من نجران إلى باب المندب إلى طهران: التحول الاستراتيجي في موقع الحوثيين واتساع معادلات الحرب الإقليمية

من نجران إلى باب المندب إلى طهران التحول الاستراتيجي في موقع الحوثيين واتساع معادلات الحرب الإقليمية
تحولت الجبهة اليمنية إلى عقدة مؤثرة في الحرب الإقليمية، مع توسع هجمات أنصار الله على السعودية وتقدمهم قرب باب المندب. وتنبع أهميتها من قدرتها على ربط الضغط العسكري بأمن الملاحة والطاقة، بما يرفع كلفة الصراع الأوسع مع إيران....

في سبتمبر/أيلول 2026، لم تعد جبهة اليمن منفصلة عملياً عن الحرب الإقليمية الأوسع التي اندلعت بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط. فالتصعيد الحوثي ضد السعودية، والتقدم السريع على الساحل الغربي لليمن، والاقتراب أكثر من باب المندب، تزامنت جميعها مع حرب دخلت شهرها السابع وأحدثت اضطراباً واسعاً في طرق تصدير الطاقة والملاحة الإقليمية.

ومن هنا تغيرت وظيفة الجبهة اليمنية. ما يجري لم يعد مجرد امتداد للحرب السعودية-اليمنية التي بدأت عام 2015؛ بل أصبح جزءاً من شبكة ضغوط متداخلة تشمل السعودية والبحر الأحمر ومضيق هرمز وإيران. وهذا التحول هو الذي يمنح التحركات الأخيرة لأنصار الله ثقلاً يتجاوز حدود اليمن.

نجران: انتقال الضغط إلى الداخل السعودي

من المهم هنا التمييز بين الوقائع الميدانية والدعاية الحربية. لا تتوافر أدلة موثوقة على أن الحوثيين احتلوا مساحات واسعة داخل نجران وجيزان وعسير وثبتوا وجوداً برياً دائماً فيها كما توحي بعض الروايات المتداولة. التقدم البري الأبرز وقع داخل اليمن، خصوصاً على الساحل الغربي، بينما تمثل التطور على الجبهة السعودية في تكثيف الضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد منشآت ومدن وقواعد في الجنوب ثم امتدادها إلى العمق السعودي.

في 8 سبتمبر، تعرضت مواقع ومنشآت في أبها ونجران وجيزان وخميس مشيط لهجمات أدت، وفق السلطات السعودية، إلى إصابة 73 شخصاً وإلى حرائق وتعطل مؤقت في بعض منشآت الطاقة. ثم توسعت دائرة الهجمات، وصولاً إلى محاولة استهداف الرياض بصاروخ باليستي في 19 سبتمبر.

القيمة الاستراتيجية لهذا التطور لا تكمن في احتلال أراضٍ سعودية، بل في قدرة الحوثيين على إعادة السعودية إلى دائرة الاستنزاف المباشر بعد سنوات حاولت فيها الرياض تخفيف انخراطها العسكري في اليمن. المملكة التي سعت منذ هدنة 2022 إلى الانتقال من الحرب المفتوحة إلى إدارة النزاع، وجدت نفسها مجدداً أمام تهديد يستهدف مدنها ومنشآتها النفطية وممراتها اللوجستية.

وفي الوقت نفسه حقق الحوثيون مكاسب ميدانية مهمة داخل اليمن؛ فقد سيطروا على المخا وتقدموا على امتداد الساحل الغربي، ثم سيطروا على جزر استراتيجية في البحر الأحمر، بينها ميون وحنيش الكبرى والصغرى، بما عزز موقعهم بالقرب من باب المندب.

باب المندب: من جبهة يمنية إلى ورقة ضغط إقليمية

هنا تظهر النقلة الأكثر أهمية.

باب المندب ليس مجرد مضيق يمني. إنه المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس، أي أحد أهم الشرايين التي تربط آسيا بأوروبا. وقبل اضطرابات البحر الأحمر كان نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية يمر عبر قناة السويس، وهو ما يوضح حجم التأثير الذي يمكن أن ينتج عن تعطل هذه المنظومة الملاحية.

وقد أثبتت أحداث السنوات الماضية أن الحاجة إلى السيطرة الفعلية الكاملة على المضيق ليست شرطاً للتأثير فيه. يكفي ارتفاع مستوى المخاطر العسكرية لكي ترتفع أقساط التأمين، وتتغير مسارات السفن، وتزداد مدة الرحلات وتكاليف النقل. ففي أزمة البحر الأحمر السابقة انخفضت التجارة عبر قناة السويس بنحو النصف خلال فترة قصيرة بسبب تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح.

أما في التصعيد الحالي، فقد ازدادت حساسية باب المندب بسبب الاضطراب المتزامن في مضيق هرمز. ومع تقدم الحوثيين نحو الساحل والجزر القريبة من المضيق، أصبحت السعودية تواجه ضغطاً على أحد المسارات التي تعتمد عليها لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، في وقت تعرض فيه خط أنابيب الشرق-الغرب نفسه لهجوم أدى إلى خروجه جزئياً من الخدمة.

لهذا تتحول القدرة الحوثية في البحر الأحمر إلى أداة ردع وضغط اقتصادي، حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة. فالتهديد بالملاحة وحده يفرض كلفة على التجارة والطاقة والتأمين، ويجبر القوى المعنية على تخصيص موارد عسكرية وسياسية إضافية لحماية الممر.

طهران: ماذا تضيف الجبهة اليمنية إلى معادلة إيران؟

الحرب الحالية على إيران تجعل قراءة التحركات الحوثية مختلفة عن أي مرحلة سابقة. فكل ضغط على السعودية أو الملاحة في البحر الأحمر يضيف متغيراً جديداً إلى حسابات واشنطن وتل أبيب، خصوصاً مع استمرار الاضطراب في هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.

لا يعني ذلك أن صنعاء تتحرك بالضرورة بأوامر مباشرة من طهران. إيران تنفي أنها تسيطر على قرارات الحوثيين، بينما تشير تقارير غربية إلى دعم إيراني طويل الأمد بالسلاح والخبرة والتمويل، وتوجد روايات متعارضة بشأن مستوى التنسيق العملياتي المباشر في التصعيد الأخير. الأدق، لذلك، الحديث عن تقاطع استراتيجي واضح بين الطرفين، لا عن علاقة قيادة وسيطرة يمكن افتراضها تلقائياً.

ومع ذلك، فإن النتيجة العملية تخدم موقع إيران. فكلما اضطرت السعودية إلى تحويل مواردها نحو الدفاع الجوي وحماية منشآتها النفطية، وكلما ازدادت المخاطر على باب المندب، اتسعت كلفة الحرب بالنسبة إلى خصوم طهران.

هذا هو المعنى الأكثر دقة لفكرة «وحدة الساحات» التي يطرحها ما يسمى «محور المقاومة». ليست المسألة بالضرورة غرفة عمليات واحدة تتحكم بجميع الجبهات، وإنما قدرة الصراع في جبهة على إنتاج ضغط عسكري واقتصادي في جبهة أخرى.

من قوة محلية إلى فاعل إقليمي

التحول الأبرز في وضع الحوثيين خلال السنوات الأخيرة هو تجاوزهم الإطار اليمني التقليدي. فالحركة التي سيطرت على صنعاء عام 2014 أصبحت تمتلك ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وقدرة على استهداف منشآت تبعد مئات الكيلومترات، ثم أضافت إلى ذلك قدرة متزايدة على التأثير في الملاحة الدولية.

والهجوم الأخير على الساحل الغربي عمق هذا التحول. السيطرة على المخا والجزر القريبة من باب المندب لا تعني السيطرة المطلقة على المضيق، لكنها تحسن الموقع العملياتي للحركة وتجعل تجاهلها في أي ترتيبات أمنية للبحر الأحمر أكثر صعوبة.

في المقابل، لهذه المكاسب كلفة يمنية ثقيلة. فقد أعادت المعارك الواسعة خطر الحرب الأهلية الشاملة، وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من مئة ألف شخص نزحوا خلال أسابيع قليلة من التصعيد. وهذه الكلفة الإنسانية جزء لا يمكن فصله عن تقييم النتائج الاستراتيجية لأي تقدم عسكري.

ماذا تعني المعادلة الجديدة للإقليم؟

أول ما تكشفه التطورات أن الحرب مع إيران يصعب إبقاؤها محصورة جغرافياً. انتشار أدوات الرد والضغط بين الخليج والبحر الأحمر واليمن ولبنان يجعل أي تصعيد كبير قابلاً لإنتاج ارتدادات في الطاقة والتجارة والأمن البحري.

ثانياً، أثبت الحوثيون أنهم أصبحوا فاعلاً إقليمياً لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد جماعة متمردة داخل اليمن. قدرتهم على تهديد الملاحة والمنشآت النفطية والمدن السعودية تمنحهم ثقلاً تفاوضياً أكبر، من دون أن يعني ذلك أنهم قادرون منفردين على فرض نتيجة الحرب الإقليمية.

وثالثاً، أصبحت كلفة توسيع المواجهة مع إيران أكثر تعقيداً. فواشنطن وتل أبيب لا تحسبان فقط حجم الرد الإيراني المباشر، بل أيضاً احتمالات انتقال التصعيد إلى طرق النفط، والبحر الأحمر، وحلفاء إيران في المنطقة.

من نجران إلى باب المندب إلى طهران يتشكل، إذن، خط مترابط للصراع. أهم ما تغير ليس الحدود على الخريطة، وإنما العلاقة بين الجبهات. ضربة تقع في إيران يمكن أن تؤثر في حسابات صنعاء، والتصعيد في اليمن يمكن أن يضغط على السعودية وأسواق الطاقة، والسيطرة على جزيرة صغيرة في البحر الأحمر قد تترك أثراً يتجاوز مساحتها الجغرافية بكثير.

الحرب لم تنته، ولا تسمح التطورات الحالية بالجزم بنتيجتها. لكن ما أصبح أكثر وضوحاً هو أن الجبهة اليمنية لم تعد هامشاً للصراع الإقليمي. لقد أصبحت إحدى العقد التي يمكن عبرها الضغط على الطاقة والملاحة والحسابات العسكرية في آن واحد. ولهذا فإن السؤال الذي يشغل العواصم المعنية لم يعد فقط ماذا يستطيع الحوثيون أن يفعلوا داخل اليمن، بل إلى أي مدى يمكن لتحركهم أن يرفع كلفة الحرب الأوسع مع إيران ويغير حسابات استمرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *