لم تعد السيادة العراقية مجرد مصطلح دستوري أو عنوان سياسي يُستحضر عند وقوع أزمة، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المشهد العراقي، خصوصاً في ظل ما شهده العراق من اعتداءات وتدخلات عسكرية أمريكية داخل أراضيه، وما يرافق ذلك من جدل واسع حول طبيعة الوجود العسكري الأجنبي، وحدود الاتفاقات التي تنظمه، ومدى قدرة الدولة العراقية على حماية أراضيها وأجوائها ومواطنيها . إن الحديث عن السيادة يبدأ من حقيقة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف، وهي أن العراق دولة ذات سيادة، وأن أراضيه وأجواءه ومياهه الإقليمية ليست مساحة مباحة لأي قوة أجنبية، وأن حماية استقلاله ووحدة أراضيه وأمن مواطنيه مسؤولية الدولة ومؤسساتها . غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في إعلان هذا المبدأ، وإنما في القدرة على تحويله إلى ممارسة سياسية وأمنية ودبلوماسية فعلية . فالسيادة لا تقاس بعدد البيانات التي تصدرها الحكومات عند وقوع الاعتداءات، وإنما بقدرة الدولة على منع الانتهاك، أو مواجهته بالوسائل التي يتيحها القانون، ومحاسبة المسؤولين عنه، وحماية مواطنيها ومؤسساتها . والسيادة في معناها الأعمق ليست مجرد غياب القوات الأجنبية، وإنما قدرة الدولة على اتخاذ قرارها بنفسها، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، وامتلاك مؤسساتها وحدها حق استخدام القوة وفق الدستور والقانون . إن الضربات الأمريكية داخل العراق، أياً كانت الذرائع التي تقدم لتبريرها، تضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية سياسية ودستورية وقانونية، لأن الدولة لا تستطيع أن تكون صاحبة السيادة في الخطاب، ثم تبدو عاجزة عن حماية أجوائها وأراضيها . وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى الاعتداءات الخارجية بمعزل عن البيئة الإقليمية المضطربة التي يتحرك فيها العراق، فهو يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج وإسرائيل، ويمتلك موقعاً جغرافياً جعله في كثير من الأحيان ساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة . ومن هنا فإن استمرار تحويل العراق إلى ميدان لتصفية الحسابات العسكرية والسياسية يمثل خطراً مباشراً على أمنه الوطني، لأن كل ضربة تنفذ داخل أراضيه، وكل رد عسكري يتم فوق أرضه، يرفع من احتمالات انزلاقه إلى مواجهة لا يريدها العراقيون ولا يستطيع اقتصادهم ومجتمعهم تحمل نتائجها . ولا بد هنا من التمييز بين التعاون الأمني والعسكري المشروع وبين الوجود الذي يتجاوز حدود الاتفاقات . فالدول قد تحتاج إلى التعاون الدولي في مجالات التدريب وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب وحماية الأمن، وهذا لا يتعارض بالضرورة مع السيادة إذا كان قائماً على اتفاقات واضحة ومعلنة وموافقة الدولة . لكن التعاون شيء، وامتلاك قوة أجنبية القدرة على اتخاذ قرار عسكري مستقل داخل الأراضي العراقية شيء آخر. لذلك فإن العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة كما يحتاج إلى علاقات متوازنة مع إيران وتركيا والدول العربية والأوروبية وسائر المجتمع الدولي . السياسة الخارجية الناجحة لا تقوم على اختيار محور والارتهان له، وإنما على القدرة على إقامة علاقات متعددة تحفظ المصالح الوطنية وتمنح العراق مساحة أوسع للحركة والاستقلال . إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس مع من يقف العراق، وإنما كيف يقف العراق مع نفسه أولاً . فالدولة التي تعرف مصالحها وتضع أمنها الوطني فوق الاصطفافات قادرة على إقامة علاقات جيدة مع الجميع دون أن تكون تابعة لأحد، وقادرة في الوقت ذاته على رفض أي تدخل يمس سيادتها، أياً كان مصدره أو الجهة التي تقف خلفه. ومن هنا فإن مواجهة الاعتداءات الخارجية يجب ألا تكون مناسبة لتبادل الاتهامات الداخلية أو لتغليب الحسابات الحزبية، بل ينبغي أن تتحول إلى لحظة لإعادة ترتيب البيت العراقي وتوحيد الموقف الرسمي حول مفهوم السيادة . وفي مواجهة أي اعتداء خارجي لا تكفي البيانات السياسية، مهما كانت قوية في لغتها، بل المطلوب بناء موقف مؤسساتي متكامل تستخدم فيه الحكومة الأدوات الدبلوماسية والقانونية، وتوثق الانتهاكات، وتخاطب المجتمع الدولي، وتراجع الاتفاقات التي تنظم وجود القوات الأجنبية، وتتأكد من أن الأراضي والأجواء العراقية لا تستخدم في عمليات عسكرية لا توافق عليها الدولة . كما أن مجلس النواب مطالب بممارسة دوره الرقابي والتشريعي في متابعة الاتفاقات الأمنية والعسكرية ومساءلة المسؤولين عن مدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية السيادة، فيما ينبغي أن تكون المؤسسات القانونية والقضائية حاضرة في هذا الملف لتوثيق الانتهاكات ومتابعتها بالطرق التي يتيحها القانون .
وفي المقابل، فإن الحديث عن السيادة الخارجية لا يمكن أن ينفصل عن ضرورة تنظيم استخدام القوة داخل العراق . فلا يمكن لدولة أن تطالب الآخرين باحترام سيادتها إذا كانت غير قادرة على تنظيم السلاح أو توحيد القرار الأمني. إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً موجهاً ضد مكون أو جهة بعينها، وإنما هو قاعدة أساسية من قواعد الدولة الحديثة، لأن تعدد مراكز القرار المسلح يعني عملياً تعدد مراكز القرار السياسي والأمني، ويجعل السيادة نفسها عرضة للتجزئة . والدولة القوية ليست التي تملك أكبر عدد من الأسلحة، وإنما التي يكون فيها قرار استخدام القوة واضحاً وموحداً وخاضعاً للدستور والقانون . لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً نتيجة الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية، ومن غير المنطقي أن يبقى العراق بعد كل هذه التجارب ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية والإقليمية . العراق يحتاج إلى التنمية والاستقرار والاستثمار والتعليم والإعمار، ويحتاج إلى حماية اقتصاده ومجتمعه من آثار الصراعات، وليس إلى جبهة جديدة تضاف إلى جبهاته القديمة . إن تحويل العراق إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران، أو بين أي قوى إقليمية ودولية أخرى، يعني في النهاية أن العراقيين هم من سيدفعون الثمن، ولذلك فإن المصلحة الوطنية تقتضي أن يعمل العراق على النأي بنفسه عن الصراعات، لا النأي بنفسه عن محيطه . فالحياد الإيجابي لا يعني الضعف، وإنما يعني أن تكون الدولة قادرة على التواصل مع الجميع، وأن ترفض استخدام أراضيها للاعتداء على الآخرين، وفي الوقت نفسه ترفض أن تكون أراضيها هدفاً لاعتداء الآخرين . ويمتلك العراق أوراقاً سياسية ودبلوماسية مهمة، لكن المطلوب هو توظيفها بطريقة أكثر فاعلية . فموقعه الجغرافي وعلاقاته العربية والإقليمية والدولية وثقله السياسي يمكن أن تمنحه قدرة كبيرة على بناء سياسة خارجية متوازنة ومستقلة . والدبلوماسية ليست بديلاً عن القوة، لكنها تمنح القوة معناها السياسي والقانوني، والدولة التي تمتلك مؤسسات قوية وجيشاً مهنياً وأجهزة أمنية متماسكة ودبلوماسية نشطة تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها من دولة تعتمد على ردود الفعل والانفعالات . ولذلك ينبغي أن يكون للعراق موقف واضح من أي وجود عسكري أجنبي، وأن تحدد الدولة ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه، وأن تنتقل العلاقة مع القوى الدولية من مفهوم الوجود المفتوح إلى مفهوم الشراكة الأمنية المحددة بالمهام والمدة، بما ينسجم مع المصالح العراقية . إن السيادة ليست امتيازاً تمنحه الدول الكبرى للدول الأصغر، وليست ورقة تستخدمها الحكومات عندما تحتاج إلى دعم شعبي، وإنما هي حق أصيل ومسؤولية في الوقت ذاته. فالدولة ذات السيادة مطالبة بحماية حدودها، وصيانة أمن مواطنيها، واحترام دستورها، وتطبيق القانون، ومنع أي طرف داخلي أو خارجي من تجاوز مؤسساتها . ومن هنا فإن حماية السيادة ليست مهمة الحكومة وحدها ولا الجيش وحده ولا البرلمان وحده، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب توافقاً سياسياً ومجتمعياً على أن العراق ليس تابعاً لمحور، ولا ساحة لصراع الآخرين، وأن مصلحته الوطنية يجب أن تكون البوصلة التي تحدد علاقاته ومواقفه . ولعل العراق اليوم بحاجة إلى عقد وطني جديد حول مفهوم السيادة، يقوم على قاعدة واضحة مفادها أن القرار الأمني للدولة، وأن السلاح المنظم يجب أن يكون تحت سلطتها، وأن العلاقات الخارجية ينبغي أن تقوم على التوازن والمصالح المتبادلة، وأن الأراضي العراقية لا تستخدم للاعتداء على أي دولة، وفي الوقت ذاته لا يسمح لأي دولة باستخدام العراق ساحة للاعتداء عليه . كما ينبغي أن يخضع أي وجود عسكري أجنبي لقرار الدولة ومؤسساتها وللاتفاقات القانونية الواضحة، لأن السيادة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يمكن أن نرفض انتهاكها من طرف ونغض الطرف عنه عندما يأتي من طرف آخر. إن العراق لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لواشنطن، ولا تابعاً لطهران، ولا تابعاً لأي محور آخر؛ ما يحتاجه هو أن يكون تابعاً لمصلحته الوطنية وحدها . والاستقلال الحقيقي لا يعني أن يعيش العراق معزولاً عن العالم، وإنما أن يتعامل مع العالم من موقع الدولة التي تعرف ماذا تريد، وتملك قرارها، وتحمي أرضها، وتحترم التزاماتها، ولا تسمح لأحد بتحويلها إلى ساحة حرب. وفي النهاية، فإن أخطر ما يهدد السيادة ليس فقط الصاروخ الذي يأتي من الخارج، وإنما الضعف الذي يسمح له بالوصول، والانقسام الذي يمنع الدولة من اتخاذ موقف موحد، وتعدد مراكز القرار الذي يجعل العراق مكشوفاً أمام صراعات الآخرين . ولهذا فإن المعركة الحقيقية من أجل سيادة العراق تبدأ من بناء دولة قوية وعادلة وموحدة القرار، قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وتملك من الحكمة السياسية ما يجعلها قادرة على قول لا عندما تكون لا هي مصلحة العراق، وقادرة على قول نعم عندما تكون نعم طريقاً للأمن والسلام .
فالعراق لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت أنه دولة ذات سيادة، وإنما يحتاج إلى دولة قوية كي لا تصبح أرضه مرة أخرى ميداناً لحروب الآخرين . فالسيادة ليست أن نرفع صوتنا بعد سقوط الصاروخ، بل أن نمتلك دولة تمنع الصاروخ من أن يجعل من العراق هدفاً .


