ايها المنظمون: الإمام الصدر في جبيل: في الوحدة أيضًا أصولٌ وآداب

ايها المنظمون الإمام الصدر في جبيل في الوحدة أيضًا أصولٌ وآداب
يؤكد النص أن إحياء ذكرى الإمام موسى الصدر في جبيل ينبغي أن يجسد أخلاق الحوار والوحدة واحترام أهل المكان، محذراً من تحويل المناسبة إلى فعالية تتجاوز المجتمع المحلي، ومشدداً على أن إرث الصدر يقوم على الشراكة والاحترام...

حتماً، إن ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر ليست ذكرى عابرة، ولا مناسبة تخص الطائفة الشيعية وحدها. فالرجل الذي غاب جسداً، بقي حاضراً في وجدان اللبنانيين، لأنه لم يكن إماماً للشيعة فحسب، بل كان جسراً حقيقياً بين المسلمين والمسيحيين، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الطوائف والوطن.

ولعلّ ما جعل الإمام الصدر متفرداً في تجربته، هو ذلك الحضور الكبير في قلب الكنيسة المارونية، وتلك العلاقة التي تجاوزت المجاملات والبروتوكولات إلى مستوى من المحبة والثقة قلّما عرفه لبنان.

حتى إن البعض يقول إن من نقاط قوة العلاقة بين الكنيسة المارونية والشيعة في لبنان، تلك الأخلاقيات التي جسّدها الإمام الصدر، والتي جعلت المسيحي يرى في رجل الدين المسلم شريكاً في الوطن، لا خصماً في السياسة، وجعلت المسلم يرى في المسيحي شريكاً في المصير، لا مجرد مكوّن طائفي آخر.

ولهذا تحديداً، فإن ذكرى الإمام الصدر تستحق أن تُصان من كل ما يمكن أن يحوّلها إلى مناسبة سياسية أو انتخابية أو مناطقية.

ولست هنا في وارد الاعتراض على إحياء الذكرى، ولا على الحديث عن الإمام الصدر في جبيل. بل على العكس، أرى أن جبيل، بتاريخها وتنوعها ورسالتها، قادرة على أن تحتضن ذكرى رجل كان من أبرز دعاة العيش المشترك في لبنان.

لكن هناك مسألة أخرى لا يمكنني تجاهلها.

لقد وصلني خبر المناسبة، ووصلتني الدعوة إليها عبر صديق، لا من الجهة المنظمة مباشرة.

وقد أكون، بالنسبة إلى البعض، تفصيلاً صغيراً لا يستحق التوقف عنده. لكنني لا أراه كذلك.

فأنا لا أتحدث عن شخصي هنا بقدر ما أتحدث عن مبدأ.

جبيل ليست مدينة بلا أهل، وليست مساحة عامة يمكن لأي جهة أن تدخل إليها وتقرر وحدها كيف ومتى وأين تقيم مناسبة، أياً كان عنوانها وأياً كان صاحب الذكرى.

من يريد أن يأتي إلى جبيل، أهلاً وسهلاً به.

ومن يريد أن يحتفل بالإمام موسى الصدر في جبيل، فأهلاً بالذكرى وبكل من يحملها بمحبة.

لكن من يريد أن يتحدث باسم الوحدة، عليه أولاً أن يعرف أصول الوحدة.

والوحدة لا تبدأ من المنصة، بل من الباب.

ومن يريد أن يجمع الناس، عليه أن يدخل البيوت من أبوابها، وأن يعرف أهل المكان، وأن يحترم خصوصية المدينة وأهلها، وأن يدرك أن الدعوة ليست مجرد ورقة تُرسل، بل هي رسالة احترام.

ولذلك، لن أقول: «غير مرحب بذكرى الإمام الصدر في جبيل».

هذا ليس موقفي، ولن يكون.

بل أقول العكس تماماً: مرحباً بذكرى الإمام الصدر، ومرحباً بكل دعوة صادقة إلى الحوار والوحدة والعيش المشترك.

لكنني أقول أيضاً إن الطريقة التي أُديرت بها هذه المناسبة، في رأيي، لم تكن موفقة.

بل أعتقد أن المنظمين أخطأوا، وبقوة، في تقدير خصوصية المكان.

فجبيل ليست مجرد موقع جغرافي يوضع اسمه على بطاقة دعوة. جبيل ذاكرة وبيوت وكنائس ومساجد وعائلات وفعاليات وناس لهم تاريخهم وحضورهم، ولا يجوز أن يتحول احترامهم إلى تفصيل هامشي في مناسبة عنوانها أساساً الحوار والسلام الأهلي.

والأهم من ذلك كله، أن الإمام الصدر نفسه، لو كان بيننا اليوم، هل كان سيرضى بأن تتحول مناسبة باسمه إلى مساحة يشعر فيها أحد أبناء المدينة بأنه تم تجاوزه؟

لا أظن.

فالرجل الذي علّمنا أن الإنسان أكبر من الطائفة، وأن الوطن أوسع من الزعيم، وأن الحوار ليس صورة تذكارية ولا منصة خطابات، كان سيعرف أن أول شروط الحوار هو احترام الآخر.

ثم إنني أعتقد أن هناك مفارقة تستحق التوقف.

عندما نريد أن نستعيد تجربة الإمام الصدر أمام المسيحيين، علينا ألا نستعيدها بالشعارات فقط.

الإمام الصدر لم يكن زعيماً وراثياً، ولا متزعماً يبحث عن موقع، ولا صاحب مشروع لتوريث نفوذ سياسي. كان صاحب حضور أخلاقي وفكري وإنساني، ولذلك استطاع أن يدخل إلى قلوب المسيحيين قبل أن يدخل إلى قاعات المؤتمرات.

وهنا تكمن عظمة الرجل.

أن تكون قريباً من المسيحيين لا يعني أن تتحدث باسمهم، وأن تدعو إلى الوحدة لا يعني أن تتجاوز أبناء المكان الذي تقام فيه المناسبة.

الوحدة ليست استعراضاً.

والوطنية ليست عنواناً على ملصق.

والحوار ليس حفلاً بروتوكولياً.

الحوار الحقيقي يبدأ عندما يشعر الآخر أن وجوده محترم، وأن رأيه مسموع، وأن بيته ليس مجرد مسرح لمناسبة يأتي إليها الآخرون ثم يغادرون.

لهذا كله، لن أشارك في هذه الذكرى.

ليس رفضاً للإمام الصدر.

وليس رفضاً لجبيل.

وليس رفضاً للحوار بين اللبنانيين.

بل لأنني أرفض أن يصبح الحديث عن الحوار نفسه سبباً لتجاوز الناس الذين يُفترض أن يكونوا جزءاً منه.

وربما كان من الأفضل أن تُقام هذه المناسبة في البقاع أو الجنوب، حيث للمنظمين حضورهم وبيئتهم ومساحتهم الطبيعية، أو أن يتم التواصل مسبقاً مع أبناء جبيل وفعالياتها وأهلها، فيكون حضور الإمام الصدر في المدينة مناسبة جامعة بالفعل، لا مناسبة يشعر فيها بعض أهلها بأنهم كانوا آخر من يعلم.

هذه ليست معركة.

ولا أريد تحويلها إلى سجال.

ولست معنياً بالدخول في تفاصيل أخرى.

لكنني أردت أن أقول كلمتي بوضوح، لأن الصمت في بعض الأحيان يُفهم على أنه قبول.

مرحباً بالإمام موسى الصدر في جبيل، دائماً.

أما من يريد أن يحمل رسالته، فعليه أن يحمل معها أخلاقها.

ومن يريد أن يدعو إلى الوحدة، فليبدأ باحترام أهل المكان.

ومن يريد أن يتحدث عن الحوار، فليعرف أن الحوار ليس فقط أن نجلس معاً على منصة واحدة، بل أن نعرف كيف نصل إلى بعضنا البعض من دون أن نتجاوز أحداً.

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *