بين فخ ترامب وحسابات الدولة.. لماذا كان جواب الزيدي دبلوماسياً؟

بين فخ ترامب وحسابات الدولة.. لماذا كان جواب الزيدي دبلوماسياً؟
يعدّ الطرح جواب الزيدي مناورة دبلوماسية جنّبت العراق مواجهة مع واشنطن وأزمة داخلية مع شركائه، مؤكداً أن تأجيل الملفات الحساسة لا يعني التنازل عنها، بل اختيار التوقيت الذي يحفظ الاستقرار والمصلحة الوطنية...

ربما لن يوافقني الكثير على ما سوف أطرحه اليوم في مقالي هذا، لكن لا بد من سرد الحقائق بشكل عقلاني بعيداً عن العاطفة.
في السياسة، ليست كل الأسئلة بريئة؛ فبعضها يُصاغ ليضع المسؤول أمام خيارين كلاهما مكلف، وليجرّه إلى موقف يخسر فيه مهما كانت إجابته. والسياسي الذي يقود دولة بحجم العراق، وفي ظل تعقيدات إقليمية ودولية غير مسبوقة، لا يملك رفاهية الإجابات العاطفية، بل يزن كل كلمة بميزان الدولة ومصالحها العليا.
​السؤال الذي وجّهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بشأن استهداف “قادة النصر” لم يكن مجرد سؤال عابر، بل كان امتحاناً سياسياً بالغ الحساسية.
​فلو أجاب الزيدي بأنه يرفض استهداف قادة النصر، وأن ما جرى في مطار بغداد كان عملاً غير مقبول، لكان قد وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية. ومع شخصية مثل ترامب، التي عُرفت بسياساتها الصدامية واستعدادها لاتخاذ إجراءات استثنائية بحق من تعتبرهم خصوماً للمصالح الأمريكية، فإن أي تصريح من هذا النوع كان قد يفتح أبواباً واسعة من الضغوط السياسية وربما القانونية على العراق ورئيس حكومته.
​ولا يمكن قراءة هذا الاحتمال بعيداً عن طبيعة السياسة التي انتهجتها إدارة ترامب في التعامل مع خصومها، والتي تجلت في عمليات غير مسبوقة خارج الحدود الأمريكية. لذلك، فإن أي مسؤول عراقي يضع مصلحة بلده فوق كل اعتبار لا يمكن أن يمنح ذريعة مجانية قد تُستغل ضده أو ضد دولته، خصوصاً في ملفات شديدة الحساسية ترتبط بالتصنيفات الأمريكية لقوى وشخصيات في المنطقة، وربما يُعتقل الزيدي في أمريكا بتهمة الإرهاب كما فعل مع الرئيس الفنزويلي، أو إسقاط طائرة الرئيس مع مرافقيه، على رأي المثل القائل: “لا على المجنون حرج”.
​أما لو اختار الزيدي الجواب الآخر، وأعلن رضاه عن استهداف قادة النصر، أو وافق ترامب على توصيفهم، فإن الكلفة كانت ستكون داخلية هذه المرة.
​كيف سيواجه القوى السياسية التي تشكل حكومته؟ وكيف سيتعامل مع فصائل المقاومة العراقية التي تنظر إلى قادة النصر بوصفهم شهداء ورموزاً وطنية؟ وكيف سيحافظ على استقرار الدولة، في وقت تشارك فيه تلك القوى في إدارة العملية السياسية، ولها حضور مؤثر في البرلمان ومؤسسات الدولة، كما أن كثيراً من القيادات العسكرية والأمنية العليا في وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني والمخابرات وغيرها جاءت نتيجة التوافقات السياسية التي أفرزتها الانتخابات لصالح تلك القوى السياسية؟
​إن رئيس الوزراء لا يحكم بلداً مستقراً سياسياً بصورة مطلقة، وإنما يقود دولة تقوم على توازنات دقيقة، وأي كلمة غير محسوبة قد تهدم ما بُني خلال أشهر أو سنوات.
​ولهذا كان جواب الزيدي دبلوماسياً بامتياز عندما قال إنه جاء من أجل مستقبل العراق، وليس للحديث عن الماضي.
​لقد أغلق باب الفتنة السياسية، ورفض أن يُستدرج إلى معركة لا تخدم العراق. فلم يقدم لترامب ما يمكن أن يُفسر على أنه تحدٍّ مباشر، ولم يتخلَّ عن ثوابت شركائه في العملية السياسية.
​وهذا لا يعني أن قضية استهداف قادة النصر قد طُويت، أو أنها أصبحت من الماضي. فالسياسة لا تعرف النهايات المطلقة، وإنما تعرف توقيت الملفات. ولكل مرحلة أولوياتها، ولكل حادث حديث. وقد يأتي اليوم الذي تتغير فيه موازين القوى، وتتبدل الإدارات، وتنتهي ولاية ترامب، وتُفتح فيه ملفات كثيرة أُجّل الحديث عنها مراعاةً لظروف المرحلة وحسابات الدولة واستقرار المنطقة.
​إن إدارة الأزمات لا تعني التنازل عن المواقف، بل تعني اختيار التوقيت المناسب لكل موقف. فليس من الحكمة أن يخوض العراق معارك سياسية وإعلامية في لحظة لا تخدم مصالحه، بينما يستطيع أن يحافظ على استقراره ووحدة قراره، ثم يتعامل مع الملفات الخلافية عندما تكون الظروف أكثر ملاءمة.
​ولهذا فإن جواب الزيدي لم يكن هروباً من المسؤولية، بل كان تعبيراً عن فهم عميق لطبيعة المرحلة. فالدول لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُبنى بالانفعالات، وإنما تُدار بالعقل والحكمة، وبالقدرة على التمييز بين ما يجب أن يُقال اليوم، وما يمكن أن يُقال في الوقت الذي يخدم مصلحة العراق وسيادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *