في السياسة الأميركية، ليست كل عودة إلى المكان عودةً إلى الماضي. أحياناً تحتاج واشنطن إلى شخص يعرف الماضي جيداً كي يدير ما تغيّر بعده. من هنا تكتسب عودة ستيفن فاجن إلى بغداد قائماً بالأعمال دلالة تتجاوز التغيير الدبلوماسي. فالرجل يعرف العراق من الداخل؛ سبق أن عمل نائباً لرئيس البعثة الأميركية في بغداد وقائماً بالأعمال، وشغل منصب القنصل العام في أربيل، كما تولى في الخارجية الأميركية إدارة مكتب شؤون إيران. واليوم يعود إلى العاصمة العراقية في لحظة تتغير فيها وظيفة الحضور الأميركي نفسه. الأكثر إثارة أن فاجن يعرف بغداد التي سبقت واحدة من أخطر لحظات المواجهة الأميركية ـ الإيرانية: اغتيال الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في يناير 2020. لا توجد أدلة علنية موثوقة تثبت أن فاجن شارك شخصياً في التخطيط العملياتي للاغتيال. لكن أهمية الرجل لا تحتاج إلى ذلك. قيمته تكمن في موقعه داخل البيئة السياسية والدبلوماسية التي كانت واشنطن تدير من خلالها العراق وإيران في تلك المرحلة. فالاغتيال لم يكن مجرد عملية لاستهداف شخصين، بل إعلاناً بأن الولايات المتحدة مستعدة للانتقال من الاحتواء والردع غير المباشر إلى استخدام القوة المباشرة عندما ترى أن خطوطها الحمراء قد تم تجاوزها. لكن السؤال اليوم ليس: هل تستطيع واشنطن تكرار ضربة 2020؟ السؤال الأكثر أهمية: هل ما زالت تحتاج إليها؟ هنا تصبح عودة فاجن أكثر دلالة. فالعراق الذي يعود إليه ليس عراق ما قبل اغتيال سليماني. النفوذ الإيراني أعاد إنتاج نفسه بأشكال متعددة، والفصائل المسلحة أصبحت جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية، فيما انتقلت العلاقة الأميركية ـ العراقية تدريجياً من منطق الحرب على داعش إلى سؤال مختلف: كيف تحافظ واشنطن على قدرتها على التأثير بينما تتراجع الحاجة إلى وجود عسكري مباشر؟ وهنا يصبح الدبلوماسي أحياناً أكثر أهمية من العسكري. عندما تكون القوة الأميركية في أوج حضورها، تستطيع واشنطن استخدام القواعد والطائرات والقوات. لكن عندما تتراجع القوة إلى الخلف، تصبح السفارة نفسها منصة للقوة: معلومات، علاقات، ضغط سياسي، شراكات أمنية، أدوات اقتصادية، وإدارة دقيقة للتوازنات. وفاجن يجمع بين عناصر نادرة لهذه المهمة: معرفة بغداد، معرفة أربيل، ومعرفة إيران. هذه ثلاث زوايا للمعادلة التي تتعامل معها واشنطن في العراق: الدولة المركزية، الإقليم، والنفوذ الإيراني. لذلك يمكن قراءة عودته باعتبارها عودة لخبرة إدارة النفوذ أكثر من كونها عودة لشخصية دبلوماسية. وهنا تبرز دلالة ملف الحشد الشعبي والسلاح. فبعد سنوات من اغتيال سليماني والمهندس، لم يعد السؤال الأميركي مقتصراً على من يملك القدرة على تنفيذ هجوم، بل على من يملك القدرة على التأثير في القرار العراقي. انتقلت المعركة من استهداف رأس الشبكة إلى التأثير في البيئة التي تسمح للشبكة بالبقاء والتوسع. وهذا فارق استراتيجي كبير. في 2020، أرسلت واشنطن رسالة بالصاروخ. في 2026، يبدو أنها تختبر ما إذا كان بالإمكان تحقيق أهداف النفوذ نفسها بأدوات أقل صخباً وأكثر استدامة. فاجن ليس بديلاً عن القوة العسكرية، لكنه قد يكون جزءاً من مرحلة يصبح فيها النفوذ نفسه أداة قوة. واللافت أن الرجل الذي عرف بغداد قبل اغتيال سليماني والمهندس يعود إليها بعد سنوات، لا ليستعيد تلك اللحظة، وإنما ليقرأ نتائجها. فالاغتيال غيّر قواعد الاشتباك، لكنه لم يحسم الصراع على العراق. قتل سليماني والمهندس شخصيتين مركزيتين، لكنه لم ينهِ البنية السياسية والأمنية التي جعلت نفوذهما ممكناً. وهنا تكمن المعضلة الأميركية الحقيقية. إذا كانت واشنطن قد أثبتت في 2020 قدرتها على الوصول إلى أقوى رجال إيران في العراق، فإن اختبار 2026 مختلف: هل تستطيع منع تمدد النفوذ الذي كانا يمثلانه من دون أن تضطر إلى استخدام القوة بالطريقة نفسها؟ هذه ليست مسألة عراقية فقط، بل جزء من إعادة تعريف الدور الأميركي في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة لا تريد بالضرورة أن تبقى في كل مكان بقوات كبيرة، لكنها لا تريد أيضاً أن تترك فراغاً تملؤه إيران أو منافسون آخرون. وبين الانسحاب الكامل والبقاء العسكري الدائم، تظهر صيغة ثالثة: البقاء بالنفوذ. ومن هذه الزاوية، تصبح بغداد مختبراً لهذه الصيغة. فاجن يعود إلى مدينة يعرفها، لكن مهمته المحتملة ليست إدارة عراق 2020، بل إدارة عراق ما بعد سليماني؛ عراق لم تعد فيه القوة الأميركية مجرد قوة عسكرية، ولم يعد فيه النفوذ الإيراني مجرد نفوذ خارجي. لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه عودته ليس: ماذا سيفعل فاجن في بغداد؟
بل: ماذا تريد واشنطن أن تفعل في بغداد من دون أن تضطر إلى إرسال صاروخ جديد؟ في 2020 احتاجت واشنطن إلى صاروخ للوصول إلى سليماني. في 2026 تعود إلى بغداد برجل يعرف العراق وإيران والمنطقة. وبين الصاروخ والدبلوماسي تبدلت أدوات القوة. لكن الاختبار الأميركي الأصعب بقي نفسه: من يملك القدرة على التأثير في مستقبل العراق؟


