العراق يفتح باباً جديداً أمام صناعة مالية حديثة، بعد أن وضعت هيأة الأوراق المالية العراقية إطاراً تنظيمياً لترخيص أنشطة تداول عقود الفروقات (CFDs) والتداول بالرافعة المالية، في خطوة تمثل تحولاً مهماً في مسار تحديث البيئة المالية وتنظيم نشاط كان جزء كبير منه يجري إلكترونياً خارج إطار رقابي عراقي واضح.
فقد أقر مجلس الهيأة اللائحة التنظيمية رقم (36) خلال جلسته المنعقدة في 30 آب 2026، وأعلنتها الهيأة في 8 أيلول، بهدف تنظيم هذه الأنشطة وإخضاعها للرقابة ووضع متطلبات قانونية لحماية المستثمرين.
لكن أهمية هذه الخطوة رافقها التباس يحتاج إلى توضيح، لأن عقود الفروقات ليست مرادفاً لسوق الفوركس، كما أن صدور اللائحة لا يعني ببساطة أن العراق أصدر ترخيصاً عاماً لتداول العملات الأجنبية.
النص المنشور للائحة يعرّف عقود الفروقات بأنها مشتقات مالية تتيح للمستثمر المضاربة على تحركات أسعار أصول مثل الأسهم والسلع والمؤشرات من دون امتلاك الأصل الفعلي، بينما لا تتضمن اللائحة المنشورة إطاراً مستقلاً لترخيص سوق الفوركس التقليدي القائم على تداول أزواج العملات.
وهنا يجب أن نفرق بدقة.
سوق الفوركس يتعلق أساساً بتداول العملات الأجنبية وأزواجها، مثل EUR/USD وGBP/USD وغيرها. أما عقد الفروقات CFD فهو عقد مالي مشتق ترتبط قيمته بحركة سعر أصل معين، من دون أن يصبح المتداول مالكاً لذلك الأصل.
بمعنى بسيط، عندما تشتري سهماً حقيقياً في شركة مدرجة مثل Apple فأنت تصبح مالكاً للسهم وفق القواعد المنظمة للسوق التي اشتريته فيها. أما عندما تتداول CFD على سهم Apple فأنت لا تملك السهم نفسه، وإنما تدخل في عقد ترتبط نتيجته بالفرق بين سعر فتح المركز وسعر إغلاقه.
ويمكن للمتداول أن يتخذ مركزاً يتوقع فيه ارتفاع السعر أو انخفاضه، لكن ذلك يعني أيضاً تعرضه للخسارة إذا تحرك السعر في الاتجاه المعاكس. ومع استخدام الرافعة المالية تصبح الأرباح المحتملة أكبر قياساً برأس المال المستخدم، لكن الخسائر تتضخم أيضاً، ولهذا شددت اللائحة نفسها على مخاطر الرافعة وعلى ضرورة وجود الهامش الأولي وهامش الصيانة.
إذن نحن أمام أداة مالية تختلف جوهرياً عن شراء الأسهم التقليدي.
وهذا الفرق مهم جداً للمستثمر العراقي، لأن الدخول إلى الأسواق العالمية لا يعني دائماً امتلاك أصول عالمية. هناك فرق بين شراء سهم وبين المضاربة على سعره بعقد مشتق، وبين الاستثمار طويل الأجل وبين التداول بالرافعة المالية.
ومن هنا تكمن أهمية اللائحة رقم (36): نقل هذا النوع من النشاط من مساحة إلكترونية يصعب ضبطها إلى مساحة يمكن إخضاعها للترخيص والرقابة والمساءلة.
واللافت أن الهيأة لم تفتح الباب من دون شروط. فاللائحة تقصر الترخيص على شركات وساطة عالمية تستوفي متطلبات تنظيمية وفنية، وتشترط على الشركة المرشحة امتلاك خمسة تراخيص مالية دولية سارية من جهات رقابية من الفئة الأولى، إلى جانب سجل مهني وخبرة في المشتقات والتداول الإلكتروني. كما تشترط على الشركة الأجنبية تأسيس فرع أو شركة مرخصة داخل العراق والخضوع لرقابة الهيأة، مع تقديم ضمانات مالية لا تقل عن خمسة مليارات دينار، بينما حددت الحد الأدنى لرأس مال الشركة المؤسسة في العراق بعشرة مليارات دينار.
وهذه الشروط مهمة لأنها تعني أن القضية ليست مجرد السماح لمواقع إلكترونية أجنبية باستقبال أموال العراقيين، وإنما محاولة لبناء وجود قانوني للشركات داخل العراق وربط النشاط بمسؤولية تنظيمية واضحة.
لكن ما المنفعة الحقيقية للاقتصاد العراقي؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
عقود الفروقات بحد ذاتها لن تبني مصنعاً، ولن تمول شركة عراقية منتجة بصورة مباشرة، ولا ينبغي التعامل معها كحل لمشكلة البطالة أو ضعف الاستثمار الحقيقي. فهي في الأساس نشاط تداول ومشتقات مالية.
القيمة الاقتصادية الأوسع يمكن أن تأتي من الصناعة التي تنشأ حول هذا النشاط إذا أحسن العراق تنظيمها.
أولاً، وجود شركات مرخصة فعلياً داخل العراق، بدلاً من اعتماد المستثمر على منصات لا يعرف أين توجد قانونياً، يمكن أن يدفع جزءاً من النشاط المالي الرقمي إلى القنوات.


