الخلاصة التنفيذية
- اعتماد استراتيجية تفاوضية متكاملة تربط ملفات التجارة والمياه والطاقة وطريق التنمية والاستثمار ضمن حزمة واحدة لتعزيز الموقف التفاوضي العراقي بدلاً من إدارة كل ملف بصورة منفصلة.
- تعظيم المكاسب الاقتصادية المشتركة عبر جعل مشروع طريق التنمية الخيار اللوجستي الأكثر جدوى لتركيا، وربط الامتيازات التجارية والاستثمارية بمستوى التعاون في الملفات ذات الأولوية للعراق.
- تنويع الشركاء التجاريين وإدارة المخاطر من خلال تطبيق سياسات تدريجية لتنويع الاستيرادات واستخدام أدوات جمركية وغير جمركية تتوافق مع متطلبات الأمن الاقتصادي وقواعد التجارة الدولية.
- تحقيق توازن أكبر في العلاقات الاقتصادية بما يسهم في تقليص الاعتماد الأحادي، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وزيادة قدرة العراق على حماية مصالحه الوطنية دون الإضرار باستمرار التعاون الاقتصادي مع تركيا.
مدخل عام
تمثل العلاقات الاقتصادية بين العراق وتركيا إحدى أهم العلاقات الاقتصادية في المنطقة نظراً لتداخل المصالح التجارية والاستثمارية والطاقوية واللوجستية بين البلدين. إلا أن تعظيم المكاسب الوطنية يتطلب الانتقال من إدارة الملفات بصورة منفصلة إلى تبني استراتيجية تفاوضية متكاملة تربط بين التجارة والمياه والطاقة والنقل والاستثمار، بما يعزز القدرة التفاوضية للعراق ويحول الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى شراكة أكثر توازناً واستدامة. ويقدم هذا التقرير رؤية عملية لتحقيق هذا الهدف من خلال توظيف الأدوات الاقتصادية بما يخدم الأمن الاقتصادي العراقي.
أولا : التبادل التجاري للمدة (2022 لغاية تموز 2026)
تُعد العلاقات الاقتصادية بين العراق وتركيا من أكثر العلاقات تشابكاً في منطقة الشرق الأوسط، إذ تجمع البلدين حدود برية تمتد لنحو 367 كم، ويُعد منفذ إبراهيم الخليل الشريان التجاري الرئيس الذي تمر عبره غالبية حركة البضائع بين البلدين، إلى جانب خط أنابيب النفط العراقي–التركي الممتد إلى ميناء جيهان. وقد تطورت هذه العلاقات بصورة ملحوظة خلال العقد الأخير، حتى أصبح العراق أحد أكبر خمسة أسواق للصادرات التركية، بينما تمثل تركيا ثالث أو رابع أكبر شريك تجاري للعراق بحسب السنة والمنهجية الإحصائية المعتمدة.
وخلال المدة 2022–2025، تراوح حجم التبادل التجاري بين البلدين بين 16–18 مليار دولار سنوياً، مع ميل واضح لصالح تركيا، إذ تستحوذ الصادرات التركية على ما بين 73–78% من إجمالي التجارة الثنائية، مقابل 22–27% فقط للصادرات العراقية التي تتركز بصورة شبه كاملة في النفط الخام. وفي عام 2025 بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 16.8 مليار دولار، منها 12.4 مليار دولار صادرات تركية إلى العراق و4.4 مليارات دولار استيرادات تركية من العراق، أي بعجز تجاري عراقي يقارب 8 مليارات دولار.
كما تشير البيانات الرسمية التركية إلى أن العراق استحوذ في عام 2025 على ما يقارب 4.6% من إجمالي الصادرات التركية، ليحتل المرتبة الخامسة بين أكبر الأسواق المستوردة من تركيا، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للسوق العراقية بالنسبة للاقتصاد التركي.
الجدول (1) تطور التجارة الثنائية العراقية–التركية (2022–2025)
| السنة | الصادرات التركية إلى العراق (مليار دولار) | الاستيرادات التركية من العراق (مليار دولار) | إجمالي التبادل التجاري | الميزان التجاري لصالح تركيا |
| 2022 | 13.75 | 3.3 | 17.0 | +10.4 |
| 2023 | 12.76 | 3.8 | 16.6 | +9.0 |
| 2024 | 13.03 | 4.0 | 17.0 | +9.0 |
| 2025 | 12.40 | 4.40 | 16.80 | +8.0 |
المصدر: وزارة التجارة ووزارة الخارجية التركية وإحصاءات التجارة الخارجية الرسمية.
أما من حيث التركيب السلعي، فإن الاستيرادات العراقية من تركيا تتميز بدرجة عالية من التنوع، إذ تشمل المنتجات الغذائية، والمواد الإنشائية، والحديد والصلب، والآلات والمعدات الكهربائية، والأجهزة المنزلية، والمنسوجات، والملابس، والأثاث، والمواد البلاستيكية، والمنتجات الكيمياوية، في حين تتركز الصادرات العراقية إلى تركيا في النفط الخام ومشتقاته بنسبة تفوق (90%) من إجمالي الصادرات العراقية إلى تركيا، مع مساهمة محدودة لبعض المعادن والمنتجات الزراعية. ويكشف هذا التركيب عن وجود اعتماد متبادل غير متكافئ؛ فالعراق يعتمد على تركيا في توفير نسبة كبيرة من احتياجاته الاستهلاكية والصناعية، بينما تعتمد تركيا على العراق بوصفه سوقاً رئيسة لتصريف منتجاتها الصناعية أكثر من اعتمادها عليه كمصدر للاستيرادات.
الجدول (2) أهم مكونات التجارة السلعية بين العراق وتركيا (لعام 2025)
| صادرات تركيا إلى العراق | نسبتها | صادرات العراق إلى تركيا | نسبتها |
| مواد غذائية وزراعية | 18% | النفط الخام | 90% |
| الحديد والصلب ومواد البناء | 15% | مشتقات نفطية | 5% |
| الآلات والمعدات | 14% | معادن ومواد أولية | 4% |
| المنسوجات والملابس | 13% | منتجات أخرى | 1% |
| البلاستيك والكيماويات والأثاث والأجهزة | 40% | — | — |
وخلال النصف الأول من عام 2026 تأثرت العلاقات التجارية بعدة متغيرات، أبرزها استمرار المفاوضات الخاصة بتصدير النفط عبر ميناء جيهان، والتطورات الإقليمية التي دفعت العراق إلى البحث عن مسارات تصدير بديلة، فضلاً عن تراجع الصادرات التركية إلى العراق خلال الشهرين الأولين من العام بنحو 17% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، قبل أن تؤكد الحكومتان استهداف رفع حجم التجارة الثنائية إلى 30 مليار دولار في السنوات المقبلة من خلال مشروع طريق التنمية، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار.
إذا نظرنا إلى الموضوع بمنظور الاقتصاد السياسي والتفاوض الاستراتيجي، (ولاسيما توجد زيارة رسمية لرئيس مجلس الوزراء العراقي الى تركيا) فإن العراق يمتلك أوراق قوة حقيقية تجاه تركيا، لكنها لم تُستخدم حتى الآن ضمن حزمة تفاوضية متكاملة (Negotiation Package)، بل جرى التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة (المياه، النفط، التجارة، النقل، الاستثمار)، بينما تحقق تركيا مكاسبها عادةً عبر ربط جميع الملفات معاً.
كما توجد طريقين لا ثالث لهما لتحديد مسار العلاقات التجارية مع تركيا وإمكانية الاستفادة الاقتصادية للعراق وتحويل العجز في التبادل التجاري الى منفعة اقتصادية شاملة ، فالطريق الأول يأخذ بنظر الاعتبار الدبلوماسية الاقتصادية والطريق الثاني يأخذ مسار سياسة المعاملة بالمثل.
ثانيا : الدبلوماسية الاقتصادية
اذ لا ينبغي أن يكون هدف العراق مواجهة تركيا، بل رفع تكلفة عدم التعاون معها، وفي الوقت نفسه زيادة العائد الاقتصادي من التعاون إذا استجابت للمطالب العراقية ، وذلك وفقا لما يأتي:-
1- تحويل مشروع طريق التنمية إلى المشروع الإقليمي الأول
التحدي الرئيس لطريق التنمية والاقتصاد العراقي ككل هو وجود مشاريع لوجستية منافسة في المنطقة يمكن أن تستقطب جزءاً من حركة التجارة. مثل مذكرة التفاهم بين السعودية وتركيا والذي يعني انشاء ممر بديل مكتمل يحل محل طريق التنمية عن طريق ربط السعودية بتركيا بخط سكك حديد ومرور الخط بالأردن وسوريا وتركيا ومن ثم الى اوربا ، لذلك ينبغي أن يقنع العراق تركيا بأن طريق التنمية العراقي يوفر لها عائداً اقتصادياً واستراتيجياً أعلى.
ويمكن للعراق أن يعرض على تركيا:
- منح الشركات التركية أولوية في تنفيذ أجزاء من المشروع.
- تخصيص مناطق صناعية تركية داخل العراق.
- ربط شبكة السكك التركية مباشرة بميناء الفاو.
- منح المستثمر التركي امتيازات جمركية وضريبية في مناطق الطريق.
وفي المقابل، يطلب العراق:
- جعل طريق التنمية العراقي المسار اللوجستي الرئيس لتركيا نحو الخليج.
- عدم إعطاء أولوية استثمارية أو تشغيلية لمسارات منافسة على حساب المشروع العراقي.
- التزاماً زمنياً واضحاً بربط الشبكات التركية بالمشروع العراقي.
وبذلك تتحول مصلحة تركيا الاقتصادية إلى دعم المشروع بدلاً من اعتباره مجرد خيار بين عدة خيارات.
2- ربط المياه بالتبادل التجاري
الخطأ التقليدي هو التفاوض على المياه باعتبارها قضية بيئية فقط. لكن اقتصادياً يجب تحويلها إلى ملف منفعة متبادلة. وعلى سبيل المثال إذا زادت تركيا الإطلاقات المائية إلى العراق بنسبة متفق عليها سوف يمنح العراق امتيازات تجارية إضافية لتركيا وتسهيل دخول البضائع فضلا عن تسريع التخليص الجمركي وتوسيع الاستثمار التركي.
أما إذا انخفضت الإطلاقات عن الحد المتفق عليه يفعل العراق تدريجياً رسوم جمركية إضافية على السلع التي لها بدائل ومن ثم تخفيض الحصص الاستيرادية بالإضافة الى تحويل جزء من المشتريات الحكومية إلى دول أخرى ومنح مزايا جمركية للمنافسين.
بهذا تصبح المياه مرتبطة مباشرة بمصلحة اقتصادية ملموسة.
3- استخدام التجارة كورقة ضغط
العراق يعد من أكبر أسواق الصادرات التركية، ولذلك فإن خسارة جزء من السوق العراقية تمثل تكلفة اقتصادية على المصدرين الأتراك ، ولكن لا يُنصح باستخدام حظر شامل ، حيث ان الأفضل اتباع سياسة تدريجية مثل:
المرحلة الأولى: تحويل 10% من الواردات التركية إلى دول بديلة.
المرحلة الثانية: رفع النسبة إلى 20%.
المرحلة الثالثة: الوصول إلى 30% إذا لم يتحقق تقدم.
الهدف ليس الإضرار بالتجارة، بل خلق حافز اقتصادي للتعاون.
4- ربط النفط بميناء جيهان
يمكن للعراق أن يطرح مبدأ كلما ازدادت مرونة تركيا في تشغيل خط جيهان وتسهيل صادرات النفط، ازدادت فرص الشركات التركية في مشاريع النقل والطاقة داخل العراق ، أما في حالة استمرار التعقيد:
- يمنح العراق مشاريع الطاقة لشركات من دول أخرى.
- يوسع استخدام الموانئ الجنوبية للتصدير.
- يقلل الاعتماد الاستراتيجي على المسار التركي.
5- إنشاء مؤشر اقتصادي للعلاقات العراقية–التركية
من أفضل الأدوات التفاوضية إنشاء مؤشر سنوي يقيس مستوى التعاون، ويتكون مثلاً من الجدول الاتي :
| المؤشر | الوزن |
| الإطلاقات المائية | 30% |
| تشغيل خط جيهان | 25% |
| دعم طريق التنمية | 20% |
| التجارة والاستثمار | 15% |
| تسهيل النقل والجمارك | 10% |
بدلاً من القول (إذا لم تعطونا المياه فسوف نرفع الرسوم) وهو طرح قد يُفسَّر كإجراء عقابي ، يكون الطرح الاقتصادي (كلما ارتفع مستوى التعاون في المياه والطاقة والنقل، توسعت الامتيازات التجارية والاستثمارية، أما عند انخفاض مستوى التعاون فسيعمل العراق على تنويع شركائه التجاريين تدريجياً وفق اعتبارات الأمن الاقتصادي وإدارة المخاطر) . ومن ثم هذا الخطاب أكثر قابلية للدفاع عنه اقتصادياً وقانونياً، ويمنح العراق مرونة أكبر. وإذا نُفذت هذه السياسة ضمن برنامج حكومي متكامل، فقد تحقق عدة نتائج:
- زيادة الوزن التفاوضي للعراق في ملفات المياه والطاقة والنقل.
- تقليل الاعتماد الأحادي على الاستيرادات التركية دون إحداث صدمة في السوق المحلية.
- رفع جاذبية مشروع طريق التنمية باعتباره الخيار الاقتصادي الأكثر ربحية لتركيا.
- تنويع الشركاء التجاريين بما يعزز الأمن الاقتصادي العراقي.
في المقابل، ينبغي إدراك أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على توفر بدائل تجارية حقيقية، وتطوير البنية التحتية العراقية، والحفاظ على حوار دبلوماسي مستمر. كما أن من غير الواقعي افتراض أن تركيا ستقدم تنازلات في ملف المياه أو طريق التنمية بسبب عامل التجارة وحده؛ فقراراتها تتأثر أيضاً باعتبارات الأمن القومي، والسياسة الإقليمية، وأولوياتها الاقتصادية الداخلية. لذلك فإن التجارة تعد ورقة ضغط مهمة، لكنها تكون أكثر فعالية عندما تُستخدم ضمن حزمة تفاوضية تشمل الاستثمار، والطاقة، والنقل، والتعاون الإقليمي، وليس كأداة منفردة.
ثالثا : سياسة المعاملة بالمثل
ان هذا الطريق (سياسة المعاملة بالمثل او الند للند) فيمكن اقتراح آلية تنويع مصادر الاستيراد المشروط بدلاً من مجرد رفع الرسوم الجمركية، وتتكون من المحاور الآتية:
1- رسوم جمركية انتقائية مؤقتة
أ- فرض رسوم إضافية (10–30%) على السلع التركية التي تتوافر لها بدائل من دول أخرى مثل السعودية، الأردن، مصر، الإمارات، الهند، الصين أو دول الاتحاد الأوروبي.
ب- استثناء المواد الأساسية التي لا يوجد لها بديل لتجنب التضخم.
2- نظام الحصص الاستيرادية (Import Quotas)
أ- تخفيض الحصة المسموح باستيرادها من تركيا تدريجياً.
ب- تخصيص الحصة المخفضة لدول بديلة وفق معايير تنافسية.
3- أفضلية جمركية للدول البديلة
أ- تخفيض الرسوم الجمركية أو تسريع التخليص للبضائع القادمة من الدول البديلة.
ب- توقيع اتفاقيات تجارة تفضيلية معها لتشجيع التجار على التحول إليها.
4- المشتريات الحكومية : عن طريق منح أولوية في العقود الحكومية للشركات والمنتجات القادمة من الدول التي تدعم الأمن المائي والاقتصادي للعراق.
5- إجراءات غير جمركية: تشديد متطلبات المطابقة والمواصفات والفحص على بعض الاستيرادات التركية وفق المعايير الدولية، مع تطبيقها بصورة غير تمييزية لتجنب مخالفة قواعد منظمة التجارة العالمية.
6- تنويع سلاسل الإمداد: وضع خطة حكومية لخفض الاعتماد على تركيا من خلال تحديد سقف مستهدف، مثل تقليل حصتها من إجمالي الاستيرادات تدريجياً خلال عدة سنوات، مع إحلال مستوردين آخرين.
واعتقد بان الآلية تكون اكثر فاعلية وبدلاً من إعلان أن الرسوم جاءت (عقاباً) لتركيا، يمكن إصدار قانون لتنويع المخاطر التجارية والأمن الاقتصادي ينص على أنه:
((إذا تجاوز اعتماد العراق على أي دولة نسبة معينة من الاستيرادات، أو إذا تعرض الأمن المائي أو الأمن الاقتصادي أو سلاسل الإمداد لمخاطر خارجية، يجوز لمجلس الوزراء فرض رسوم وقائية مؤقتة، أو حصص استيرادية، أو منح مزايا جمركية للدول البديلة، بما يحقق تنويع مصادر الاستيراد)).
هذا يجعل الإجراء قائماً على مبدأ الأمن الاقتصادي وتنويع المخاطر وليس على أساس سياسي مباشر، وهو أكثر قابلية للدفاع عنه قانونياً.


