هل أعاقت السياسة والفساد الإداري والمالي عودة الصناعة العراقية؟ أم ما زالت فرصة النهوض قائمة؟

هل أعاقت السياسة والفساد الإداري والمالي عودة الصناعة العراقية؟ أم ما زالت فرصة النهوض قائمة؟
تراجعت الصناعة العراقية بفعل الفساد، واضطراب السياسات، وضعف التخطيط والحوكمة، رغم وفرة الموارد والسوق والطاقات البشرية. وتبقى نهضتها ممكنة عبر إصلاح الإدارة، واستقرار التشريعات، وحماية المنتج الوطني، وتطوير البنية التحتية، وتمكين القطاع الخاص..

لطالما ارتبط اسم العراق بالنفط حتى أصبح الاقتصاد العراقي يُختزل في براميل النفط وأسعاره العالمية لكن خلف هذا المشهد يبرز سؤال أكثر عمقًا لماذا لم تستطع الصناعة العراقية أن تستعيد مكانتها رغم ما يمتلكه العراق من موارد مالية وطبيعية وبشرية هائلة؟ وهل المشكلة في نقص الإمكانات أم في طبيعة السياسات الاقتصادية والإدارية التي أُدير بها هذا القطاع خلال العقود الماضية؟

إن الحديث عن الصناعة في العراق ليس مجرد نقاش اقتصادي فحسب بل هو قراءة في علاقة السياسة بالاقتصاد، والإدارة بالتنمية والقرار الحكومي بمستقبل ملايين الشباب الباحثين عن فرص عمل. فالدول التي بنت اقتصاداتها الحديثة لم تعتمد على الموارد الطبيعية وحدها بل جعلت من الصناعة محركًا للنمو ووسيلة لتنويع مصادر الدخل وأداة لتعزيز السيادة الاقتصادية. أما العراق فعلى الرغم امتلاكه كل المقومات اللازمة لبناء قاعدة صناعية قوية فإن هذا القطاع ظل يعاني من التراجع عامًا بعد آخر.

ولا يمكن تفسير هذا التراجع بعامل واحد إذ لعبت الحروب والعقوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني دورًا كبيرًا في إضعاف البنية الصناعية إلا أن السنوات التي أعقبت عام 2003 كشفت عن تحديات من نوع آخر تمثلت في غياب رؤية صناعية واضحة وتغير الأولويات الاقتصادية وضعف التخطيط طويل الأجل فضلاً عن تعقيد الإجراءات الإدارية وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات وهي عوامل أبطأت تنفيذ المشاريع الصناعية وأثرت في كفاءة الاستثمار.

كما أن الفساد الإداري والمالي أصبح أحد أبرز العوائق أمام التنمية الصناعية عندما تتحول الإجراءات إلى حلقات معقدة  وتتأخر الموافقات وتتعطل المشاريع وتُهدر الموارد المخصصة للتطوير. فالفساد لا يقتصر أثره على خسارة الأموال العامة بل يمتد ليقوض ثقة المستثمر ويزيد كلفة الإنتاج ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال نحو بيئات أكثر استقرارًا وشفافية. وفي ظل هذه الظروف الحالية يجد المنتج المحلي نفسه في منافسة غير متكافئة مع السلع المستوردة فيتراجع الإنتاج وتتقلص فرص العمل.

إلى جانب ذلك فإن عدم استقرار السياسات الاقتصادية والصناعية أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين. فالقطاع الصناعي يحتاج إلى خطط تمتد لسنوات بينما تؤدي التغييرات المتكررة في القرارات والإجراءات إلى خلق بيئة استثمارية غير مستقرة تجعل المستثمر المحلي والأجنبي أكثر ترددًا في ضخ رؤوس الأموال في مشاريع إنتاجية طويلة الأجل.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل فالعراق يمتلك مقومات حقيقية لنهضة صناعية جديدة فهو يملك ثروات نفطية ومعدنية وسوقًا محلية واسعة وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وطاقات بشرية شابة وجامعات قادرة على رفد القطاع الصناعي بالكفاءات والخبرات. لكن تحويل هذه المقومات إلى إنجازات اقتصادية يتطلب إرادة سياسية تجعل الصناعة مشروعًا وطنيًا لا ملفًا إداريًا مؤجلًا.

إن النهوض بالصناعة يبدأ بإصلاح بيئة الحوكمة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات وحماية المنتج الوطني وفق قواعد التجارة الدولية وتطوير البنية التحتية وتوفير الطاقة وربط الجامعات ومراكز البحث العلمي بالقطاع الإنتاجي مع منح القطاع الخاص دورًا قياديًا في الاستثمار والابتكار.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن التنمية الصناعية لا تتحقق بالموارد وحدها بل بحسن إدارتها. فالمشكلة ليست في أن العراق يفتقر إلى الإمكانات بل في كيفية توظيفها ضمن سياسات اقتصادية مستقرة ومؤسسات كفوءة قادرة على تنفيذ الخطط وتحقيق النتائج.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والباحثين والرأي العام معًا هل يمكن أن تتحول الصناعة العراقية إلى ركيزة للاقتصاد الوطني إذا نجحت الدولة في إصلاح الإدارة وترسيخ الحوكمة الرشيدة وعزل القرار الاقتصادي عن التجاذبات السياسية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الصناعة بل مستقبل الاقتصاد العراقي بأكمله. فالصناعة ليست مصانع وآلات فحسب بل هي معيار لقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى تنمية مستدامة وقدرتها على بناء اقتصاد منتج يواكب تطلعات الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *