الزيدي وابن سلمان ورسالة الرياض
كان من المقرر أن يزور الزيدي مهلكة الشر السعودية يوم الخميس الماضي. لكن الاعتداء الآثم الذي نفذته المهلكة بقصف مقرات القوات الأمنية العراقية غيّر المشهد.
وقد امتد القصف، وفق النص، من الشمال إلى الجنوب. كما جرى بموافقة ترامب، وحمل رسالة سياسية واضحة من ابن سلمان والولايات المتحدة إلى الزيدي.
ومفاد هذه الرسالة كان مباشراً: أنت غير مرحب بك في الرياض. ومن يتابع مسار الأحداث يدرك أن هذه الرسالة لم تكن معزولة.
بل جاءت بعد سلسلة تحركات سياسية واقتصادية سبقتها. فقد توجه الزيدي، بعد زيارته الولايات المتحدة، مباشرة إلى إيران.
وكان الهدف معالجة ملف الغاز الإيراني. كما بحث إمكانية مرور أنبوب الغاز التركمانستاني عبر الأراضي الإيرانية إلى محطات الكهرباء العراقية.
ثم انتقل الزيدي إلى تركيا. وكانت تركيا قد رفضت مسبقاً أوامر أمريكية بإشعال فتيل حرب سنية شيعية بينها وبين إيران.
كما رفضت، وفق النص، إشعال مواجهة بين جولاني سوريا وحزب الله اللبناني. وهنا بدأت ملامح خلاف إقليمي أوسع تظهر بوضوح.
صفقة النفط وطريق التنمية
في تركيا، أبرم الزيدي صفقة لتصدير النفط بمقدار مليون برميل يومياً. وجاءت الصفقة بفارق دولارين عن السعر الرسمي.
كما أصر على المضي في توقيع اتفاقية طريق التنمية العراقي. وهذا المشروع سيصب، بحسب النص، في صالح العراق وتركيا والصين ودول الشرق.
كما سيصب في صالح إيران أيضاً. فإيران تتحكم بمضيق هرمز أولاً، ويمكنها ثانياً استغلال الحدود البرية العراقية.
ومن خلال هذه الحدود، تستطيع إيران تصدير نفطها ومنتجاتها. كما تستطيع استيراد احتياجاتها من أوروبا وإليها عبر هذا المشروع الاستراتيجي.
ومن هنا، لم تعد تحركات الزيدي وابن سلمان مجرد خلاف بروتوكولي. بل أصبحت جزءاً من صراع على طرق الطاقة والتجارة والنفوذ.
رواية استهداف السعودية
دفعت هذه التحركات السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل إلى اختلاق رواية استهداف السعودية من قبل الحشد الشعبي.
ثم جرى تنفيذ قصف للعراق بأمر أمريكي، ومن دون الرجوع إلى الحكومة العراقية. وكان الهدف تحقيق جملة من النتائج السياسية والأمنية.
أولاً، أرادوا إشعال حرب طائفية خليجية بين السنة والشيعة في المنطقة. وتتم هذه الحرب، وفق النص، بدعم أمريكي إسرائيلي.
فهي حرب بالإنابة ضد إيران والشيعة تقودها السعودية. كما تمنح إسرائيل فرصة احتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المحيطة بها.
ويشمل ذلك لبنان وسوريا والأردن. كما يشمل التوسع باتجاه العراق، مستفيدة من انشغال الأطراف الإسلامية بالحرب فيما بينها.
التحالف الإسلامي وباب المندب
ثانياً، يستهدف هذا المسار تشكيل تحالف سعودي مصري يضم خمسين دولة إسلامية. ويطرح هذا التحالف نفسه لمعالجة ما يسمونه خطر الحوثي.
كما يربط هذا الطرح بإغلاق مضيق باب المندب من قبل أنصار الله في اليمن. وهكذا تتحول الحرب البحرية إلى ذريعة لتحالف أوسع.
ومن خلال هذه الذريعة، تريد السعودية، بحسب النص، نقل الأزمة من حدودها المباشرة. كما تريد تحويلها إلى ملف إسلامي ودولي واسع.
إفشال طريق التنمية
ثالثاً، يهدف التصعيد إلى إفشال مشروع طريق التنمية. فهذا المشروع سيستحوذ على نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية.
وسيحدث ذلك، وفق النص، على حساب قناة السويس. كما سيجعل مضيق هرمز الممر الأهم عالمياً لحركة التصدير والاستيراد بين الشرق وأوروبا.
وهذا لا يخدم مصالح الولايات المتحدة ولا السعودية ولا إسرائيل ولا دول الخليج. بل يصب في صالح شيعة المنطقة، الذين تخشاهم إسرائيل أولاً.
كما يخشاهم حلفاؤها في الخليج ثانياً. لذلك يصبح طريق التنمية، في هذه القراءة، مشروعاً اقتصادياً ذا أثر جيوسياسي وطائفي وإقليمي.
وتشهد الرواية السعودية نفسها تناقضاً واضحاً. فقد اعترفت لاحقاً بأن الهجوم الذي استهدف منشآتها لم يكن عراقياً.
ثم نسبت الهجوم إلى الحوثيين من داخل العراق. وهذا، بحسب النص، تلفيق آخر يهدف إلى إيجاد مبرر سياسي وإعلامي للاعتداء على العراق.
وقد جاء هذا التلفيق بعد سقوط الرواية الأولى. وهكذا تحولت الرواية من اتهام مباشر للعراق إلى صيغة جديدة تربط الحوثيين بالساحة العراقية.
سلاح الفصائل والرسالة إلى الزيدي
رابعاً، أرادوا إيهام الزيدي بعدم نزع سلاح الفصائل غير الحكومية. وجاء ذلك بحجة الدفاع عن العراق ضد السعودية.
والهدف، بحسب النص، هو الحفاظ على سلاح فصائل عراقية تنفذ أجندات سعودية. وتتحرك هذه الفصائل بغطاء شيعي وسني.
كما يهدف ذلك إلى منع تفكيكها أو الحد من نفوذها داخل العراق. ويشمل أيضاً منع البحث عن أسلحة خلايا نائمة مدعومة سعودياً.
وتنتظر هذه الخلايا، وفق النص، أوامر الاستيقاظ داخل العراق. وهنا يصبح ملف السلاح جزءاً من هندسة أمنية معقدة.
ولذلك، لا تتعلق رسالة الزيدي وابن سلمان بالزيارة وحدها. بل تتعلق بمستقبل الدولة العراقية وقدرتها على حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
موقف الحكومة العراقية وصور الأقمار الاصطناعية
في المقابل، أكدت الحكومة العراقية عدم انطلاق أي طائرة مسيّرة من الأراضي العراقية باتجاه السعودية.
وقد جاء هذا الموقف مدعوماً بما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية. كما أكدت الحكومة أن الطائرات المسيّرة انطلقت من الكويت واليمن.
وأشارت أيضاً إلى انطلاق طائرات مسيّرة أخرى من إسرائيل. وقد استهدفت هذه الطائرات منصات الغاز في دمياط بمصر.
ومن هنا، يرى النص أن ما جرى لم يكن مجرد رد عسكري. بل كان محاولة لإيقاف مشروع سياسي واقتصادي يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
كما يغير هذا المشروع خريطة المصالح والتجارة والطاقة. ويضع العراق أمام معادلات جديدة، تتجاوز حدود الزيارة المؤجلة إلى الرياض.
محاولة تعطيل مشروع الدولة
يهدف التصعيد أيضاً إلى إيهام الزيدي باستمرار الحاجة إلى سلاح الفصائل غير الحكومية. وتطرح هذه الحاجة المزعومة بذريعة مواجهة التهديدات الخارجية.
لكن النتيجة، وفق النص، هي عرقلة مشروع الدولة في تنظيم السلاح. كما تعرقل حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية.
وهكذا يصبح الاعتداء السعودي، بحسب القراءة المطروحة، رسالة مزدوجة. فهو يستهدف دماء العراقيين ومواقعهم الأمنية، ويستهدف مشروع الدولة في الوقت نفسه.
كما يسعى إلى منع العراق من التحرك بحرية في ملفات الغاز والنفط والتجارة. ويريد إبقاء بغداد ضمن معادلة ضغط أمريكية خليجية إسرائيلية.
دماء العراقيين وموقف الحكومة
إن دماء العراقيين عزيزة. ولا سيما دماء الذين كسروا ظهر أمريكا وأذنابها في الخليج خلال حرب العراق ضد داعش المدعوم عالمياً وخليجياً.
وقد كان أبناء الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية في طليعة من تصدى لداعش. كما خاضوا تلك المعركة مدعومين بسلاح إيران.
وقدموا التضحيات دفاعاً عن العراق وشعبه ومقدساته. لذلك لا يمكن التعامل مع دمائهم بوصفها تفصيلاً في معركة نفوذ إقليمية.
ولهذا، فإن دماء العراقيين تستحق موقفاً منصفاً وحازماً من الحكومة العراقية تجاه العدوان السعودي وقيادته.
ويجب أن يكون هذا الموقف بعيداً عن التردد أو التخاذل. كما يجب أن يترافق مع المضي قدماً في استكمال ما بدأه الزيدي.
استكمال مسار الزيدي وحماية النظام السياسي
ينبغي أن يمضي الزيدي في مساره، مدعوماً بقيادات الإطار التنسيقي. فقد تمكنت هذه القيادات من امتصاص محاولات تفكيك النظام السياسي القائم.
كما نجحت في إفشال هذه المحاولات بمختلف الوسائل الممكنة. وكان الهدف الحفاظ على استقرار العراق وتجنيبه المؤامرات المحيطة به من كل اتجاه.
ولا يجوز السماح لأي ضغوط خارجية بعرقلة مسار الدولة. كما لا يجوز السماح بفرض وقائع جديدة على حساب سيادة العراق ودماء أبنائه.
وفي المحصلة، تكشف أزمة الزيدي وابن سلمان أن العراق يقف أمام اختبار سيادي كبير. فإما أن يحمي قراره ومشاريعه وسلاح دولته، أو يبقى أسير رسائل الخارج وضرباته.
كما تكشف أن طريق التنمية ليس مشروع بنية تحتية فقط. بل هو مشروع لإعادة ترتيب موقع العراق في معادلة الطاقة والتجارة والنفوذ الإقليمي.


