الفساد لغةً/ هو تلف الشيء وعدم إمكانية الاستفادة منه مرة أخرى وفي اللغة الإنكليزية تشير مفردة (CORRUPTION) كذلك الى التغيير من الصالح الى الطالح. ويتخذ الفساد اشكالاً متعددة وهي (الفساد الأخلاقي، الفساد الوظيفي الإداري، الفساد السياسي) وموضوعنا هو الفساد الوظيفي والإداري الذي يتصف بعدد من الخصائص وهي • عدم اقتصار الفعل على شخص واحد معين • اتصاف العمل الفاسد بالسرية • تستر الفاسدين وظيفياً وادارياً بالغطاء الديني والأخلاقي والترويج لهذا الغطاء اعلامياً • التناقض ما بين الادعاء بتطبيق القوانين والضوابط الإدارية والسعي من جانب اخر للحصول على المصلحة الشخصية بشكل غير قانوني أسباب تفشي ظاهرة الفساد بأشكاله المتعددة بين الأمم • ضعف الوازع الأخلاقي • المكسب المادي والايمان بفكرة ان المال مصدر للسلطة وزيادة مستوى الفقر التي تشجع على ممارسة الفساد بصوره المختلفة • استبداد السلطة والاستيلاء على الموارد العامة من قبلها مما يدفع ويشجع الاخرين على الفساد في حال ضعفها او زوالها كما حصل في العراق بعد عام 2003 اذ شهد عمليات نهب للمؤسسات العامة • انتشار بعض القيم الاجتماعية الخاطئة وتفشيها في المجتمع مثل (الما يحوف مو زلمه) • ضعف المؤسسات القانونية وانعدام العقوبات في حال التجاوز على المال العام. فيما تقدم وصف لظاهرة الفساد مع بيان صوره وخصائصه واسبابه؛ اما مفردة التنمية فقد اتخذت اشكالاً ومعاني عدة ففي البدء كانت تشير الى النمو الاقتصادي ثم أصبحت تشير الى النمو الاقتصادي المقرون مع النمو السياسي من خلال اصلاح مؤسسات الدولة ونظامها السياسي لتعرف بالتنمية السياسية بعدها أصبحت التنمية شاملة لتركز على كافة القطاعات ذات التماس المباشر وغير المباشر بالإنسان مثل القطاع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والخدمي وفي صورتها الأخيرة ركزت التنمية على القطاعات أعلاه مع الحفاظ على حق الأجيال القادمة في الموارد الاقتصادية والبشرية لتعرف بالتنمية المستدامة. مكانة العراق في مؤشرات الفساد ولنعد الى بيت القصيد ونبحث عن مكانة العراق في ضوء مؤشرات الفساد سعياً للحصول على التقييم الصحيح لحجم الفساد ومدى تأثيره على التنمية في العراق والتي تصدر أي المؤشرات عن منظمة الشفافية العالمية وهي منظمة دولية غير حكومية مقرها في برلين تقيم حجم الفساد في 182 بلد وفق مجموع نقاط من الصفر شديد الفساد الى 100 شديد النزاهة وفقاً لتقيم عام 2025 حصلت الدنمارك على درجة 89 لتحتل المركز الأول كدولة شديدة النزاهة وكانت درجة العراق 28 واحتل المركز 136 اذ يؤشر على العراق باللون الأحمر دلالة على حجم الفساد المتفشي فيه. ووفقاً لتقيم عام 2024حصلت الدنمارك على درجة 90 من 100 لتحافظ على المركز الأول فيما حصل العراق على درجة 26 ليحتل المركز ال 140. ووفقاً لتقييم عام 2023 حصلت الدنمارك على درجة 90 من 100 لتحافظ كذلك على المركز الأول وحصل العراق على درجة 23 ليحتل المركز 154. ووفقاً لتقييم عام 2020 حصلت الدنمارك على درجة 88 من 100 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 21 ليحتل المركز 160. ووفقاً لتقييم سنة 2015 حصلت الدنمارك على درجة 91 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 16 ليحتل المركز 161. ووفقاً لتقييم 2010 حصلت الدنمارك على درجة 89 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 28 ليحتل المركز 136. من تحليل البيانات أعلاه يتبين ان دولة الدنمارك هي أكثر دولة تتوفر فيها النزاهة وينعدم فيها الفساد ويتبين ان العراق شهد ارتفاعاً حاداً في مؤشرات الفساد مع وجود تحسن طفيف نسبياً في السنوات الأخيرة والذي لا يتناسب مع حجم الفساد المستشري في العراق اذ لابد من اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الظاهرة قبل ان تتحول لواقعة اجتماعية تترسخ في المجتمع العراقي. أمثلة حديثة على حجم الفساد • سرقة القرن: صاحب هذه السرقة هو المدعو نور زهير وبمبلغ اجمالي لوحده دون الشركاء 1،618 ترليون دينار عراقي بما يعادل مليار دولار امريكي وبلغ المبلغ المسترد 365 مليار دينار عراقي قبل مغادرته للبلاد مع العلم يوجد حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة 10 سنوات. اما مجموع المبالغ المسروقة مع الشركاء فبلغت 8 ترليون دينار عراقي بما يعادل 5 مليارات دولار. • قضية عدنان الجميلي: وكيل وزير النفط بلغ اجمالي المبالغ المضبوطة بالدينار العراقي 213 مليار واجمالي المبالغ المضبوطة بعملة الدولار بلغت 24 مليون مع 5 كغم من الذهب لغاية كتابة هذا المقال
- قطاع الكهرباء: بلغ اجمالي المبالغ المهدورة في قطاع الكهرباء منذ عام 2003 من 40-100 مليار دولار امريكي ولا يوجد أي تحسن ملموس في معدل تجهيز الطاقة الكهربائية امثلة ملموسة على حجم الفساد والهدر في قطاع الكهرباء • ضبط مسؤول مخازن في محافظة بغداد اختلس معدات كهربائية بمساعدة أطراف خارجية بقيمة 4،5 مليار دينار • بلغت قيمة المسروقات من مخازن الكهرباء بمحافظة ديالى 2 مليار دينار بمواد لمواد لم يتم إدخالها مخزنياً وبحسب تصريح وزير الكهرباء السابق النائب الحالي في البرلمان زياد علي بلغت الموازنة التشغيلية لوزارة الكهرباء لسنوات 2022-2025 بلغت 48 ترليون دينار خصص منها 22 ترليون لشراء الغاز لتشغيل المحطات بينما العراق يحرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط في الجو. من الأرقام أعلاه يتضح لنا حجم الهدر والسرقات التي حالت دون تحقيق التنمية في قطاع الخدمات فضلاً عن القطاعات الأخرى ويتضح لنا ان العراق يواجه خطراً حقيقاً في الفساد اذ اقترن الفساد الإداري الوظيفي مع الفساد السياسي الذي يتضح في الصرف غير المسؤول على الحملات الانتخابية فضلاً عن عملية شراء الأصوات الحلول: لتخفيض حجم مؤشرات الفساد ينبغي اتباع عدداً من الحلول المقترحة منها • تفعيل وتنشيط الرقابة التدقيقية السابق منها لعملية الصرف واللاحق • ربط اقسام وشعب الرقابة والتدقيق الداخلي ادارياً وفنياً بديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وعدم ربطها بالمسؤول الإداري الأعلى في المؤسسة • إحالة القضايا التي يثبت فيها الفساد الى هيئة النزاهة مباشرة دون الحاجة الى مصادقة الوزير المختص • تفعيل الرقابة البرلمانية على الأجهزة الرقابة وباقي مؤسسات الدولة مع الاستعانة بخبراء متخصصين في حال عدم تمتع أعضاء البرلمان بالمؤهلات اللازمة • تشديد العقوبات القضائية من خلال اصدار احكام مشددة لتكون وازع حقيقي لمنع حدوث وتكرار جرائم سرقات المال العام وجعلها من الجرائم التي تمس الامن الوطني للبلاد • تنمية الواعز الأخلاقي والديني من خلال المؤسسات الدينية والتربوية لتمارس عملية تنشئة اجتماعية وسياسية مسؤولة • تفعيل الحكم الرشيد بأبعاده الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتكز على المشاركة الواعية وشفافية الحصول على المعلومات وإقامة المسؤولية على المقصر مع ضرورة اقترن الحكم الرشيد بالمستوى الثقافي الجيد ان لم يكن عالي من كل ما سبق نستنتج ان العراق عانا لعقود طويلة من تفشي ظاهرة الفساد الامر الذي تسبب بضياع فرص التنمية الحقيقة ومضى على معضلة الكهرباء أكثر من عقدين من الزمان وما زلنا على نفس الحال من ضعف في ساعات التجهيز ان لم يكن اسوء لذلك على الحكومة الحالية التي استبشرنا خيراً من خلال صولة الفجر ان تعقد العزم وتحث الخطأ في سبيل الخروج من مؤشرات الفساد المرتفعة قبل ان يتحول الفساد من ظاهرة اجتماعية الى واقعة تهدد كيان النظام السياسي.


