أسباب التراجع البيئي العراقي

التراجع البيئي العراقي وأبرز أسبابه
قراءة في أبرز أسباب تراجع الواقع البيئي العراقي، من الاحتباس الحراري والموقع الجغرافي إلى الحروب والوقود الأحفوري وشح المياه...

التراجع البيئي العراقي وأسباب تفاقمه

في مقالات سابقة، تحدثنا عن الواقع البيئي العراقي وما يعانيه من تراجع أدى إلى تصنيف العراق كخامس دولة هشة عالمياً في مواجهة التغييرات المناخية.

كما تحدثنا عن آثار هذا التراجع، وأبرز انعكاساته البيئية والصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا المقال سنبين الأسباب التي أدت إلى التراجع البيئي العراقي، على أن نتحدث عن أبرز المعالجات الحكومية المنفذة لتحسين الواقع البيئي والحلول المقترحة في مقال لاحق، إن شاء الله.

ولأن لكل حدث أو ظاهرة معينة، سواء كانت سلبية أو إيجابية، أسباباً لحدوث هذا الحدث أو تلك الظاهرة، فلا بد من البحث عن الأسباب لكي تكون الحلول ناجعة.

ويزداد هذا الأمر أهمية في الأحداث والظواهر السلبية.

وعادة ما يُعزى التراجع البيئي العراقي إلى الأسباب التالية:

أولاً: الاحتباس الحراري

الاحتباس الحراري ظاهرة حدثت بسبب كثرة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وما ينجم عنه من زيادة في انبعاث الغازات الدفيئة، مثل غاز ثاني أوكسيد الكاربون، والميثان، وأكاسيد النتروجين، وأكاسيد الكلور فلور كاربون.

وترجع أسباب زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى الثورة الصناعية، وحمى التنافس الصناعي بين الدول الكبرى صناعياً.

وتتسبب الغازات الدفيئة المشار إليها سابقاً بانعكاس حرارة الأرض، فبعد أن يبدأ سطح الكرة الأرضية بإشعاع ما اكتسبه من حرارة صباحاً، تسبب الغازات الدفيئة، ولا سيما غاز ثاني أوكسيد الكاربون، انعكاس الحرارة وعودتها مجدداً إلى سطح الكرة الأرضية.

وهذا ما يتسبب بارتفاع درجات الحرارة وما ينجم عنه من تداعيات، إذ تعمل جزيئات هذا الغاز عمل المرآة العاكسة.

ثانياً: الموقع الجغرافي للعراق

يقع العراق ضمن دائرة خطوط عرض 29 -37 درجة، وخطوط طول 38-48 درجة شرق خط غرينتش.

وهذا يعني أن العراق يقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة، التي تعاني من قلة معدلات التساقطات المطرية.

وبسبب هذا الموقع، تكون الشمس عمودية خلال فصل الصيف، ويبلغ معدل السطوع اليومي للشمس ساعات يومياً، مما يعني أن العراق من الدول ذات الميزان الإشعاعي الشمسي الموجب.

وهذا كله يعني زيادة في درجات الحرارة المقرونة بالجفاف.

ثالثاً: زيادة التفاعلات الشمسية

بعض الأسباب هي أسباب عامة تؤثر على الكرة الأرضية بشكل عام، وبصفة العراق جزءاً من الكرة الأرضية فهو يتأثر بها تباعاً.

والتفاعلات الشمسية هي عبارة عن تفاعلات كهرومغناطيسية تحدث في مجال الطاقة الشمسية، وتكون على شكل بقع في سطح الشمس تعرف بالبقع الشمسية.

هذه البقع هي إحدى مسببات الاحترار العالمي الذي زادت وتيرته خلال العقود الأخيرة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق من دول الميزان الإشعاعي الشمسي الموجب، فتكون حصته من التفاعلات الشمسية أكثر.

رابعاً: ظاهرة النينو

تعني ظاهرة النينو ارتفاع درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادي.

وبالرغم من أن هذه الظاهرة تحدث بعيداً، إلا أن لها تأثيراً على دول العالم جميعاً، فتؤدي إلى فيضانات أو جفاف، ولا سيما في دول منطقة الشرق الأوسط.

فعلاقة ظاهرة النينو مع معدل التساقطات المطرية هي علاقة عكسية في دول تلك المنطقة.

فعندما تكون ظاهرة النينو قوية، تكون معدلات الأمطار قليلة، مما ينذر بحدوث الجفاف.

فكل موسم مطري تحدث فيه ظاهرة النينو تتناقص معدلات التساقط بمقدار (1،3) ملم في العراق.

خامساً: معدلات النمو السكاني وأثرها في التراجع البيئي العراقي

يعد العراق من الدول ذات النمو السكاني المرتفع.

ووفقاً لإحصاء عام 2025، بلغ مجموع سكان العراق (46,118,000)، بضمنهم الأجانب.

وإذا استثنينا الأجانب، يصبح المجموع بحدود الـ(45,000,000).

وقد أظهرت الدراسات الديموغرافية أن معدل الارتفاع السنوي هو مليون، فمن المتوقع أن يبلغ مجموع سكان العراق مع نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قرابة الـ(50,000,000).

وهذه الزيادة السكانية المطردة لا يقابلها زيادة في حجم الموارد، ولا سيما الموارد البيئية.

بل إن الزيادة في حجم السكان رافقتها مظاهر سلبية، مثل قطع الأشجار وزيادة حجم النفايات بمختلف أشكالها.

فضلاً عن أن الإنسان هو منتج طبيعي لغاز ثاني أوكسيد الكاربون، وأن قطع الأشجار لاستغلال المساحات للسكن يتسبب في نقص معدلات الأوكسجين في الجو، الذي ينتج من قبل الأشجار خلال عملية التمثيل الضوئي.

وبذلك تكون المشكلة ذات أثر مزدوج.

فالإنسان منتج طبيعي لغاز ثاني أوكسيد الكاربون، وهذا أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو التسبب بزيادة معدلاته من خلال قطع الأشجار.

سادساً: كثرة الاعتماد على الوقود الأحفوري

يصنف العراق من الدول عالية الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ومن المعلوم أن هذا الوقود تنتج عنه الغازات الدفيئة، التي تسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وما ينجم عنها من تداعيات تهدد الأمن البيئي للمواطن العراقي.

فالوقود الأحفوري في العراق يعتمد عليه في محطات توليد الطاقة ومولدات الطاقة الكهربائية الأهلية.

كذلك يعتمد عليه في تشغيل العجلات بمختلف أنواعها، والتي تضاعف عددها خلال السنوات السابقة. كما يعتمد على الوقود الأحفوري في معامل الطابوق.

وبرزت مؤخراً ورش لصهر المعادن، بما يعرف بـ(الكور)، تعمل في الخفاء وفي ساعات الليل، وتعد من أكبر الملوثات البيئية، ولا سيما في محافظة بغداد. وقد نجم عنها زيادة في حالات الاختناق. فمن منا لم يشاهد السحابة الرمادية التي تحيط ببغداد، ولا سيما في فصل الصيف، والتي تكون مشبعة بغاز ثاني أوكسيد الكاربون؟

سابعاً: الحروب

تعد الحروب من المسببات الرئيسية لتراجع الواقع البيئي العراقي، وقد عانى المجتمع العراقي من كثرتها ومن تداعياتها.

فالحروب هي قطعاً سبب رئيسي للتلوث، نتيجة لاستخدام القنابل والصواريخ، وما ينجم عنها من تصاعد الغبار الذي يبقى عالقاً.

كذلك تسبب الحروب انبعاث عدد من الغازات الضارة، مثل الكاربون والكبريت، فضلاً عن الضرر الذي تحدثه في المساحات الخضراء.

فنتيجة للحرب العراقية الإيرانية، تراجعت المساحات الخضراء، ولا سيما في المناطق الحدودية، نتيجة للقصف المتبادل.

وأصبحت أرض منطقة الفاو في محافظة البصرة أرضاً جرداء بلا غطاء نباتي.

وكذلك تم حرق آبار النفط أثناء الانسحاب العراقي من الكويت في حرب (1991)، وما نجم عنه من سحب غطت سماء المنطقة مسببة لتساقط الأمطار الحامضية.

كما استخدم الفسفور الأبيض أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، ثم جاء ما يعرف بشتاء داعش، عندما أقدم التنظيم الإرهابي على إشعال آبار النفط في محافظة الموصل والمناطق المجاورة لها.

إذ تذكر التقارير أن الرماد الدخاني غطى السماء والأرض، وحجب ضوء الشمس بشكل جزئي.

ثامناً: انخفاض معدل الإطلاقات المائية

أثر الانخفاض المطرد في معدل الإطلاقات المائية من دول الجوار، بسبب قيام الأخيرة ببناء السدود، بشكل سلبي على الواقع البيئي العراقي.

وقد تسبب ذلك بانخفاض مساحة الأراضي الزراعية، ومن ثم تعرضها إلى الجفاف والتصحر.

إذ يبلغ مجمل مساحة الأراضي الزراعية في العراق، التي تعتمد على الري السطحي، قرابة (22,230,000) دونم.

وقد انخفضت هذه المساحة عام 2017 إلى (12,650,000) دونم، أي إن العراق خسر قرابة نصف مساحة أراضيه الزراعية.

معالجة أسباب التراجع البيئي العراقي

كانت هذه أبرز الأسباب التي أدت إلى تراجع الواقع البيئي العراقي.

ولا بد من معالجتها لكي تكون الحلول ناجعة، ولا سيما الأسباب ذات البعد الإنساني، مثل كثرة الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومعدل إطلاقات المياه من دول الجوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *