- مفهوم الصرف خارج الموازنة
يشير الصرف خارج الموازنة (Off-Budget Spending) إلى الإنفاق الحكومي الذي يتم خارج الإطار الرسمي للموازنة، ولا يخضع لنفس مستويات الشفافية أو الرقابة أو التوثيق. وقد يشمل:
- نفقات الطوارئ غير المعتمدة قانونًا.
- صناديق خاصة تموّل مشاريع دون المرور بوزارة المالية.
- إيرادات ذاتية تُصرف مباشرة من قبل الوزارات أو الهيئات الحكومية.
- ديون أو التزامات مالية غير مُدرجة رسميًا.
- في العراق، ينظم قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 عمل الموازنة العامة، ويُلزم السلطات كافة بعدم إجراء تحويلات أو إنفاقات مالية خارج الإطار المعتمد قانونًا. غير أن التطبيق العملي كثيرًا ما يشهد تجاوزًا لهذه النصوص، عبر الاستثناءات أو الأوامر العليا أو غياب الضبط المؤسسي، مما يُسهم في توسع الظاهرة.
ويمكن توضيح دوافع الصرف خارج الموازنة بالاتي :
- الطابع الريعي للمالية العامة.
- ضعف الرقابة المؤسسية والتشريعية.
- المركزية الشديدة في القرار المالي.
- اتساع ظاهرة الفساد السياسي – المالي.
- ضغط الظروف الطارئة (مثل الحرب أو الأزمات الأمنية).
- في ما يأتي الجدول يبين الصرف خارج الموازنة العامة للمدة 2015-2023
- الآثار الاقتصادية والمؤسساتية للصرف خارج الميزانية في العراق
إن الصرف خارج الموازنة لا يمثل فقط مخالفة إجرائية أو قانونية، بل يتعدى ذلك إلى كونه خللاً جوهريًا في نظام إدارة المالية العامة للدولة، وله انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الاستقرار الاقتصادي، كفاءة استخدام الموارد، الشفافية، والمساءلة الديمقراطية. وفي الحالة العراقية، فقد شكّلت هذه الظاهرة أحد الأسباب البنيوية لتعثر الإصلاح الاقتصادي، وإدامة التشوهات المالية. ومن اهم الاثار :
- التأثير على مؤشرات العجز والدين العام
- إضعاف التخطيط المالي والاقتصادي
- تغذية الفساد الإداري والمالي
- إضعاف الثقة بالموازنة والمؤسسات
- تشويه السياسة النقدية والتنسيق المالي – النقدي
- تعميق الفجوة بين المركز والمحافظات .
مما ورد نستنتج بان استمرار ظاهرة الصرف خارج الموازنة يُهدد مرتكزات الدولة الحديثة، ويُنتج بيئة اقتصادية طاردة للاستثمار، ويُعيق أي محاولة للإصلاح المالي المستدام. إن التغاضي عن هذه الظاهرة يعادل القبول الضمني بانهيار معايير الشفافية والكفاءة والمساءلة.
- التوصيات
(خارطة الطريق لإيقاف الصرف خارج الميزانية في العراق)
فيما يأتي مجموعة من التوصيات الإصلاحية العملية، تمثل خارطة طريق يمكن اعتمادها خلال السنوات (2025–2030):
1- إصلاحات قانونية وتشريعية : ان تعديل قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 ، عن طريق إلزام إدراج كافة الإيرادات والنفقات الحكومية في الموازنة العامة، بما في ذلك الصناديق الخاصة والحسابات الوزارية. وحظر فتح أو استخدام أي حساب مصرفي حكومي دون موافقة وزارة المالية والبنك المركزي.
2- تعديل قانون ديوان الرقابة المالية : بمعنى منح الديوان صلاحية فورية لتدقيق ومراقبة الحسابات الخاصة والطارئة ومتابعة تنفيذ التوصيات.
3- تشريع قانون شفافية المال العام : الذي يُلزم جميع الجهات الحكومية بنشر بيانات إنفاقها شهريًا وفصليًا ضمن منصّة موحدة متاحة للجمهور.
4- إصلاحات مؤسسية وإدارية : لا شك بان تفعيل نظام الحساب الواحد للخزينة (TSA) وإغلاق جميع الحسابات المصرفية للوزارات والمحافظات خارج الخزينة. ومن ثم تحويل كامل الإيرادات إلى حساب مركزي في وزارة المالية من ابرز الاولويات الاصلاحية لمؤسسات ودوائر الدولة . كذلك تطبيق شامل لنظام GFMIS ، وربط جميع الوزارات والمحافظات ومؤسسات الدولة بمنظومة رقمية واحدة لإعداد وتنفيذ الموازنة. ومن ثم إلغاء (الصرف الورقي) واعتماد التتبع الرقمي للنفقات. فضلا عن توحيد مسارات التمويل ، بمعنى توجيه أي منحة ، قرض ، أو صندوق دولي إلى الخزينة العامة ثم إعادة تخصيصها رسميًا عبر البرلمان .
5- إصلاحات رقابية وتمويلية ، ويتم عن طريق إشراك هيئة النزاهة ومجلس النواب ، وتكليف لجنة عليا من البرلمان وهيئة النزاهة بمراجعة جميع الحسابات غير المركزية سنويًا. ومن ثم نشر تقرير علني يتضمن حجم الإنفاق خارج الموازنة ونتائج تدقيقه.
6- إعادة تقييم الصناديق الخاصة اي مراجعة شاملة لأداء أكثر من 200 صندوق خاص. وإلغاء أو دمج الصناديق التي لا تحقق أهدافًا تنموية واضحة.
وفي نهاية المطاف ((لن نُفلح في إعادة بناء الاقتصاد العراقي، ما لم نُغلق بوابات الإنفاق غير المرئي، ونُخضع كل دينار للمساءلة والمصلحة العامة)) .


