هل سينقذ (الناتو الإسلامي)!! الرياض من غضبة اليمانيين؟

هل سينقذ (الناتو الإسلامي)!! الرياض من غضبة اليمانيين؟
يختبر التصعيد السعودي–الحوثي فاعلية اتفاق مكة الدفاعي، كاشفاً الفجوة المحتملة بين التعهد بالدفاع الجماعي والاستعداد للتدخل العسكري. وبين الدعم التركي المحدود وحسابات باكستان وغياب مصر، يبقى السؤال حول قدرة التحالف على تحويل الردع السياسي إلى التزام عملياتي....

مع انشغال الولايات المتحدة الأميركية بسجالها بشأن غرينلاند، وإرهاصات الأوضاع الداخلية الأميركية المحتدمة مع قرب موعد انتخابات التجديد النصفي والتراجع الهائل في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأركان حكومته، وتفاقم وتيرة الخسائر الأوكرانية في حربها مع روسيا وانحسار المدد الأميركي لزيلينسكي، وشبه الانكفاء اللوجستي والعسكري والتخاذل السياسي الترامبي حيال السعودية، تجد الرياض نفسها رهينة البحث عن معين ومغيث يتساوق مع وتيرة تصعيدها ضد الحوثيين في اليمن الذين أذهلوا الجميع بحجم الانتصارات الكبيرة جداً التي حققوها خلال أيام قلائل وتمكنهم من المسك بتلابيب مضيق باب المندب، في ذات الوقت الذي كان العالم ينازع الأمرّين جراء خنق إيران لمضيق هرمز على الرغم من سيل الادعاءات الأميركية الصادرة عن ترامب بشأن المضيق.
فالرياض على الرغم من تصعيدها المكثف عبر الغارات فوق سماء اليمن بعد التطورات اليمنية المهولة الأخيرة، إلا أن كفة حربها لا تشي بأية قراءات عسكرية تقترب من تحقيق أي انتصار قد يلوح في أفق نجدة الرياض من المأزق التي تورطت به مع تصعيدها الأخير، فالحوثيون عَضّوا على جراحِهم وشرعوا بأسنة صواريخهم ونصال مسيراتهم الانقضاضية ليذيقوا الرياض ألماً اقتصادياً هائلاً بعد استهدافهم للمنشآت الاستراتيجية النفطية، ليس في أرامكو وحدها، بل في بقاع استراتيجية مصيرية أخرى في الداخل السعودي.
ووفق قراءات منطقية، فإن ما أبرمته السعودية مع باكستان وتركيا بما يشبه الـ(الناتو الإسلامي) تثار بشأنه العديد من التساؤلات والترجيحات، مفادها بأنه سوف لا يقدم ولا يؤخر في خضم أيّة مجابهةٍ حربيةٍ قد تستعر وتتأجج على نطاقٍ واسعٍ مع اليمن في المستقبل الراهن، نظراً لانشغال تركيا بأوضاعها الداخلية المضطربة والخانق الاقتصادي الذي يلم بها، ناهيك عن أن الأوضاع الباكستانية التي قد لا تساعد بتقديم أي مدد حربي أولوجستي فوق طبقٍ من ذهب لصالح الرياض، نظراً لأن الذي في إسلام أباد ما يكفيها من تحديات سياسيةٍ واقتصادية ضاربة في العمق الباكستاني.
وفوق هذا وذاك، فالمناصر الأميركي وفق الحسابات اللوجستية على ما يبدو في مرحلة نفضِ الأيدي بصورةٍ كبيرة من موضوعة تحمل المزيد من الخسائر الأميركية لصالح الرياض، وما قواعده العسكرية والاستراتيجية المدمرة جراء القصف الإيراني خلال الحرب الأخيرة إلا دليل واضح على تضاؤل فرص مشاركتها في أي نوعٍ من المواجهة مجدداً ضد الحوثيين.
ويبدو ان الامر مع مصر على مقياسٍ مقارب، فمصر باتت تخشى سطوة الحوثيين وغضبتهم ، لاسيما بعدما أحكموا طوقهم على مضيق باب المندب الذي ينبض من خلاله اقتصاد السويس الرئة التي تتنفس من خلاله القاهرة راهناً، ناهيك عما تئن تحته من وطأة ضغوطٍ اقتصادية وشعبية هائلة مسلطةٍ عليها.
لكن المفارقة الجوهرية التي تستدعي التوقف هنا، أن اتفاق مكة الذي أُبرم في آب أغسطس الماضي بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد، وُلد في الأساس كدرع استراتيجي لردع إيران، لا لمواجهة الحوثيين كخصم أولي. والحوثيون، في هذا السياق، ليسوا سوى طرف من وكلاء طهران، مما يضع الاتفاق أمام فجوة تصميمية بين الغرض المعلن والاختبار الفعلي.
ولعل السؤال القائم هنا، ليس ما إذا كان اتفاق مكة يستهدف الحوثيين مباشرة، بل ما إذا كانت الرياض قادرة على توجيه هذا الدرع نحو جبهة اليمن حين تشتد الحاجة. وهنا تكمن المفارقة؛ الاتفاق وُلد لردع إيران، لكن أول اختبارٍ عملي له قد يكون في مستنقع يمني لم تُصمم بنوده له أصلاً.
وفي إطارٍ موازٍ، تبرز مفارقة أخرى، مع إسلام آباد هذه المرة، تتمظهر كأحد أكثر التناقضات إثارة في بنية هذا التحالف. فباكستان التي يُفترض أن تكون الركن النووي في هذا التحالف، تجد نفسها في موقع مزدوج، فهي حليف الرياض المعلن، غير أنها بذات الوقت، هي وسيط طهران غير الرسمي في خضم المواجهة مع اميركا، فهي من جهة وقّعت الاتفاق مع السعودية، ومن جهة أخرى لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وسمحت لإيران بتحويل تجارتها عبر أراضيها لتجاوز الحصار البحري الأميركي. فهل يمكن لدولة أن تحمل لواء الردع ضد طرف، بنفس الوقت الذي تفتح له ممرات تجارية على أراضها؟ هذا التناقض البنيوي وحده كفيل بإفراغ أي التزام عسكري باكستاني من مضمونه العملي، مهما علا صوت التصريحات.
أما تركيا، التي تملك ثاني أكبر جيش في الناتو، فقد جاءت تصريحات وزير خارجيتها هاكان فيدان في التاسع عشر من سبتمبر الجاري لتكشف الحد الأقصى لما هو متاح من طرف أنقرة فهي مستعدة وفق قوله “لتقديم مساعدة فنية للسعودية” بموجب اتفاق مكة، وذلك في أعقاب الضربات الحوثية.

ولعل هذه العبارة تستوجب الوقوف عندها طويلا، فتركيا تتحدث عن “مساعدة فنية” وليس عن قوات مقاتلة، بالطبع هذا ليس تقليلاً من شأن المساعدة الفنية، لكنه يكشف أن التحالف، في لحظته الأولى، يعمل بمنطق إدارة الأزمات بالحد الأدنى الممكن، لا بمنطق الحرب الشاملة. ومؤكد ان الفارق بين الاثنين هو الفارق بين درع يردع، ودرع يشارك في المعركة.
ويبقى الغائب الأكبر عن هذا التحالف هو مصر، فالقاهرة التي خسرت عشرة مليارات دولار من عائدات قناة السويس بفعل اضطراب باب المندب، هي أول من يحتاج إلى استقرار اليمن، لكنها آخر من ينضم إلى تحالفٍ قد يجرها إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين. ووفق منطق التحليل، فهذا ليس تردداً، بل هو جردة حساب بارد؛ فالانضمام يعني الالتزام، والالتزام يعني الحرب. ومصر التي باتت تخشى سطوة الحوثيين وغضبتهم، تفضل المراقبة على المشاركة، وتترك للرياض وحدها تحمل تبعات المواجهة. وغياب مصر يعني أن التحالف ليس فقط غير مكتمل عسكرياً، بل غير مكتمل سياسياً، لأن الدول العربية الكبرى لا تزال تفضل الوقوف على الحياد المريب.
من هنا وبكل القراءات، فإن الناتو الإسلامي لا يُرتجى منه أية مساهمات حقيقية وتشاركية إذا ما أقدم اليمانيون برد مزلزل قوامه هجوم بري واسع وشاسع على المناطق والمدن والمقتربات المحاذية للأراضي اليمنية من جهة السعودية، وليس هناك من حائل رغم حجم المرتزقة الذين تزجهم الرياض في قتالها ضد الحوثيين، أقول ليس هناك من حائل دون حصول الحوثيين على موطئ قدم في الأراضي السعودية يكون بمثابة مثابات عسكرية واستحكامات لوجستية قد تسفر عن مزيد من التقدم في المستقبل المنظور حسب التطورات الميدانية.
على أية حال، كفة الترجيحات تشي بأن صنعاء باتت في موضع المبادئة لإحراج الرياض بشدة هذه المرة في اقتطاع جزء من الأراضي السعودية، وهو ما حمل الرياض على التحرك السياسي والدبلوماسي السريع وإطلاق المدعيات بقصف الحوثيين لمكة وسواها طمعاً في حصد أي تعاطف إسلامي يمكن أن يسفر عن حشود من المسلمين المتطوعين للقتال دفاعاً عن السعودية، الذي لا يمكن التكهن به في خارطة الضغوطات الهائلة على بلدان (الناتو الإسلامي) المفترض.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سينقذ هذا الناتو الرياض من أي زحف يماني حوثي على مناطق وأراضٍ ومدن سعودية محاذية لليمن.. أم مازال هناك في الكنانة السعودية مزيداً من سهام المناورة والمناصرة في سجالها مع صنعاء الذي طال سنين عجاف؟
والحقيقة أن الرياض لا تبحث عن منقذ، بل عن شريك في الفاتورة. واتفاق مكة، بتركيبته الحالية، يبدو أقرب إلى وثيقة تأمين جماعي؛ الجميع يدفع القسط، لكن لا أحد يريد التورط أو أن يكون أول من يطالب بالتعويض. فالسؤال الحقيقي ليس هل سيصل الناتو الإسلامي إلى الرياض، بل هل سيكون موجوداً قبل أن تصل صواريخ الحوثيين إلى ما بعد الحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *