زيارة الزيدي إلى باريس وبرلين.. هل يبدأ العراق دبلوماسية الاقتصاد في لحظة جيوسياسية استثنائية؟

زيارة الزيدي إلى باريس وبرلين.. هل يبدأ العراق دبلوماسية الاقتصاد في لحظة جيوسياسية استثنائية؟
تسعى بغداد عبر زيارة باريس وبرلين إلى تحويل علاقاتها الأوروبية من تعاون سياسي وعقود مؤقتة إلى شراكات استثمارية طويلة الأجل، تستقطب رأس المال والتكنولوجيا والصناعة، وتستثمر موقع العراق وطريق التنمية وميناء الفاو لبناء اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعاً واستدامة....

في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتصاعد فيه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتقترب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، تبرز مخاطر الطاقة والممرات التجارية والاستثمار بوصفها ملفات شديدة التأثر بأي اضطراب جديد في المنطقة.

لذلك لا يمكن قراءة توجه رئيس الوزراء علي الزيدي إلى فرنسا وألمانيا بوصفه زيارة اقتصادية تقليدية فقط، خصوصاً أن الجولة المعلنة تضع الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة والتكنولوجيا في صلب مباحثاتها. إنها، في تقديري، محاولة عراقية موفقة لفتح نافذة أوروبية أوسع في لحظة يعاد فيها ترتيب المصالح والتحالفات في الشرق الأوسط.

العراق يقف في قلب معادلة جيوسياسية شديدة التعقيد: إيران شرقاً، والخليج بتعقيداته جنوباً، وتركيا شمالاً، وسوريا وتحدياتها غرباً، فضلاً عن المصالح الأميركية والأوروبية الواسعة في المنطقة.

هذه الجغرافيا كثيراً ما حمّلت العراق أعباءً سياسية وأمنية واقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تمنحه أوراق قوة مهمة. فهو بلد نفطي كبير، وسوق واسعة، ويملك موقعاً قادراً على الربط بين الخليج وتركيا ثم أوروبا، وتزداد قيمة هذا الموقع مع مشروع طريق التنمية وميناء الفاو. وطريق التنمية نفسه مخطط له أن يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر من جنوب العراق باتجاه الحدود التركية، بما يمنح فكرة «العراق الممرّ» مضموناً اقتصادياً يتجاوز الجغرافيا وحدها.

من هنا تكتسب باريس وبرلين أهميتهما.

فرنسا تستطيع أن تمنح العراق عمقاً سياسياً واقتصادياً أوروبياً، وألمانيا تمثل بوابة إلى واحدة من أكبر القواعد الصناعية والتكنولوجية في أوروبا. والجمع بين البلدين يتيح لبغداد فرصة للانتقال تدريجياً من دبلوماسية البحث عن الدعم السياسي إلى دبلوماسية تستهدف رأس المال والتكنولوجيا والصناعة.

لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع بغداد تحويل الثقل السياسي لهذه الزيارة إلى مصانع واستثمارات وشركات أوروبية رصينة تستقر داخل السوق العراقية؟

العراق لا يحتاج إلى أن تقتصر علاقته الاقتصادية بالخارج على شركات تفوز بعقود حكومية، تنفذ مشروعاً، تستلم مستحقاتها ثم تغادر. هذا النموذج ضروري في بعض القطاعات، لكنه لا يصنع وحده قاعدة إنتاجية عراقية مستدامة.

ما يحتاجه العراق بدرجة أكبر هو الاستثمار الأجنبي المباشر FDI؛ رأس مال يأتي ليستثمر ويبقى وينمو داخل الاقتصاد العراقي. مصنع يُقام برأسمال أجنبي على أرض عراقية، وتكنولوجيا تنتقل إلى الداخل، وعمال ومهندسون عراقيون يكتسبون المهارات، وموردون محليون يدخلون سلسلة الإنتاج، ثم منتج يصنع في العراق ويستطيع مستقبلاً الوصول إلى أسواق أخرى.

وهنا تظهر أهمية ألمانيا بصورة خاصة. فحجم التبادل التجاري بين البلدين ليس ضئيلاً؛ فقد بلغت الصادرات الألمانية إلى العراق نحو 1.42 مليار يورو في 2025، مقابل واردات ألمانية من العراق بنحو 1.43 مليار يورو. لكن رصيد الاستثمارات الألمانية المباشرة في العراق بلغ نحو 25 مليون يورو فقط في 2024. الفارق بين حركة التجارة وحجم الاستثمار يوضح أين يجب أن تتركز المرحلة المقبلة: الانتقال من بيع السلع والخدمات إلى بناء أصول إنتاجية داخل العراق.

العراق يحتاج ألمانيا تكنولوجياً وصناعياً واستثمارياً، ويحتاج خبرتها في الطاقة والمعدات الكهربائية والماكينات والأتمتة والصناعات الكيميائية والهندسية وإدارة المياه والتكنولوجيا الصناعية.

وألمانيا، في المقابل، تستطيع أن ترى في العراق أكثر من سوق لمنتجاتها: بلداً قريباً من مصادر النفط والغاز، وسوقاً كبيرة، وموقعاً قريباً من الخليج ومتصلًا بمشروع طريق التنمية، وأيدي عاملة شابة، ومساحات واسعة قابلة لإقامة مشروعات صناعية ولوجستية. هنا يمكن أن يبدأ التكامل الاقتصادي الحقيقي، إذا اقترن بضمانات الاستثمار والبنية التحتية وسهولة تحويل الأرباح واستقرار البيئة التنظيمية.

وفرنسا لا تقل أهمية. فهي قوة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك شركات وخبرات في الطاقة والنفط والغاز والكهرباء والنقل والطيران والمياه والبنية التحتية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا. وفي المقابل ترى فرنسا أمامها بلداً نفطياً كبيراً، وسوقاً واسعة، وموقعاً استراتيجياً بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام.

نجاح زيارة الزيدي إلى باريس وبرلين، لذلك، لن يقاس بعدد اللقاءات أو مذكرات التفاهم الموقعة، وإنما بما يتحول منها خلال السنوات المقبلة إلى استثمارات فعلية ومصانع ونقل تكنولوجيا وفرص عمل وسلاسل إنتاج داخل العراق.

فالعراق في هذه المرحلة لا ينبغي أن يبحث فقط عن شريك يشتري نفطه، بل عن رأس مال ودعم سياسي دولي وتكنولوجيا وصناعة تساعده على تحويل ثروته وموقعه الجغرافي من موارد ومزايا كامنة إلى قوة اقتصادية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *