ليس كل اللصوص يكسرون الأبواب… بعضهم يسرق وطنًا بأكمله

المال العام حين يتحول الفساد إلى سرقة وطن
قراءة اقتصادية في خطورة الاعتداء على المال العام، وكيف يحرم الفساد ملايين المواطنين من التنمية والخدمات والفرص...

المال العام حين يصبح هدفاً للسرقة

عندما نسمع كلمة لص، يتبادر إلى أذهاننا شخص يتسلل ليلاً. فهو يكسر باب منزل، ثم يغادر بما استطاع حمله من أموال أو مقتنيات.

لكن علم الاقتصاد يقدم تعريفاً أوسع وأشد خطورة لمعنى اللص. فاللص الحقيقي لا يكسر الأبواب بالضرورة، ولا يتحرك دائماً في الظلام.

قد يكون اللص من يمد يده إلى المال العام، ويهدر موارد الدولة. كما قد يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة على حساب ملايين المواطنين.

وهنا لا تُسرق محفظة شخص واحد أو بعض مقتنياته الخاصة. بل تُستنزف مقدرات وطن كامل، وتتراجع فرصه في التنمية والاستقرار.

المال العام رأس مال التنمية

في الاقتصاد، يمثل المال العام رأس المال الذي تعتمد عليه الدولة. ومن خلاله تستطيع الدولة أن تحقق التنمية وتبني مستقبلها.

فبهذا المال تُبنى المدارس والجامعات، وتُجهز المستشفيات. كما تُشيد الطرق والجسور، وتُطور شبكات الكهرباء والمياه.

إضافة إلى ذلك، يمول المال العام المشاريع الإنتاجية التي تخلق فرص العمل. كما يحرك عجلة الاقتصاد، ويدعم النشاط الإنتاجي في المجتمع.

لذلك، عندما يتعرض هذا المال للهدر أو الاختلاس أو سوء الإدارة، لا تقاس الخسارة بقيمة الأموال المفقودة فقط.

بل تقاس أيضاً بحجم الفرص التي ضاعت على المجتمع بأكمله. فكل مبلغ مهدور يعني فرصة تنموية لم تصل إلى الناس.

الكلفة الاقتصادية الحقيقية للفساد

إن كل دولار يفقد من خزينة الدولة يعني مدرسة لم تُبنَ. كما يعني مستشفى لم يُجهز، أو طريقاً بقي غير مكتمل.

وقد يعني أيضاً مشروعاً استثمارياً لم يرَ النور. وهذه هي الكلفة الاقتصادية الحقيقية للفساد في أي دولة.

فالكلفة لا تظهر في الأرقام المالية وحدها. بل تظهر في تراجع جودة الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة.

كما تظهر في ضعف النمو الاقتصادي وانخفاض مستوى رفاهية المواطنين. ومن هنا يصبح الفساد عائقاً مباشراً أمام التنمية.

الفساد يطرد الاستثمار

لا تتوقف آثار الفساد عند حدود الإنفاق العام. بل تمتد أيضاً إلى بيئة الاستثمار، وثقة رؤوس الأموال.

فالمستثمر يبحث عن بيئة يسودها القانون والشفافية. كما يبتعد عن الاقتصادات التي ترتفع فيها مخاطر الفساد.

لأن الفساد يزيد تكاليف ممارسة الأعمال. كما يضعف الثقة بالمؤسسات، ويجعل القرار الاستثماري أكثر حذراً.

لذلك، لا تمثل مكافحة الفساد مطلباً أخلاقياً أو قانونياً فقط. بل تمثل ضرورة اقتصادية لتعزيز القدرة التنافسية.

كما تساعد مكافحة الفساد على جذب رؤوس الأموال. وتدعم مسار التنمية المستدامة، وتمنح السوق ثقة أكبر.

العراق وتحدي إدارة الموارد

في العراق، الذي يمتلك ثروات نفطية وبشرية كبيرة، تمثل إدارة الموارد التحدي الحقيقي. فحسن الإدارة هو ما يحول الثروة إلى تنمية.

وخلال المرحلة الراهنة، تتجه الدولة إلى تعزيز جهود مكافحة الفساد المالي. ويتم ذلك عبر تفعيل دور المؤسسات الرقابية والقضائية.

كما تتابع الدولة ملفات الاختلاس والهدر. وتكشف، وفق ما تعلنه الجهات الرسمية، عن قضايا تتعلق بمبالغ كبيرة.

إضافة إلى ذلك، تسعى الدولة إلى استرداد الأموال العامة. كما تعمل على تطبيق أنظمة الحوكمة والرقمنة.

وتساعد هذه الأنظمة على تقليل فرص التلاعب. كما ترفع كفاءة إدارة المال العام، وتحد من الهدر والفساد.

استرداد الأموال وإعادة بناء الاقتصاد

من منظور اقتصادي، لا يعني استرداد الأموال العامة إعادة مبالغ إلى الخزينة فقط. بل يعني إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج.

فكل مبلغ يُستعاد يمكن أن يتحول إلى مشروع تنموي. كما يمكن أن يدعم برنامجاً في التعليم أو الصحة.

وقد يتحول أيضاً إلى بنية تحتية تحفز النشاط الاقتصادي. أو إلى فرصة عمل لشاب يبحث عن مستقبل أفضل.

وهكذا، يصبح استرداد الأموال جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد. ولا يبقى مجرد إجراء مالي أو قانوني محدود.

لذلك، ترتبط حماية المال العام مباشرة بفرص التنمية. كما ترتبط بمستقبل المواطنين، وبقدرة الدولة على أداء وظائفها.

تجارب الدول ومفاتيح النجاح

أثبتت تجارب دول كثيرة أن تقليص الفساد لا يتحقق بالعقوبات وحدها. بل يحتاج إلى بناء مؤسسات قوية وراسخة.

كما يحتاج إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. ويحتاج أيضاً إلى تطوير الأنظمة الرقمية داخل الإدارة العامة.

إضافة إلى ذلك، يتطلب الإصلاح تعزيز الرقابة على الإنفاق العام. كما يتطلب تمكين الأجهزة المختصة من أداء دورها باستقلالية وكفاءة.

فالإصلاح الاقتصادي يبدأ عندما يشعر الجميع بأن المال العام مصان. كما يبدأ عندما يطبق القانون على الجميع دون استثناء.

ومن هنا، لا تكفي الشعارات في مواجهة الفساد. بل تحتاج الدولة إلى نظام مؤسسي يمنع السرقة قبل أن يعاقب عليها.

أخطر أنواع السرقة

في الختام، لا تكمن أخطر أنواع السرقة في الأزقة والشوارع. بل تكمن في تلك التي تُرتكب في الخفاء ضد حاضر الوطن ومستقبله.

فاللص الذي يسرق منزلاً يضر أسرة واحدة. أما من يعتدي على المال العام، فيحرم ملايين المواطنين من حقوقهم.

إنه يحرمهم من التنمية والخدمات والفرص. ولذلك لا تمثل حماية المال العام قضية محاسبية فقط.

بل تمثل قضية تنموية تمس حاضر الدولة ومستقبل أجيالها. فالمجتمع كله يدفع ثمن الفساد، لا الخزينة وحدها.

السؤال الأهم

لهذا يبقى السؤال الأهم مطروحاً أمام الجميع. كم كان يمكن أن يتغير واقع الاقتصاد لو وُجه كل دينار إلى غايته الصحيحة؟

لعل الإجابة تكمن في حقيقة اقتصادية بسيطة. فثروة الدول لا تقاس بما تملكه من موارد فقط.

بل تقاس بقدرتها على حماية تلك الموارد من الهدر والفساد. كما تقاس بقدرتها على تحويلها إلى تنمية مستدامة.

وعندها فقط يشعر كل مواطن بثمار الثروة الوطنية. فالوطن لا ينهض بما يملك، بل بما يحسن حمايته وإدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *