في مقال سابق بينا إثر التراجع في الواقع البيئي العراقي وانعكاسه على الجانب الصحي والتعليمي ونبين في هذا المقال الاثار الاجتماعية والاقتصادية للتراجع البيئي اذ يأتي في مقدمتها *انعدام الامن البيئي: مؤشرات الامن البيئي في العراق دائماً في خطر اذ احتل العراق المرتبة الأخيرة في مؤشر التغيير المناخي وهو مؤشر يصدر عن المركز العالمي لبحوث علم الأرض ومعلوماتها تابع لجامعة كولومبيا ويقيم هذا المركز الواقع البيئي في (180) دولة، اذ شهد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ارتفاعاً في معدل الغازات الدفيئة بسبب سقوط عدد من المحافظات العراقية بيد تنظيم داعش الإرهابي وعملية التحرر منه وما نجم عن ذلك من عمليات عسكرية وانفجارات مسببة ارتفاع نسب تلوث الهواء في العراق اذ تبلغ نسبة تلوث الهواء في العراق( 80،1) ميكروغرام لكل متر مكعب في حين تبلغ النسبة المقررة لجودة الهواء (5) ميكروغرام لكل متر مكعب وبذلك يحتل العراق المرتبة الثانية عالمياً كأعلى دولة في نسب تلوث الهواء؛ تبين لنا النسبة أعلاه ان الامن البيئي في العراق منعدم وذو تأثير سلبي على مجمل الامن الإنساني. * التصحر والجفاف: يعد الجفاف والتصحر من أبرز اثار التراجع البيئي في العراق والذي حدث لأسباب عدة منها ارتفاع درجات الحرارة بسبب موقع العراق الجغرافي وبسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وقلة الاطلاقات المائية من دول الجوار اذ بلغ معدل الانخفاض في الاطلاقات أكثر من النصف مع الاخذ بعين الاعتبار قلة التساقطات المطرية وتذبذبها خلال العقود الأخير، تضافرت هذه الأسباب لتسبب زيادة مساحة الأراضي التي تعاني من الجفاف ومن ثم التصحر وبحسب التقارير تبلغ نسبة الأراضي الصحراوية في العراق 41،89% بمعنى ان العراق خسر أكثر من ثلث مساحة الأراضي الزراعية *التأثير السلبي على الامن الاقتصادي: من تداعيات تراجع الواقع البيئي العراقي هو التأثير السلبي على الواقع الاقتصادي العراقي بسبب التوقف عن زراعة محاصيل معينة لاسيما تلك التي تطلب كميات كبيرة من المياه ومن ثم أمسى الاقتصاد العراقي يعتمد على شراء أنواع من المنتوجات الزراعية من باقي الدول مثل الرز على سبيل المثال وهذا الامر إثر سلباً من خلال اتجاهين الأول الاعتماد على باقي الدول في سبيل سد الحاجات المحلية مما يؤدي الى ضعف اعتمادية الاقتصاد العراقي وربطه بمتغيرات السياسة الدولية لاسيما ونحن نعيش عصر الازمات المتكررة التي تهدد بها الدول المتصارعة بأغلاق المنافذ البحرية والجوية وكذلك فقدان العملة الصعبة اما الاتجاه الثاني فيتمثل بفقدان الفلاح لفرص العمل وتركه لأرضه مما يقودنا الى الأثر التالي * التأثير السلبي على الاستقرار الاجتماعي: بسبب حالة البطالة الجبرية التي عانى منها الفلاح اضطر الى ترك أرضه والهجرة باتجاه المدينة وفق ظاهرة تعرف بالهجرة البيئية باحثاً عن فرصة عمل وسط حالة البطالة الحقيقية او المقنعة التي تعاني منها اغلب القوى العاملة المنتجة في المدينة ومن ثم عانت المدن المستقبلة من ارتفاع في نسب الجريمة بسبب البطالة وبسبب الهجرة البيئية فضلاً عن الضغط السكاني على خدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي لينتج عن هذا كله حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي. وبالمجمل يمكن القول ان انعدام الامن البيئي والتأثير السلبي على الامن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي نتج عنه حالة من عدم الاستقرار السياسي وحدث هذا كله بسبب التراجع في الواقع البيئي العراقي ولحالة عدم الاستقرار السياسي تداعيات على مجمل النظام السياسي مالم يتم تدارك هذا التراجع *التأثير السلبي على التنوع الاحيائي: إثر التراجع في الواقع البيئي على مجمل التنوع الاحيائي في دول العالم ولاسيما العراق بصفته مصنف كخامس دولة عالمياً هشة امام التغييرات المناخية السلبية اذ امست معدلات الانقراض أسرع بمئة مرة عما سبق وفقد التنوع الاحيائي في العراق أنواع من الحيوانات بشكل نهائي تماماً مثل الأسود الاسيوية وحيوان ثعلب الماء او كما يسمى باللهجة العامية العراقية جليب الماء والحمار البري وبرز إثر التراجع البيئي بشكل خاص في المناطق الجنوبية من العراق لاسيما مناطق الاهوار اذ تراجعت أنواع الثروة السمكية من (32) نوع الى (23) نوع وتراجع التنوع الاحيائي النباتي من (3711) الى (104) نوع وتضررت اعداد الجاموس بشكل كبير بسبب انخفاض مناسيب المياه في الاهوار وجفاف بعض المناطق لتنخفض من (8000) راس الى (5000) راس على هدىً مما سبق يتبين ان التراجع البيئي العراقي كانت لها اثار متعددة الابعاد والاتجاهات فلا جرم ان يمسي هذا التراجع من أبرز مهددات الامن الإنساني للمواطن العراقي بعدما هدد امنه المائي والغذائي والشخصي بل يمكن الجزم ان التراجع البيئي بات مهدداً للنظام السياسي من خلال تأثيره على الاستقرار السياسي والاجتماعي.


