بعد 28 فبراير.. من يكتب دستور الأمن الجديد في الخليج؟

بعد 28 فبراير.. من يكتب دستور الأمن الجديد في الخليج؟
تكشف حرب 28 فبراير تآكل نموذج الأمن الخليجي القائم على الضامن الأمريكي المنفرد، وتطرح بديلاً يقوم على تنويع الشراكات وبناء ترتيبات إقليمية تشارك فيها إيران ودول الخليج لإدارة الردع والأزمات وحماية السيادة والممرات الحيوية....

لم يكن 28 فبراير يوماً عابراً في تاريخ الخليج. فقد كان، بكل ما حمله من تطورات عسكرية واستراتيجية، يوم انكشاف النظام الأمني الذي حكم المنطقة لعقود.

ذلك النظام قام على معادلة تبدو بسيطة: الولايات المتحدة توفر المظلة الأمنية، ودول الخليج تستضيف القواعد والقوات، فيما تُقدَّم إيران باعتبارها الخطر الذي يبرر استمرار هذه المنظومة.

لكن الحرب الأخيرة كشفت أن هذه المعادلة لم تعد صالحة كما كانت.

فامتلاك واشنطن أكبر قوة عسكرية في العالم، وانتشارها الواسع في الخليج، لم يمنع اندلاع الحرب، ولم يجعل دول المنطقة بمنأى عن تداعياتها. والأهم أن عواصم الخليج أدركت حقيقة استراتيجية طالما جرى تجاهلها: المظلة الأمريكية ليست ضمانة مطلقة، والمصالح الأمريكية ليست دائماً هي المصالح الخليجية.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة.

أمريكا باقية.. لكن احتكار الأمن انتهى

ليس من الواقعية الحديث عن رحيل أمريكي وشيك من الخليج. واشنطن لن تتخلى بسهولة عن منطقة ترتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية والممرات البحرية ومصالحها الاستراتيجية.

لكن بقاء الولايات المتحدة شيء، واحتكارها للأمن الخليجي شيء آخر.

وهذا هو التحول الحقيقي.

لقد بدأت دول الخليج تبحث عن تنويع شركائها، وعن بناء علاقات أمنية ودفاعية مع قوى أخرى، من تركيا وباكستان إلى الصين وروسيا، إلى جانب استمرار علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وهذا يعني أن المنطقة تنتقل تدريجياً من نظام الضامن الواحد إلى نظام تعدد الضمانات.

لكن تعدد الشركاء لا يعني بالضرورة قيام نظام أمني جديد.

فقد تتحول المنطقة ببساطة إلى ساحة تتنافس فيها قوى متعددة، بينما تبقى القاعدة القديمة نفسها: إيران هي العدو، والأمن الخليجي يحتاج دائماً إلى قوة خارجية لحمايته.

وهنا تكمن المشكلة.

لا نظام أمنياً جديداً من دون إيران

إذا كان النظام القديم قد قام على قاعدة (أمن الخليج ضد إيران”، فإن إعادة إنتاج هذه القاعدة لن تكون نظاماً جديداً، مهما تغيرت التحالفات أو ازدادت الأسلحة.

إيران ليست قوة يمكن تجاوزها.

إنها دولة إقليمية كبرى، تقع على الضفة الأخرى من الخليج، وتمتلك موقعاً جغرافياً وقدرات عسكرية واقتصادية تجعلها طرفاً لا يمكن استبعاده من أي معادلة أمنية جدية.

والتجربة خلال العقود الماضية تقدم دليلاً واضحاً: تحويل إيران إلى عدو دائم لم يجلب الاستقرار إلى الخليج، بل أنتج سباق تسلح، وتوترات متواصلة، وحروباً بالوكالة، ومزيداً من التدخلات الأجنبية.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي نظام أمني جديد سيكون في قدرته على الإجابة عن سؤال واحد:

هل يستطيع الخليج أن يكون آمناً مع إيران، لا آمناً ضد إيران؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام بداية تحول تاريخي.

أما إذا كانت الإجابة لا، فإننا أمام إعادة تدوير للنظام القديم.

من الأمن الأمريكي إلى الأمن الإقليمي

الخيار الأكثر واقعية أمام المنطقة ليس إخراج أمريكا أو استبدالها بقوة أخرى.

الخيار الحقيقي هو إنهاء احتكار أي قوة خارجية لتعريف أمن الخليج.

يمكن أن تبقى الولايات المتحدة شريكاً، وأن تبقى أوروبا شريكاً، وأن تتوسع علاقات المنطقة مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان، لكن من دون أن تكون أي عاصمة هي صاحبة الكلمة الأخيرة في تحديد من هو العدو ومن هو الحليف.

وهنا يمكن أن يبدأ مشروع الأمن الإقليمي الحقيقي.

نظام يقوم على عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وحماية الملاحة، وتأمين منشآت الطاقة، وإنشاء قنوات اتصال عسكرية مباشرة، وآليات إقليمية لمنع التصعيد وإدارة الأزمات.

ليس المطلوب أن تتحول إيران ودول الخليج إلى أصدقاء.

يكفي أن تتحول من خصوم دائمين إلى أطراف تدرك أن الحرب ليست في مصلحة أحد.

المعركة المقبلة ليست على القواعد.. بل على القواعد السياسية

ربما تكون المعركة الحقيقية بعد 28 فبراير قد بدأت الآن.

فواشنطن تريد الحفاظ على موقعها. ودول الخليج تريد ضمانات أكثر. وتركيا وباكستان تسعيان إلى أدوار أكبر. والصين وروسيا تريدان توسيع نفوذهما. وإيران تريد منع تحويل الخليج إلى منصة دائمة لاستهدافها.

وفي قلب كل ذلك سؤال واحد: من سيكتب قواعد الأمن الخليجي في العقود المقبلة؟

إذا كتبتها واشنطن وحدها، فإن النظام القديم لم يمت. وإذا كتبتها إسرائيل مع واشنطن، فإن المنطقة ستكون أمام نسخة أكثر خطورة من النظام القديم.

أما إذا تمكنت دول الخليج وإيران، ومعهما العراق وسائر دول المنطقة، من إنتاج تفاهمات أمنية حقيقية، مع الاستفادة من علاقات متوازنة مع القوى الدولية، فإننا نكون أمام ولادة نظام مختلف بالفعل.

28 فبراير.. نهاية أم بداية؟

ربما لا يكون 28 فبراير يوم سقوط النظام الأمني القديم بصورة نهائية، لكنه بالتأكيد يوم سقوط اليقين القديم.

سقط اليقين بأن القواعد الأجنبية تعني الأمن. وسقط اليقين بأن القوة الأمريكية قادرة دائماً على منع الحرب.

وسقطت، أو على الأقل اهتزت، فكرة أن أمن الخليج يمكن أن يقوم إلى الأبد على عزل إيران ومحاصرتها.

لكن سقوط النظام القديم لا يعني أن النظام الجديد قد ولد. هناك الآن فراغ استراتيجي، والفراغات لا تبقى طويلاً. إما أن تملأه القوى الكبرى، فيتحول الخليج مرة أخرى إلى ساحة نفوذ وصراع. وإما أن تملأه دول المنطقة نفسها، فتبدأ للمرة الأولى في صناعة أمنها بأيديها.

وهنا تكمن اللحظة التاريخية.

الخليج أمام خيارين: أن يكون موضوعاً في نظام أمني يصنعه الآخرون، أو أن يصبح شريكاً في صناعة النظام الذي يحكم مستقبله.

أما إيران، فلا يمكن أن تكون خارج هذه المعادلة. فمن يريد بناء أمن خليجي جديد عليه أن يتعامل مع الجغرافيا كما هي، لا كما يريدها أن تكون.

لقد انتهى زمن الأمن الذي يُفرض من الخارج. والسؤال الآن ليس هل سيولد نظام أمني جديد في الخليج، بل: من سيكتب دستوره؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *