صولة الفجر بين مكافحة الفساد وخطر النفط العراقي
أطلقت حكومة علي فالح الزيدي عملية صولة الفجر فجر 28 حزيران 2026. وجاءت العملية في ظرف اقتصادي ومالي وسياسي بالغ الصعوبة.
لكن هذه الحملة لا تبدو جديدة تماماً من حيث البواعث والوسائل والنتائج. فقد عرف العراق حملات مشابهة، ثم انتهت أغلبها بلا نتائج حقيقية.
ومن هنا، لا تكفي العناوين الكبيرة لفهم ما يجري اليوم. بل يجب قراءة الحملة ضمن تاريخ طويل من شعارات مكافحة الفساد.
خلفية تاريخية مختصرة
لم تشكل أي حكومة عراقية، بعد الاحتلال الأميركي بسنتين، استثناءً حقيقياً في هذا الملف. فقد أنشأت كل حكومة تقريباً جهازاً أو حملة لمكافحة الفساد.
شكّل نوري المالكي مجلساً لمكافحة الفساد، وكرر حديثه عن ملفات ضخمة. لكنه قال إنه لا يريد فتحها حتى لا تنهار “العملية السياسية”.
وكان يقصد بهذه العبارة منظومة الحكم الطائفية التوافقية القائمة. لذلك بقيت الملفات أداة تهديد، لا طريقاً للمحاسبة.
ثم جاء حيدر العبادي، فأسس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد. كما استمر هذا المجلس في عهد عادل عبد المهدي.
لكن انتفاضة تشرين 2019 أسقطت حكومة عبد المهدي سياسياً. وكانت من شعاراتها إسقاط حكم الفساد واستعادة الوطن.
من الكاظمي إلى السوداني
وصل مصطفى الكاظمي إلى رئاسة الوزراء بعد انتفاضة أغرقت بالدماء. لذلك حاول أن يقدم نفسه بوصفه عنواناً جديداً.
شكّل الكاظمي ما سماه اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد. واعتقلت اللجنة عدداً من المتهمين.
لكنها لم تقدم إنجازات ملموسة وشفافة. كما لم تمنح الرأي العام صورة واضحة عن مسار التحقيقات.
ثم جاء محمد شياع السوداني، وسار على المنوال نفسه. فشكل لجاناً وهيئات متعددة لمكافحة الفساد.
ومع ذلك، أطلق السوداني سراح متهمين اعتقلتهم حكومة الكاظمي. كما اتهم لجنة الكاظمي بممارسة التعذيب الجسدي والنفسي.
واعتقل بعض أعضاء تلك اللجنة، بينما فر آخرون إلى الخارج. وهكذا دخل ملف الفساد في دورة انتقامية جديدة.
سرقة القرن ونور زهير
افتتح السوداني عهده بصيد كبير من أواخر أيام حكومة الكاظمي. وتعلق ذلك بما عرف إعلامياً باسم سرقة القرن.
ظهر نور زهير على شاشات التلفزيون وهو مكبل اليدين. كما ظهر السوداني قرب أكوام من رزم العملات المضبوطة.
ثم تبيّن أن المبلغ المسترجع لا يبلغ عُشر المال المختلس. وقد اتُهم زهير وآخرون بسرقة الأمانات الضريبية بوصولات مزورة.
لكن السلطات أفرجت عن المتهم بموجب تسوية تعهد فيها بإعادة ما سرق. ولم يعد شيئاً إضافياً لاحقاً، بحسب ما يورد النص.
ثم ظهر خارج العراق، وتحدى القضاء في تسجيل تلفزيوني. وقال إنه سيكشف الرؤوس الكبيرة التي شاركت في الجريمة.
بعد ذلك، صمت الجميع عن قصة سرقة القرن. غير أن الملف عاد إعلامياً قبل أسابيع مع أرقام أكبر.
فقد ذكرت مصادر أن المبلغ لا يقف عند ثلاثة تريليونات دينار. بل قد يصل إلى ثمانية تريليونات دينار عراقي.
وصول الزيدي إلى السلطة
مع انتهاء عهد السوداني، وصل الزيدي إلى رئاسة مجلس الوزراء. وجاء ذلك بعد رفض ترامب تكليف نوري المالكي بالمنصب.
وصل الزيدي إلى الرئاسة بطريقة غامضة فاجأت الجميع. فهو رجل أعمال شاب وشبه مجهول في المجال السياسي.
جمع الرجل ثروة ضخمة من الصفر تقريباً خلال وقت قصير نسبياً. لذلك دارت شبهات كثيرة حول مسار صعوده المالي.
كما أحاطت شبهات بشركة الأويس، المختصة بتوريد المواد الغذائية. وترتبط هذه المواد بما يعرف بالبطاقة التنموية.
ووجهت له اتهامات برلمانية بالفساد والتعامل مع فاسدين في وزارة التجارة. غير أن هذه الاتهامات سرعان ما جرى التحفظ عليها.
استمر الزيدي في مشاريعه، وأسس وأدار بنوكاً وكليات أهلية. ولم يعرف له نشاط سياسي واضح قبل ذلك.
غير أنه ظهر مرة واحدة في صورة مع شباب من منظمات المجتمع المدني. وكانوا يزورون القنصلية الأميركية في البصرة قبل سبع سنوات تقريباً.
وقد التقوا هناك بالقنصل الأميركي تيمي ديفيس. لذلك استحضر خصومه تلك الصورة في تفسير صعوده اللاحق.
لماذا لا تبدو الحملة جديدة؟
يؤكد هذا السرد السريع أن شعارات مكافحة الفساد ليست جديدة. كما يؤكد أن العمليات الحكومية لم تنتج تحولاً حقيقياً.
فالسبب، وفق النص، يعود إلى نظام حكم توافقي قائم على المحاصصة الطائفية. وهذا النظام يحمي الفاسدين بدل محاسبتهم.
فكل طرف يسكت على فاسد من طائفته أو مكونه. وفي المقابل، يسكت الطرف الآخر على فاسد من مكون آخر.
لذلك، تسمح ركائز النظام الدستورية والسياسية بالفساد. كما تمنح الفاسدين مظلة حماية متبادلة.
سرية التحقيقات وغياب الشفافية
جرت عمليات الاعتقال والتحقيق بسرية أو شبه سرية. كما افتقرت إلى الشفافية بصورة شبه كاملة.
وأحياناً لا يعرف الرأي العام من اعتقل من. ولا يعرف أيضاً بماذا اتهم المعتقلون.
كما لا يعرف الناس الأدلة الجرمية المضبوطة رسمياً معهم. وهذا يفتح باب الظلم والتلاعب والتستر.
أما سرقة القرن، فلا يعرف العراقيون حتى الآن مبلغها الدقيق. ولا يعرفون سبب إطلاق المتهم الأول نور زهير.
كما لا يعرفون إن كان قد هدد فعلاً بفضح شركائه من أركان الحكم. ولا يعرفون مصير المليارات التي وعد السوداني باستعادتها.
ومن هنا يطرح النص سؤالاً واضحاً. هل عجز الإنتربول فعلاً عن اعتقال نور زهير؟
كما يسأل لماذا سكتت صولة الفجر عن هذا الملف. ولماذا تجاهلت ملفات جاهزة في هيئة النزاهة؟
وقد تحدى النائب السابق أمير المعموري الزيدي أن يفتح تلك الملفات. وذكرها للرأي العام بالأسماء والأرقام قبل أيام قليلة.
قنبلة دخانية لتغطية مشروع أخطر
منذ البداية، شكك كثيرون في حملة الزيدي وصلته الفجرية. فقد خف زخمها سريعاً، ثم هدأت بصورة واضحة.
كما أطلقت السلطات سراح بعض المعتقلين. ولم توسع الحملة لتشمل كل العراق.
وتجنب الزيدي، بحسب النص، الإقليم الكردي المدلل أميركياً. كما تجنب محافظة البصرة الأغنى بالنفط والغاز.
وتسيطر على إدارة البصرة قوى عشائرية نافذة. لذلك بدا استبعادها من الحملة علامة سياسية لافتة.
ثم أعلن الزيدي أنه يتجه إلى تسويات مع المتهمين. وقدم ذلك بوصفه طريقاً لاسترجاع الأموال المنهوبة.
لكن المشككين رأوا في صولة الفجر قنبلة دخانية. وقالوا إن أصحاب القرار يريدون تمرير مشروع اقتصادي أخطر.
وبحسب هذا الرأي، يهدد المشروع بتسليم النفط العراقي كغنيمة حرب لإدارة ترامب. لذلك يصبح ملف الفساد غطاءً لا جوهراً.
الاستغلال الأمني الأميركي للحملة
يمكن غض النظر مؤقتاً عن المنحى الأمني الأميركي في الحملة. لكن هذا المنحى يظل خطيراً في قراءة النص.
فقد تحركت قوات أميركية خاصة في فجر الحملة نفسه. كما استخدمت معدات وعربات وزياً أميركياً واضحاً.
وداهمت هذه القوات منازل نواب مؤيدين أو محسوبين على المقاومة الإسلامية. وعرف من بينهم النائب حسن مؤنس.
وقد تمكن مؤنس من الفرار قبل اعتقاله. ومع ذلك، يفتح الحدث سؤالاً عن حدود القرار العراقي في الحملة.
أوليات برنامج الزيدي
قبل إطلاق الحملة بيوم واحد، طرح الزيدي عبر الإعلام الأميركي بعض أوليات برنامجه. وهذه الأوليات تحمل دلالات خطيرة.
أولاً، يريد حصر المشاريع الاستثمارية العراقية بالشركات الأميركية. وهذا يعني ربط الاقتصاد العراقي بجهة واحدة.
ثانياً، يريد نزع سلاح المقاومة الإسلامية العراقية في سقف زمني محدد. وقد حدد النص نهاية أيلول القادم موعداً أقصى.
ثالثاً، طرح مشروعاً سيادياً للثروة من النفط العراقي. ويقضي المشروع بضخ النفط إلى خزانات الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي.
وسيتوقف النص هنا عند المشروع الأخير. فهو الأخطر على سيادة العراق وثروته النفطية.
نصف مليون برميل للاحتياطي الأميركي
ورد خبر الصندوق أولاً في عبارة ملتبسة للزيدي. وقد قالها للصحافية الأميركية هادلي غامبل في 27 حزيران.
قال الزيدي إن حكومته ستخصص 500 ألف برميل نفط يومياً. والهدف المعلن هو تجديد الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي.
ثم ربط الزيدي هذه الخطوة بملف أوبك. وقال إن العراق سيدرس تعليق عضويته إذا منع من الإنتاج بما يناسب إمكاناته.
ومعروف أن العراق من الدول المؤسسة لأوبك. فقد عقد مؤتمرها التأسيسي في بغداد بين 10 و14 أيلول 1960.
كما يعرف كثيرون أن إنهاء دور أوبك هدف ثمين لدى ترامب. لذلك لا يبدو كلام الزيدي تفصيلاً فنياً عادياً.
ماذا يقصد الزيدي بالصندوق؟
لم يفهم الجمهور هل سيبيع العراق هذه الكمية بسعر السوق. كما لم يعرف إن كانت تبرعاً أو مساهمة أو ترتيبا آخر.
ثم تدخل مستشارون وخبراء حكوميون لتفسير الكلام. وقالوا إن الأمر يتعلق بتأسيس صندوق مالي.
وسماه بعضهم صندوق ثروة سيادي يبدأ بنصف مليون برميل يومياً. ثم قد يرتفع إلى مليوني برميل يومياً.
وهذه الكمية تتجاوز نصف إنتاج العراق قبل الحرب على إيران. لذلك لا يمكن التعامل معها كرقم عابر.
وقال آخرون إن الاسم الأدق هو صندوق خاص للطاقة والتنمية. ويهدف إلى تحويل جزء من النفط العراقي إلى تمويل طويل الأمد.
ويزعم هؤلاء أن المال لن يذهب إلى الإنفاق السريع. بل سيذهب إلى الكهرباء وترميم البنى التحتية المتهالكة.
كما ستفتح حسابات الصندوق في مؤسسات مصرفية أميركية. وقد يصل رصيده لاحقاً إلى 400 مليار دولار.
ثم تستخدم هذه المبالغ لعقد اتفاقيات مع شركات أميركية حصراً. وبذلك يصبح النفط العراقي مدخلاً لاحتكار اقتصادي أميركي.
إضافة إلى ذلك، يفكر الزيدي في إشراك البنك المركزي العراقي. كما يطرح اكتتاباً عاماً، ويدعو السعودية والإمارات وقطر.
وقد يدعو أيضاً الصناديق والبنوك الأميركية والأوروبية للمساهمة. وهنا يتسع المشروع إلى شبكة مالية عابرة للسيادة العراقية.
صندوق سيادي تحت سيادة الاحتلال
اعتبر كثيرون فكرة صندوق سيادي نفطي عراقي تحت السيادة الأميركية نكتة سوداء. كما رأوا فيها تنازلاً عن نصف النفط العراقي.
فصناديق الثروة السيادية لا تنشأ خارج الدول. كما لا تعمل تحت سيادة وحماية دولة أخرى.
وتقدم قصة الصندوق الكويتي مثالاً واضحاً. فقد أنشأت الكويت أول صندوق سيادي سنة 1953 على أرضها.
ورغم محدودية سيادتها آنذاك، أبقت الصندوق تحت إشرافها. كما منحت الصندوق حصانة وسرية كاملتين.
واليوم يبلغ رصيد الصندوق الكويتي نحو تريليون دولار. وقد أنشأته الكويت للأجيال القادمة عند نضوب النفط.
بعد الكويت، أنشأت دول عدة صناديق ثروة سيادية. وتمتلك الصين الشعبية اليوم صندوقين كبيرين.
يملك الأول أصولاً بالعملات الأجنبية تقترب من تريليوني دولار. كما يملك الثاني أصولاً محلية تعادل تريليوني دولار.
ويبلغ رصيد الصندوق النرويجي نحو تريليونين ومئة مليار دولار. وكل هذه الصناديق تعمل داخل بلدانها وتحت رقابة دولها.
أما الزيدي، فيريد صندوقاً من نفط العراق داخل خزانات أميركا. كما يريده تحت قرار الرئيس ترامب وسيادته الفعلية.
ترامب والنفط العراقي
يستحضر النص تجربة ترامب مع النفط بوصفها مؤشراً خطيراً. فقد هدد ترامب علناً بالاستيلاء على النفط العراقي سابقاً.
وفي مؤتمر استضافته NBC يوم 7 سبتمبر 2016، تحدث ترامب عن كلفة حرب العراق. وقال إن أميركا أنفقت أكثر من 3 تريليونات دولار.
كما قال إن بلاده فقدت آلاف الأرواح ولم تحصل على شيء. ثم ختم منطقه بفكرة أن الغنائم تعود للمنتصر.
لذلك يرى النص أن إرسال النفط العراقي إلى خزانات أميركا يمنح ترامب ما أراده. ويحوّل الثروة العراقية إلى ورقة أميركية مباشرة.
عجز العراق عن حماية أمواله
يقدم الزيدي خطته بينما يعجز العراق عن حماية عائداته النفطية. فلا تتحكم حكوماته فعلياً بحركة هذه الأموال.
ويقول النص إن البنك الفيدرالي الأميركي يتحكم بالصرف والخزن والحركة المالية. كما يرى أن السيادة على العائدات ليست عراقية كاملة.
فالرئيس الأميركي يجدد سنوياً قرار حماية هذه الأموال. ويحميها من مطالبات دولية وشخصية مرتبطة بحروب النظام السابق وما بعدها.
وقد أثبتت الحكومات العراقية عجزها عن معالجة هذا الملف. وربما لم ترد، لسبب ما، إخراج الأموال من سيادة القرار الأميركي.
ومن هنا، يبدو مشروع الصندوق الجديد أعمق خطراً. فهو يضيف النفط نفسه إلى بنية الارتهان المالي القائمة.
لا خلاف جوهرياً بين الزيدي والإطار
يدفع التدقيق في مقدمات الحدث إلى نتيجة سياسية. فلا يبدو الخلاف جوهرياً بين الزيدي والإطار التنسيقي.
فالإطار وافق على تنصيب الزيدي من خارج العملية السياسية. وهذا يكشف، بحسب النص، وجود تفاهم أعمق.
لقد وصل الإطار التنسيقي إلى قناعة بأن حكمه فشل نهائياً. كما أدرك أن الدولة العراقية مفلسة فعلياً.
فالرواتب ومخصصات الفقراء والعاطلين تدبر بالقروض الداخلية والخارجية. وقد اعترف الزيدي بأن المديونية بلغت 208 تريليونات دينار.
وسوف تتضاعف هذه المديونية بعد تدبير رواتب الأشهر القادمة. لذلك شعر الإطار بأن الحكم قد يفلت من يديه.
كما يخشى الإطار والبيوتات الشيعية ومراجعها وحلفاؤها الكرد والعرب السنة عودة التيار الصدري. ويرون في ذلك كارثة سياسية حقيقية.
لذلك، يقبلون بصفقة مذلة مع ترامب لمنع هذا الاحتمال. ومن هنا وافقوا على المرشح الأميركي المفاجئ علي الزيدي.
حدود صولة الفجر
يرى النص أن حملة الزيدي ضد الفساد لن تستمر طويلاً. كما يرجح أنها لن تمس الحيتان الكبيرة.
حتى الآن، اكتفى الزيدي بكبس بعض الأسماك الصغيرة. ولم يقترب من زعامات الفساد في الصف القيادي الأول.
ويقصد النص من يسميهم الخمسة الكبار من الساسة الشيعة. كما يضيف زعامات آل طالباني وآل برزاني الكردية.
ويضيف أيضاً آل الحلبوسي والخنجر من العرب السنة. لذلك تبقى الحملة، في نظره، دون السقف الحقيقي.
فالفاسدون الكبار لن يصمتوا إذا رأوا الزيدي يستولي على غنائمهم. وهم يعرفون من هو الزيدي، كما يملك هو ملفات ضدهم.
وقد يغامر طرف متضرر بعمل متهور يزيد المشهد تعقيداً. لذلك لا يدل الرهان الأميركي على الزيدي كنموذج سادات على ذكاء سياسي.
إنهاء مشروع الصين
يرى النص أن الزيدي والإطار مأموران بإنهاء مشروع النفط مقابل الإعمار مع الصين. ورغم محدوديته، يريدون تصفيته.
ثم يريدون استبداله بصندوق ضخم وسريع مع الولايات المتحدة. يبدأ الصندوق بنصف مليون برميل، ثم يصعد إلى مليوني برميل يومياً.
بينما لا يتجاوز تمويل الصندوق مع الصين 100 ألف برميل يومياً. لذلك يبدو المشروع الأميركي أكبر وأخطر بكثير.
ويصف النص هذا المشروع بأنه مشبوه وخطير. فهو ينقل الثروة النفطية إلى خزانات الاحتياطي الأميركي.
كما لا يعرض خطة حقيقية ومعلنة للإعمار أو التنمية. وحتى رفع الحرج لا يظهر في تفاصيله.
ويتساءل النص: هل يعقل أن ينقل العراق ثروته إلى أميركا؟ خاصة أن دولاً كثيرة تهرب من الاستثمار في الولايات المتحدة.
فالصين والسعودية وغيرهما خففت سندات الخزانة الأميركية تدريجياً. وجاء ذلك بعد تجارب تجميد ومصادرة أموال أجنبية.
وقد طالت هذه التجارب روسيا وإيران وغيرهما. لذلك يبدو الاستثمار السيادي في أميركا أكثر خطورة.
احتمالان سوداويان
ينتقل النص إلى احتمال سوداوي ثانٍ. فإذا لم تنه قوى الفساد تجربة الزيدي بعنف، فقد تعزله برلمانياً.
وقد يحاول الإطار التنسيقي، أو جزء منه، إسقاط الزيدي بتصويت برلماني. ثم يأتي بشخص آخر أكثر قابلية للإدارة.
وفي هذه الحالة، لن يدافع عنه إلا الحزبان الكرديان بأمر أميركي. كما سيدافعان عنه لأنه لم يمس فاسدي الإقليم.
ومع ذلك، لن تنقذه مقاعدهما الستة والأربعون وحدها. فهي لا تكفي لإبقاء حكومته إذا اتسع الانقلاب البرلماني.
أما الاحتمال الثالث، فيرتبط بسيرورة الأحداث إذا استمرت الحالة. وهو احتمال ضعيف، لكنه بالغ الخطورة.
فقد يقدم الزيدي، بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، على حل البرلمان. ويستند في ذلك إلى المادة 64 أولاً.
وعندها قد يدخل الجميع في اقتتال داخلي واسع. وسيدافع كل طرف عن غنائمه السياسية والمالية.
وقد تتدخل القوات الأميركية الموجودة في أربيل وغيرها. وعندها قد يتحول العراق إلى حالة احتلال أميركي مباشر.
كما قد تواجهه مقاومة مسلحة مفتوحة. وهذا السيناريو، وإن بدا بعيداً، يكشف خطورة المسار الحالي.
عدم دستورية الصندوق النفطي
تمثل خطط الزيدي لإنشاء صندوق سيادي بالنفط العراقي على الأراضي الأميركية تفريطاً صريحاً. كما تمثل مغامرة بثروة العراق النفطية.
وينص الدستور العراقي النافذ على أن النفط والغاز ملك حصري للشعب العراقي. لذلك يثير المشروع إشكالاً دستورياً مباشراً.
ومن المتوقع أن يبادر محامون وخبراء وطنيون إلى مقاضاة حكومة الزيدي. وسيطلبون من المحكمة الاتحادية وقف هذه الخطط اللاسيادية.
فالمشروع، في نظرهم، يخالف المادة 111 من الدستور. وتنص هذه المادة على أن النفط والغاز ملك كل الشعب العراقي.
ويشمل هذا الملك كل الأقاليم والمحافظات. لذلك لا تملك الحكومة حق نقله إلى سيادة مالية أجنبية.
سابقة شركة النفط الوطنية
سبق لخبراء النفط والاقتصاد الوطنيين أن أسقطوا مشروع قانون شركة النفط الوطنية. وحدث ذلك في أيلول 2022.
وجاء القرار في عهد حكومة مصطفى الكاظمي. وقد استند إلى ضرورة حماية المال العام والثروة النفطية.
وقالت المحكمة في أسباب حكمها إن عدم إيجاد سبل لحفظ المال العام يمثل خرقاً للدستور. كما ربطت ذلك بغياب العدالة الاجتماعية والانتماء الوطني.
ومن هنا، يرى النص إمكانية إسقاط مشروع الزيدي أمام المحكمة الاتحادية. كما يرى ذلك طريقاً لإنقاذ ثروة الأجيال العراقية.
ماذا يقول القضاء العراقي عن التسويات؟
صرح الزيدي في اليوم الثاني من صولة الفجر بأنه يتجه إلى تسويات قضائية. ويريد بذلك استرجاع الأموال من بعض المعتقلين بالفساد.
لكن النص يرى أن التصريح لا يعكس معرفة دقيقة بالقضاء العراقي. فالنظام العراقي يختلف عن النظام الأميركي في التسويات.
في القضاء الأميركي، يتولى الادعاء العام عقد الصفقات مع المتهمين. ثم يقرر القاضي قبول التسوية أو رفضها.
كما أن الادعاء العام الأميركي جزء من السلطة التنفيذية. لذلك تملك الإدارة هامشاً أوسع في هذا المجال.
أما في العراق، فالادعاء العام يتبع مجلس القضاء الأعلى. ولا يتبع السلطة التنفيذية ولا رئيس الحكومة.
لذلك، لا يمثل الزيدي السلطة القضائية. ولا يملك حق عقد صفقات مع الفاسدين وإطلاق سراحهم.
هو يمثل السلطة التنفيذية فقط. أي يعتقل ويحقق ويقدم النتائج إلى القضاء المختص.
اتفاقية الأمم المتحدة والتسويات
حتى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا تمنح حصانة مجانية. فهي تشترط، عند التسوية، إرجاع الأموال المنهوبة بالكامل.
كما تلزم المدان بدفع الغرامات أو الفوائد السنوية. ولا تعني التسوية عفواً مجانياً عن الجريمة.
كما يجب أن تحصل التسوية على موافقة القضاء. وهذا شرط أساسي في أي مسار قانوني سليم.
إضافة إلى ذلك، لا تطبق دول أوروبية كثيرة هذه الاتفاقية بصورة واسعة. لذلك لا يستطيع الزيدي استخدامها كما يشاء.
ولا يوجد في الاتفاقية نص يمنح الفاسد حصانة. كما لا يوجد نص يلزم الدولة بإطلاق سراحه إذا أعاد المال.
الخلاصة
في المحصلة، تبدو صولة الفجر جعجعة بلا طحين حقيقي حتى الآن. فهي لم تمس ملفات الفساد الكبرى.
كما تبدو الحملة غطاءً لمشروع أخطر يتعلق بالنفط العراقي. فالمشروع يريد نقل جزء كبير من النفط إلى القرار الأميركي.
وإذا لم يوقف القضاء والخبراء هذا المسار، فقد يخسر العراق جزءاً من سيادته النفطية. كما قد يخسر حق الأجيال القادمة في ثروتها.
لذلك، لا يكفي اعتقال بعض الصغار أو عقد تسويات غامضة. بل يجب فتح الملفات الكبرى، وحماية النفط، ومنع أي صندوق خارج السيادة العراقية.
فمكافحة الفساد لا تبدأ من الضجيج الأمني. بل تبدأ من الشفافية، والدستور، واسترداد المال العام، وحماية النفط العراقي.


