من يملك حق رسم سوريا الجديدة؟ دمشق أم أنقرة أم تل أبيب؟

من يملك حق رسم سوريا الجديدة؟ دمشق أم أنقرة أم تل أبيب؟
تتناول القراءة مستقبل سوريا الجديدة باعتباره صراعاً على القرار السيادي، حيث تتنافس تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة على النفوذ، بينما يبقى التحدي أمام دمشق هو بناء دولة مستقلة قادرة على إدارة التوازنات دون الارتهان للخارج...

لم يكن لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن مجرد لقاء أمني عابر، كما أنه لا يمكن اختزاله في الحديث عن (تطبيع) سوري ـ إسرائيلي. ما يجري أكبر من ذلك بكثير: صراع على شكل سوريا الجديدة، وعلى الجهة التي سيكون لها التأثير الأكبر في تحديد قرارها العسكري والأمني والسياسي.

والدليل الأهم أن الاتصال بين الشيباني وغوفمان لم يبدأ في الأردن. فقد سبقه اتصال في 14 أغسطس، وكان موضوعه الأساسي ـ بحسب ثلاثة مصادر تحدثت إلى رويترز ـ الوجود العسكري التركي في سوريا، والأسلحة والطائرات المسيّرة التي تقدمها أنقرة للجيش السوري. وبعد أيام قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور.

هذه الواقعة تكشف جوهر الصراع. إسرائيل لا تريد فقط ضمان حدودها مع سوريا: إنها تريد أيضاً منع تركيا من تحويل سوريا الجديدة إلى قاعدة نفوذ عسكري واستراتيجي تركي. ولذلك فإن الغارة على أبو الظهور لم تكن رسالة إلى دمشق وحدها، بل كانت رسالة إلى أنقرة أيضاً: هناك حدود للنفوذ التركي في سوريا، وإسرائيل تريد أن تكون هي من يرسمها.

في المقابل، تنظر تركيا إلى سوريا الجديدة باعتبارها فرصة استراتيجية تاريخية. فهي لا تريد مجرد حكومة صديقة في دمشق، وإنما سوريا مرتبطة بها أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وقادرة على أن تشكل امتداداً لنفوذها الإقليمي.

وهكذا أصبحت سوريا أمام معادلة شديدة التعقيد: تركيا تريد التأثير في بناء سوريا الجديدة، وإسرائيل تريد التأثير في ضبطها، وواشنطن تحاول إدارة التنافس بينهما. أما السؤال الذي لا يزال مفتوحاً فهو: أين موقع دمشق من كل ذلك؟

المفاوضات السورية – الإسرائيلية نفسها تؤكد أن المسألة تتجاوز مجرد وقف التصعيد. فقد تحدث الشيباني عن تفاهمات سابقة تتعلق بترتيبات أمنية ومناطق عازلة وانتشار القوات في الجنوب، فيما تريد دمشق وقف الضربات والتوغلات الإسرائيلية والحفاظ على سيادتها وقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

فإذا قبلت دمشق أن تُرسم حدود قوتها العسكرية من تل أبيب، وأن تُحدد علاقاتها العسكرية مع أنقرة وفقاً للفيتو الإسرائيلي، فإن سوريا الجديدة ستولد وهي تفتقر إلى أهم عناصر الدولة: القرار السيادي المستقل.

وفي المقابل، فإن الارتهان الكامل لتركيا لا يصنع استقلالاً سورياً أيضاً. فاستبدال نفوذ بنفوذ لا يعني استعادة السيادة.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول من يربح مفاوضات الأردن، ولا حول ما إذا كان الشيباني قد جلس إلى طاولة مع رئيس الموساد.

المعركة الحقيقية هي: من يملك حق رسم سوريا الجديدة؟

هل ترسمها دمشق بإرادتها الوطنية؟ أم ترسمها أنقرة عبر نفوذها العسكري والسياسي؟ أم ترسم تل أبيب حدود قوتها وأمنها وتحالفاتها؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين والعرب، لأن سوريا التي تُبنى وفق شروط الآخرين قد تتغير قيادتها ونظامها، لكنها لن تستعيد بالضرورة قرارها.

وما لم تستطع دمشق أن توازن بين أنقرة وتل أبيب وواشنطن، وأن تحول التنافس بينها إلى مساحة للمناورة بدلاً من أن تتحول هي نفسها إلى ساحة للتنافس، فإن (سوريا الجديدة) قد تكون في النهاية سوريا مرسومة من الخارج، لا سوريا جديدة بقرار سوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *