إيران واتفاق مكة؛ من هاجس التحالف السني إلى فرصة الأمن الإقليمي المشترك

إيران واتفاق مكة؛ من هاجس التحالف السني إلى فرصة الأمن الإقليمي المشترك
يناقش النص إمكانية تحول اتفاق مكة من تحالف دفاعي محدود إلى إطار أمني إقليمي شامل، ويرى أن إشراك إيران ضمن قواعد السيادة وعدم الاعتداء قد ينقل الشرق الأوسط من توازنات الخوف إلى أمن جماعي قائم على المصالح المشتركة...

منذ الإعلان عن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، كان أحد الأسئلة الأكثر إلحاحًا يتعلق بإيران: هل ستقرأ طهران الاتفاق بوصفه نواة لتحالف سني يهدف إلى موازنة قوتها واحتوائها، أم ستراه جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء النظام الأمني في المنطقة؟ لم يكن هذا السؤال تفصيليًا، لأن الإجابة عنه تكاد تحدد طبيعة المشروع كله. فإذا أصبحت إيران العدو المؤسس للتحالف، فإن «اتفاق مكة» سيتجه، مهما قيل عن أهدافه الدفاعية، نحو تشكيل محور إقليمي مقابل محور آخر. أما إذا أمكن إدخال إيران في معادلة الأمن الإقليمي، فإن الباب ينفتح أمام احتمال تاريخي مختلف: تحويل الاتفاق من تحالف دفاعي ثلاثي إلى نواة لمنظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك.

المثير للاهتمام أن الموقف الإيراني أخذ، خلال الأسابيع التي أعقبت الاتفاق، يتطور في الاتجاه الثاني أكثر مما كان متوقعًا.

لم تتعامل طهران رسميًا مع الاتفاق باعتباره إعلانًا للعداء. بل حرص المسؤولون الإيرانيون على القول إنهم لا يرونه موجهًا ضد إيران. ثم جاءت خطوة أكثر أهمية عندما رحب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالتعاون بين السعودية وتركيا وباكستان، ورأى فيه اتجاهًا يمكن أن يعزز تعاون دول المنطقة، مع الدعوة إلى توسيع التعاون الإقليمي بدل تحويله إلى اصطفاف جديد.

لكن التطور الأهم لم يكن مجرد الترحيب بالاتفاق، وإنما ظهور خطاب إيراني يتقاطع بصورة لافتة مع الفكرة التي يقوم عليها الاتفاق نفسه: أن أمن المنطقة ينبغي أن تصنعه دول المنطقة.

هذا المعنى ظهر بصورة أوضح في الدعوات الإيرانية إلى بناء ترتيبات للأمن المتبادل وعدم الاعتداء، ثم في تأكيد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف استعداد إيران للمشاركة في بناء بنية أمنية جديدة تنبع من المنطقة نفسها. وهنا نصل إلى نقطة سياسية واستراتيجية شديدة الأهمية: إيران لا ترفض من حيث المبدأ فكرة «الملكية الإقليمية للأمن»، بل تطرح تصورًا قريبًا منها.

وهذا التقاطع ينبغي ألا يضيع.

فالمشكلة التاريخية في الشرق الأوسط لم تكن فقط غياب القوة القادرة على الردع، وإنما غياب النظام الذي ينظم استخدام القوة. كانت المنطقة طوال عقود مسرحًا لتحالفات ومحاور متنافسة: دول تتحالف ضد دول، وقوى إقليمية تبحث عن مظلات خارجية، وقوى دولية تبني ترتيبات أمنية تخدم استراتيجياتها العالمية. وكانت النتيجة أن كل محاولة لزيادة أمن طرف كثيرًا ما أدت إلى زيادة شعور الطرف الآخر بانعدام الأمن.

من هنا يمكن أن تكون لاتفاق مكة وظيفة تاريخية أكبر من الوظيفة التي أنشئ من أجلها مباشرة.

السعودية وتركيا وباكستان تستطيع أن تشكل نواة قوية للردع. لكنها تستطيع أيضًا أن تستخدم هذه القوة لإنشاء شيء مختلف: منظومة تمنع العدوان بدل أن تبحث عن عدو.

والفارق بين الأمرين جوهري.

إذا كان المبدأ المؤسس هو مواجهة إيران، فنحن أمام تحالف. وإذا كان المبدأ المؤسس هو أن العدوان على أي دولة في المنطقة مرفوض أيًا كان مصدره، فنحن أمام بداية نظام للأمن الجماعي.

عندئذ لا يعود السؤال: هل تنضم إيران إلى «تحالف مكة» بشروطه العسكرية الحالية؟ فهذا قد يكون سؤالًا سابقًا لأوانه. السؤال الأصح هو: هل يمكن أن تصبح النواة الدفاعية التي أنشأتها السعودية وتركيا وباكستان جزءًا من منظومة إقليمية أكبر تستطيع إيران والعراق ومصر وسوريا ودول الخليج المشاركة فيها؟

يمكن تصور هذه المنظومة على أكثر من مستوى. تبقى النواة الثلاثية، ومعها من يرغب لاحقًا، إطارًا للدفاع المشترك والتعاون العسكري. وتقوم حولها دائرة أوسع للأمن الإقليمي تشمل الدول التي لا تريد التزامًا عسكريًا تلقائيًا، لكنها تقبل مجموعة من القواعد الملزمة: احترام السيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام أراضي دولة للاعتداء على دولة أخرى، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتأمين الممرات البحرية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وإنشاء آليات دائمة للإنذار المبكر وإدارة الأزمات.

بهذه الصيغة يمكن أن تدخل إيران في المنظومة من دون أن تتحول السعودية أو تركيا أو باكستان إلى حلفاء عسكريين لإيران، ومن دون أن تتخلى إيران عن استقلالها الاستراتيجي.

والأهم أن دخول إيران في نظام من هذا النوع لن يكون مكسبًا مجانيًا لها. فالعضوية في منظومة الأمن المشترك تعني التزامات متبادلة. مثلما تلتزم الدول الأخرى بعدم تهديد أمن إيران، تلتزم إيران بدورها بعدم تهديد أمن الدول الأخرى، واحترام سيادتها، وضبط الأدوات المسلحة العابرة للحدود، والقبول بآليات مؤسسية لمعالجة النزاعات.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للنظام الإقليمي: إنه لا يحمي إيران من الآخرين فقط، ولا يحمي الآخرين من إيران فقط؛ بل يحاول تغيير قواعد السلوك التي أنتجت انعدام الأمن لدى الجميع.

كما أن وجود إيران داخل منظومة كهذه يغير طبيعة العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فلا تصبح المنظومة محورًا إيرانيًا في مواجهة إسرائيل، ولا محورًا أميركيًا–إسرائيليًا في مواجهة إيران. المبدأ ينبغي أن يبقى واحدًا: أمن المنطقة لا يتحقق بهيمنة دولة على الدول الأخرى، ولا بحق دولة في الاعتداء على دولة أخرى بذريعة أمنها، ولا باستخدام أراضي المنطقة ساحات للحروب بالوكالة.

ولهذا فإن الموقف الإيراني الحالي يمثل فرصة ينبغي اختبارها سياسيًا، لا الاحتفاء بها بلا شروط ولا رفضها بسبب تاريخ الصراعات السابقة.

فالاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، وإنما في الاستعداد للانتقال من مفهوم توازن القوى إلى مفهوم قواعد الأمن المشترك.

إذا كانت إيران مستعدة فعلًا للقبول بنظام إقليمي يقوم على السيادة وعدم الاعتداء وعدم التدخل وتسوية النزاعات، فإن دعوتها إلى المشاركة ينبغي أن تؤخذ بجدية. وإذا كانت السعودية وتركيا وباكستان جادة في قولها إن اتفاق مكة ليس موجهًا ضد دولة بعينها، فإن فتح مسار للحوار الأمني مع إيران سيكون البرهان العملي الأقوى على ذلك.

عندها يمكن أن يصبح اتفاق مكة أكثر من اتفاق دفاعي ناجح.

يمكن أن يصبح نقطة البداية في الانتقال من شرق أوسط تحكمه موازين الخوف إلى شرق أوسط تحكمه قواعد الأمن المشترك.

وهذه، إذا تحققت، ستكون أهم بكثير من إنشاء تحالف عسكري جديد في منطقة لديها من التحالفات والأسلحة ما يكفيها، لكنها ما تزال تفتقر إلى الشيء الأهم: نظام يجعل أمن كل دولة جزءًا من أمن الجميع، لا تهديدًا له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *