنية لهذه الدول . وأي اضطراب يصيب واحدة منها لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل يمكن أن تمتد تداعياته إلى محيطها العربي والإقليمي، بما يهدد الأمن والاستقرار ويزيد من تعقيد الأزمات القائمة .

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس مجرد وقوع حادث أمني أو عسكري، وإنما تحول الأحداث المتفرقة إلى سلسلة من ردود الأفعال المتبادلة ، فكل ضربة تستدعي ضربة، وكل تهديد يقابله تهديد، وكل تصعيد يفتح الباب أمام تصعيد أكبر، حتى تجد الأطراف نفسها أمام مواجهة واسعة لم تكن في الأصل تسعى إليها . ومن هنا، فإن التهدئة ليست ضعفاً، والحوار ليس تنازلاً، وضبط النفس ليس تراجعاً عن الحقوق أو السيادة.

بل إن القدرة على احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى حروب مفتوحة تمثل أحد أهم مظاهر المسؤولية السياسية والوطنية . لقد أثبتت التجارب المريرة التي مرت بها المنطقة العربية خلال العقود الماضية أن الحروب لا تترك خلفها منتصرين بالمعنى الحقيقي، وإنما تترك مدناً مدمرة، واقتصادات منهكة، وأجيالاً مثقلة بآثار النزوح والفقدان والخوف. ولذلك فإن تكرار التجربة ذاتها تحت عناوين مختلفة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات بصورة أكثر تعقيداً.

وفي اليمن، حيث امتد الصراع لسنوات طويلة، أصبحت الحاجة إلى تسوية سياسية شاملة أكثر إلحاحاً. فالشعب اليمني تحمل أعباء ثقيلة من الحرب والانقسام والأزمات الإنسانية والاقتصادية، وأي تصعيد جديد لا يؤدي إلا إلى زيادة معاناة المدنيين وإبعاد فرص الوصول إلى حل سياسي مستدام . كما أن التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب تضيف بعداً آخر للأزمة، نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذه الممرات بالنسبة لحركة التجارة والطاقة العالمية . وأي تهديد مستمر للملاحة لا ينعكس على طرف واحد، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى اقتصادات المنطقة والعالم، ويزيد تكاليف النقل والطاقة والغذاء، وهو ما تتحمل الشعوب جزءاً من تبعاته في نهاية المطاف .

أما المملكة العربية السعودية، فإن أمنها واستقرارها يرتبطان بصورة مباشرة بأمن الخليج والمنطقة العربية . ولذلك فإن استهداف أراضيها أو منشآتها الحيوية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، كما أن معالجة هذه التهديدات ينبغي أن تتم ضمن رؤية تحافظ على أمن المملكة، وتمنع في الوقت ذاته انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من المواجهة. وفي المقابل، فإن العراق يقف أمام مسؤولية دقيقة تتمثل في حماية سيادته ومنع استخدام أراضيه أو أجوائه أو حدوده منصة لاستهداف أي دولة أخرى. فالعراق الذي عانى طويلاً من الحروب والتدخلات الخارجية يدرك أكثر من غيره حجم الكلفة التي يمكن أن تترتب على تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية . إن الحفاظ على سيادة العراق لا يتعارض مع علاقاته العربية، بل إن تعزيز هذه العلاقات يمثل أحد عناصر حماية أمنه الوطني.

والعراق بحاجة إلى أن يكون جسراً للحوار والتقارب، لا ساحة للمواجهة، وأن يستثمر مكانته الجغرافية والسياسية في تخفيف التوترات بدلاً من أن يكون جزءاً من اتساعها . وفي الوقت ذاته، فإن احترام سيادة الدول ينبغي أن يكون مبدأً ثابتاً لا يخضع للازدواجية. فكما يجب احترام سيادة العراق، يجب احترام سيادة اليمن والسعودية وسائر الدول العربية، ورفض استخدام أراضي دولة عربية للاعتداء على دولة عربية أخرى . إن الشعوب العربية ليست طرفاً في كثير من الصراعات التي تدور من حولها، لكنها غالباً ما تكون أول من يدفع ثمنها .

المواطن هو الذي يفقد أمنه، والعائلة هي التي تعاني النزوح، والاقتصاد الوطني هو الذي يتحمل آثار العقوبات والحصار والدمار، والشباب هم الذين يخسرون سنوات من أعمارهم في بيئة يسودها الخوف وعدم الاستقرار . ولهذا فإن حماية المدنيين والمنشآت الحيوية والبنى التحتية يجب أن تكون أولوية ثابتة في أي موقف عربي أو إقليمي .

فلا يمكن بناء مستقبل مستقر فوق أنقاض المدن، ولا يمكن تحقيق التنمية في ظل استمرار التهديدات العسكرية . كما أن المنطقة بحاجة إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية العربية . فكل أزمة مهما بلغت حدتها تحتاج في النهاية إلى طاولة حوار، وكل مواجهة عسكرية تنتهي في مرحلة ما إلى تفاوض . وإذا كان الحوار هو النهاية الطبيعية للأزمات، فمن الأفضل أن يبدأ قبل أن تتراكم الخسائر ويتسع نطاق الصراع .

ولا يعني ذلك تجاهل الخلافات أو إلغاء المصالح المتعارضة، وإنما يعني إدارتها بوسائل تمنع تحولها إلى حرب . فالدول يمكن أن تختلف، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تتفق على قواعد تمنع الاعتداء وتحمي الحدود وتحفظ حياة المدنيين . وهنا تبرز أهمية المسؤولية الاجتماعية والعشائرية والثقافية في المجتمعات العربية .

فالقبيلة والعشيرة في تاريخ المنطقة لم تكن مجرد إطار اجتماعي، وإنما لعبت أدواراً في الإصلاح وفض النزاعات وحماية السلم الأهلي وتقريب وجهات النظر. وفي ظل الأزمات الراهنة، يمكن لهذه القوى الاجتماعية أن تسهم في نشر ثقافة التهدئة ورفض الفتن والتحريض، بدلاً من الانجرار وراء خطاب الكراهية والتعبئة.

إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادات سياسية واجتماعية تدرك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الرد العسكري، وإنما كذلك بقدرتها على حماية شعبها من الحرب، والحفاظ على مصالحها، وإدارة علاقاتها الخارجية بحكمة، وفتح الأبواب أمام الحلول السياسية . فالسيادة الحقيقية تعني أن يكون القرار الوطني مستقلاً، وأن تكون الدولة قادرة على حماية أراضيها، وألا تسمح باستخدامها للإضرار بالآخرين، وأن تحافظ على علاقاتها الإقليمية والدولية بما يخدم شعبها ومصالحها العليا . ومن الخطأ أن تتحول المنطقة العربية إلى مجموعة من الساحات المفتوحة التي تتبادل فيها القوى المختلفة الرسائل العسكرية والسياسية. فكلما تعددت ساحات الصراع، أصبحت إمكانية السيطرة على نتائجه أكثر صعوبة، وأصبح خطر اتساع المواجهة أكبر .

إن العراق واليمن والسعودية ليست دولاً منفصلة عن بعضها في حسابات الأمن العربي؛ فالجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والأمنية تجعل استقرارها مترابطاً . وأي تهديد يطال واحدة منها ينبغي أن يدفع نحو مزيد من التعاون والحوار، لا نحو مزيد من الانقسام .

ومن هنا فإن الأولوية في هذه المرحلة ينبغي أن تتمثل في وقف التصعيد المتبادل، وحماية المدنيين، واحترام السيادة الوطنية، ومنع استخدام الأراضي العربية للاعتداء على الدول العربية، وفتح قنوات اتصال سياسية وأمنية لمعالجة الملفات العالقة . كما أن التضامن العربي لا ينبغي أن يتحول إلى اصطفاف جديد يزيد الانقسام، وإنما يجب أن يكون تضامناً لحماية الإنسان العربي والدولة العربية، والحفاظ على الأمن الإقليمي، وإبعاد المنطقة عن صراعات المحاور التي أثبتت التجارب أنها لا تنتج سوى مزيد من التوتر . إن العرب أمام فرصة لإعادة تعريف مفهوم القوة؛ فالقوة ليست دائماً في القدرة على خوض الحرب، وإنما قد تكون في القدرة على منعها . وليست الحكمة أن ننتظر حتى تقع الكارثة ثم نبحث عن الحلول، وإنما أن نمنع الكارثة قبل وقوعها .

إن السلام الذي تحتاجه المنطقة ليس هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى من القتال، وإنما سلام يقوم على احترام السيادة، وعدم الاعتداء، والحوار، والتفاهم، والتعاون الاقتصادي، وحماية الشعوب، وإيجاد حلول سياسية للأزمات المزمنة .

لقد دفعت المنطقة ثمناً باهظاً نتيجة الحروب والصراعات، وحان الوقت لأن تتحول الموارد العربية من أدوات للصراع إلى أدوات للتنمية، وأن تتحول الحدود من خطوط مواجهة إلى جسور للتعاون، وأن تتحول الاختلافات السياسية من أسباب للقطيعة إلى ملفات قابلة للنقاش والتفاوض . وفي النهاية، فإن صوت العقل يجب أن يكون أعلى من صوت السلاح، وصوت الحكمة أقوى من لغة التهديد، لأن مستقبل المنطقة لا تصنعه الصواريخ وحدها، وإنما تصنعه إرادة الشعوب في الحياة والاستقرار والتنمية . العراق يحتاج إلى الأمن، واليمن يحتاج إلى السلام، والسعودية تحتاج إلى الاستقرار، والمنطقة العربية بأكملها تحتاج إلى أن تتوقف عن دفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها. إن حماية الدم العربي، وصون سيادة الدول، ورفض استهداف المدنيين، ومنع اتساع دائرة الحرب، ليست مواقف مرتبطة بمرحلة سياسية عابرة، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة . فالأوطان لا تُبنى بالخوف، والشعوب لا تزدهر وسط الحروب، والمستقبل لا يمكن أن يكون رهينة للتصعيد . لقد آن الأوان لأن تكون لغة الحوار أقوى من لغة السلاح، وأن يصبح السلام مشروعاً عربياً مشتركاً، وأن تكون مصلحة الشعوب فوق كل الحسابات، حتى تستعيد المنطقة حقها الطبيعي في الأمن والاستقرار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *