في حضرة نخبوي مسيحي، تجاوزت حكمته الثمانين خريفاً، انفتح انجيل المكاشفة.
بدأ حديثه بابتسامةٍ تحمل ثِقل السنين: “يا ناجي، من يصدق أن قلمك الشيعي هو من خطَّ تلك التراتيل الروحية عن القديس شربل؟ تماماً كما ذُهل العالم قديماً بـ ‘عليّ’ الذي كتبه جورج جرداق المسيحي.
الحقيقة أن جرداق لم يتنصّل من مسيحيته، وأنت لم تبرح شيعيتك، بل إنكما التقيتما في ‘نقطة الارتكاز اللبنانية’؛ حيث الإنسان هو المعيار، والروح هي المبتدأ والخبر”.
لقد كان قدَرُنا في هذا الشرق أن نكون فسيفساء من طوائف وأمم، لكننا ننتمي جميعاً إلى “وحدة الوجود اللبنانية”؛ ذات التراب والماء، وذات السماء.
حدّثني عن تحولات التاريخ بمرارةٍ هادئة: “قبل قرون، كانت هذه البلاد تدين بالمسيحية، ومع اجتياح التحولات الكبرى، تقلّص الوجود المسيحي عددياً، لكنه لم يندثر روحياً. هل كان المسيحيون خونةً أو جبناء تنازلوا عن دينهم ومدنهم حين تبدلت معالم الشرق؟ أبداً.
بل هي تعاليمنا التي ترفض منطق الدم؛ نحن شعبٌ يؤمن بـ ‘فلسفة السلام’ وحوار ‘الآخر’ إلى آخر المدى. ان انتشار المسيحية في العالم كما بقاءنا طوال أربعة عشر قرناً لم يكن بسطوة السيف، بل بصلابة الروح التي ترفض الفناء في صراعات المادة”.
حين ندعو إلى “الحياد”، نحن لا نبتدعُ فكراً هجيناً، بل ننسجمُ مع أنطولوجيا وجودنا. حتى لو استحال لبنانُ كنيسةً كبرى واحتلت “إسرائيل” جزءاً منه، فلن نتبنى “لاهوت الحرب”.
ليس لأننا نتنازل عن قبور أسلافنا أو تاريخ كنائسنا، بل لأننا نؤمن أن “الإنسان أقدس من الأرض”. إننا نقاتلُ بالسياسة، بالدبلوماسية، وبكل سبل الضغط الكوني لنسترد الحق، لكننا نرفض أن نجعل من أبنائنا وقوداً لمحارق لا تنتهي.
نحن الآباء قد نقاتل دفاعاً عن “حق أبنائنا في الحياة”، لا دفاعاً عن “حفنة تراب” تخلو من نبضهم. لا شيء في هذا العالم يستحق الموت لأجله، طالما أن الغاية القصوى من الوجود هي “الحياة”.
وفي لحظة صدقٍ جارحة، كشف لي عن “سر الوجع المسيحي”: “لا تصدق أن الأزمة الاقتصادية هي السبب الحقيقي لهجرة أولادنا كما يُشاع؛ فما أجمل الفقر إن جلسنا جميعاً على طاولة لا نملك إلا الخبز والخل! لكن الخوفَ على مصيرهم هو ما جعلنا ندفعهم دفعاً نحو المنافي.
لقد ضحينا بوجودهم قربنا لكي نضمن بقاءهم في الحياة. نفضل أن يقتلنا الشوق إليهم وهم ناجحون ومحميّون في أقاصي الأرض، على أن نفقدهم تحت ركام الحروب.
نحن نعيش ‘موتاً معنوياً’ في بيوتنا الصامتة، نشتهي لقمة طعام نتشاركها معهم، نشتاق الى طلتهم، لكننا رضينا بهذا ‘الصلب النفسي’ لنفتديهم من غدٍ لبنانيٍّ غامض لا يقدم سوى الدمار”، لذلك نبحث عن الاستقرار ليعودوا الينا وتعود الحياة معهم.
يكمل كلامه في الواقع السياسي والروحي بعينٍ ناقدة وصارمة: “كيف يطالبني الزعيم أن أرسل ولدي للموت، بينما أبناؤه يرفلون في نعيم الحياة المترفة؟ إن الزعيم الذي لا يتقدم أتباعه في المعارك بينما يتزعمهم في السلم، ولا يشاركهم مكابدات عيشهم، ليس سوى شيطانٍ مريد، ومن يتبعه بلا وعي يكون شريكاً له في الغواية، ونحن نرفض ان نكون اغبياء تنطلي علينا الكلمات التي ترسلنا للموت.
وكيف أستمع لكاهنٍ يرتدي أفخر الثياب وهو يحدثني عن الزهد والصبر؟ المسيحية لم تنتشر بالتيجان والفتوحات، بل بصليب يسوع الذي ضحى بنفسه من أجل الإنسان. إن لم يكن القائد أو الكاهن هما في طليعة المضحين، فهو لا يمثلني ولا ينطق باسمي”.
نحن في لبنان نعيش “الوجود القلِق”. نقلقُ من رحيل الشريك الشيعي، ونقلقُ من أطماع “إسرائيل” التاريخية التي تتربص بنا منذ لحظة “الصلب”، ونقلقُ من الهيمنة السورية التي لا تعترف بكياننا. لقد صار “القلق” مكوّناً أساسياً في هويتنا الجينية.
اليوم، لا يوجد مسيحيٌّ واحد إلا ويرفض التوغل السوري، كما يرفض الاحتلال الإسرائيلي؛ لأننا ندرك تماماً أن وجود أحدهما هو “الذريعة” الدائمة لوجود الآخر، ونحن الضحية الكبرى في المعادلتين.
ختم حديثه باختصار: “نحن مسيحيي لبنان، لسنا مجرد أقلية، بل نحن ‘رئة الروح’ للمسيحيين في كل المشرق. وجودنا هو الذي يصنع صدىً حيّاً في هذه الأرض. وفي المقابل، هناك شيعة جبل عامل؛ إنهم ليسوا مجرد عدد، بل هم ‘روح الحسين’ المتجسدة في هذا الكيان. السر ليس في الطائفة بحد ذاتها، بل في ‘القدر اللبناني’ الذي جعل من كل طائفة هنا نقطة ارتكازٍ كونية لإيمانها”.
نحن اللبنانيين، لسنا مجرد سكان بلدٍ صغير؛ نحن “روح الحياة” في هذا المشرق المتعب، وبقيةُ السلام وقيمةُ “العيش الواحد” التي يحتاجها العالم لكي يظلَّ إنسانياً.


