شهد يوم الاثنين 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تطوراً مهماً في ملف الطاقة العراقي بعد إعلان شركة (غلف كيستون بتروليوم) أن شركات النفط العالمية العاملة في إقليم كردستان حمّلت أول شحنة تصدير من ميناء جيهان التركي، وذلك في أول عملية من نوعها منذ توقف دام أكثر من عامين ونصف. هذه العودة لممر التصدير الحيوي لا تمثل خطوة تقنية فحسب، بل تشكّل تحوّلاً اقتصادياً وسياسياً يحمل في طياته مجموعة واسعة من المؤشرات التي تستحق التوقف عندها.
أولاً: خلفية الخلاف بين بغداد وأربيل – جذور ممتدة منذ 2014الخلاف النفطي بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ليس وليد اللحظة، بل تراكم نتيجة ثلاث قضايا رئيسية: 1. دستورية إدارة الحقول تستند بغداد إلى المادة 111 و112 من الدستور التي تؤكد أن النفط ملك لكل الشعب ويُدار اتحادياً. بالمقابل يرى الإقليم أن ما بعد 2005 والدستور يمنح الأقاليم حق المشاركة والإدارة المشتركة وليس التبعية الكاملة للاتحاد. 2. التسويق المستقل منذ 2014 لجأ الإقليم لتسويق نفطه بشكل مستقل عبر خط كركوك – جيهان، ما اعتبرته بغداد خرقاً لوحدة السياسة النفطية. 3. تقاسم الإيرادات جوهر الخلاف كان دائماً (هل تُسلّم أربيل نفطها مقابل 17% من الموازنة، أم تقبض حصتها وتصدر كما تشاء؟) ، ولأن أي طرف لم يلتزم كلياً بالاتفاقات المتتابعة (2014، 2019، 2021)، انفجر الخلاف عام 2023 مع توقف كامل للصادرات. ثانياً: الخلاف بين العراق وتركيا – العقدة الكبرى في خط جيهانالتصدير عبر تركيا لم يكن نزاعاً عراقياً – كردياً فقط، بل دخلت أنقرة طرفاً ثالثاً معقّداً بسبب: 1. قضية التحكيم الدولي ICCرفع العراق دعوى بأن تركيا سمحت للإقليم بتصدير النفط دون موافقة بغداد. وقد حكمت المحكمة لصالح العراق في آذار/مارس 2023، وألزمت تركيا بدفع تعويض. وكرد فعل، أوقفت تركيا مرور نفط الإقليم بالكامل. 2. شروط تركيا لإعادة التصدير تركيا طلبت (تسوية مالية على التعويضات. ضمانات بأن التصدير سيكون حصرًا عبر SOMO. اتفاق فني جديد لإدارة الخط وضخه) . هذه النقطة أخّرت استئناف التصدير لأكثر من عامين رغم رغبة الشركات والإقليم باستئنافه. ثالثا: نتائج تحميل الشحنة الأولىإعلان الشركة البريطانية يشير بوضوح إلى أن الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه نهاية أيلول/سبتمبر بين بغداد وأربيل بدأ ينتقل من الورق إلى التنفيذ الفعلي، بعد حالة من الجمود عطّلت اقتصاد الإقليم وكلفت العراق خسائر كبيرة في الإيرادات النفطية. وفق بيان الشركة، تتوقع (غلف كيستون) تحصيل قيمة حصتها من الشحنة خلال 30 يوماً، وهو إطار زمني يعكس وجود آلية مالية واضحة ومتفق عليها مع شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، بينما يجري التخطيط لتحميل الشحنة الثانية قبل نهاية الشهر الجاري، ما يعني أن عملية التصدير بدأت تأخذ طابعاً دورياً وليس حدثاً معزولاً. رابعا: السياق السياسي – الاقتصادي للاتفاق الجديدالتصدير عبر خط كركوك – جيهان كان عنواناً لخلافات طويلة بين بغداد وأربيل، لكن الانقطاع الطويل دفع الطرفين إلى صياغة نموذج تسوية يقوم على ثلاث ركائز أساسية: تسويق الصادرات حصراً عبر SOMO لضمان وحدة السياسة النفطية الاتحادية. تعويض الشركات الأجنبية المنتجة عبر منحها حصة من الخام الذي تسلّمه للإقليم وتتم تصفيته ضمن آلية مشتركة. توزيع الإيرادات ضمن معادلة مالية تضمن للإقليم حقوقه دون الإخلال بقانون الموازنة الاتحادية. هذا النموذج لا يزال مؤقتاً، لكنه يُعدّ الطريق الأكثر واقعية لإعادة تدفق النفط وتخفيف الضغط المالي على الإقليم وتقليل خسائر العراق من الإيرادات المجمدة. خامسا: الأثر على الشركات الأجنبيةارتفاع سهم Gulf Keystone بنحو 2.7% في بورصة لندن فور الإعلان ليس تفصيلاً عابراً؛ فهو يعكس أربعة عوامل واضحة: عودة الثقة بإمكانية استرداد المتأخرات المالية المتراكمة منذ توقف التصدير. وضوح آلية السداد (30 يوماً)، بما يعطي توقعات نقدية محسوبة للشركات. قدرة الإقليم على الوفاء بالتزاماته ضمن اتفاق ملزم مع بغداد. تحسن نظرة المستثمرين العالميين تجاه بيئة الطاقة في الإقليم. الشركات الأجنبية تنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه فرصة للاستقرار المالي وليس فقط خطوة لإعادة الإنتاج. سادسا: المكاسب المتحققة على مستوى الاقتصاد العراقي استئناف التصدير لا يعني فقط تخفيف الضغط عن أربيل، بل يشكل مكسباً لبغداد أيضاً عبر: 1. استعادة السيطرة على السياسة التصديريةالبوابة التركية لطالما كانت نقطة ضعف في السياسة النفطية العراقية، واحتضان الصادرات ضمن مظلة SOMO يحقق انضباطاً تسويقياً وشفافية أعلى. 2. تعزيز الإيرادات العامةالخطط الاتحادية تشير إلى رفع صادرات خام كركوك الموجهة عبر جيهان إلى نحو 250 ألف برميل يومياً، وهو ما يمثل زيادة تتجاوز 80% مقارنة بشهر تشرين الأول. هذا التعزيز الكمي يعني قدرة أكبر على تمويل الموازنة وتقليل العجز. 3. تحسين بيئة التفاوض مع الإقليمكلما كان التصدير مستمراً، كلما أصبحت آليات التسوية المالية أكثر مرونة، وهذا يخفف من حدة الخلافات التقليدية حول حصة الإقليم والرواتب والالتزامات. سابعا: الايجابية في إقليم كردستان العراقتوقف التصدير لأكثر من 30 شهراً كلّف الإقليم: تراجعاً في قدرة الحكومة على دفع الرواتب بشكل منتظم. تقلّص تدفقات العملة الأجنبية إلى السوق المحلية. تراكم مستحقات الشركات الأجنبية، ما أثّر على التطوير والاستثمار. عودة التصدير تمنح أربيل فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها المالية، خصوصاً إذا استطاعت الالتزام بآلية دفع شفافة للشركات المنتجة، وهو شرط أساسي لاستمرار الاستثمار النفطي في الإقليم. ثامنا: الدلالات الاستراتيجية للحدثكسر الجمود: الاتفاق يعبّر عن رغبة سياسية من الطرفين لإعادة بناء الثقة بعد مرحلة طويلة من التصعيد الاقتصادي. ممر استراتيجي حيوي: إعادة فتح خط كركوك–جيهان تعني تشغيل أحد أهم شرايين الطاقة في المنطقة. مؤشر انفتاح دولي: الشركات العالمية بدأت تتعامل مجدداً مع صادرات الإقليم بصفته جزءاً من السوق العراقية الرسمية، وهذا يعزز حضور العراق في السوق العالمية. تغيير في قواعد اللعبة: لأول مرة منذ سنوات، يتم دمج صادرات الإقليم ضمن السياسة التسويقية الاتحادية بشكل شبه كامل، ما يؤسس لنظام أكثر استقراراً. تاسعا: التحديات التي قد تعيق الاستمراررغم أهمية الانجاز، إلا أن الطريق ليس خالياً من المخاطر: الهشاشة الأمنية للخط الناقل داخل الأراضي التركية والعراقية. احتمال نشوء خلافات جديدة عند مرحلة تسوية الإيرادات بين بغداد وأربيل. الضغوط القانونية الدولية المتعلقة بالدعاوى بين العراق وتركيا. التقلبات السعرية العالمية التي قد تؤثر على الجدوى المالية للتصدير. التزامات الشركات الأجنبية التي قد تطالب بتعديلات أو ضمانات إضافية. الخلاصةإن تحميل أول شحنة نفطية من جيهان بعد انقطاع طويل ليس مجرد حدث تقني، بل خطوة سياسية – اقتصادية تحمل رسائل واضحة: العراق يتجه نحو إعادة توحيد سياسته النفطية، والإقليم يعود تدريجياً إلى سياسة تصديرية أكثر استقراراً، والشركات الأجنبية تستعيد الثقة بسوق الطاقة في كردستان. ورغم أن الاتفاق لا يزال مؤقتاً، إلا أن نجاحه في أول اختبار عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تكون أكثر استقراراً ووضوحاً إذا استمرت الأطراف في إدارة الملف بروح التفاهم لا التنازع. |


