الليبرالية الجديدة وحلول الترقيع
حذّر خبراء أجانب وعراقيون من توقيت رفع سعر الدولار. فقد كان الاقتصاد العراقي يعيش ركوداً واضحاً.
كما توقفت قطاعات خاصة وإنتاجية وسلعية كثيرة. لذلك بدا القرار خطراً على المجتمع والاقتصاد.
لكن هؤلاء الخبراء ظلوا داخل حلول جزئية وترقيعية. ورغم فائدتها النسبية، لم تقترب من الجذر.
لقد واصلوا تقديم النصح إلى حكام لا يسمعون إلا أنفسهم. كما ظلوا يخاطبون مستشارين يدورون في الحلقة نفسها.
وطلبوا من الحكومة التريث في القرارات. كما نصحوا بتحقيق توافق سياسي مع الكتل الأخرى.
لكن السؤال يبقى قائماً. هل يمثل التريث في التنفيذ حلاً حقيقياً؟
وهل يحل التدرج في التطبيق أصل المشكلة؟ أم يؤجل الانفجار فقط؟
هرمز والطاقة النفطية العراقية
وفي المناسبة، حتى إذا فُتح مضيق هرمز، فلن يعود العراق سريعاً إلى طاقته السابقة.
فاستعادة كامل الطاقة الإنتاجية والتصديرية من النفط تحتاج وقتاً طويلاً. وقد تحتاج إلى ستة أشهر على الأقل.
لذلك، لا تكفي المعالجات السريعة. كما لا تكفي الوعود الحكومية التي تتجاهل بنية الأزمة.
ومن هنا، تصبح الأزمة أعمق من سعر صرف. فهي تتعلق بطبيعة القرار الاقتصادي والسياسي.
مخاوف د. المرسومي من بيع الدولة
أبدى د. المرسومي مخاوفه من بيع ممتلكات الدولة. فقد رأى أن البيئة العراقية تفتقر إلى النزاهة.
كما استحضر انهيار المنظومة السوفيتية السابقة. واعتبرها مثالاً حياً على خطر الخصخصة العشوائية.
فقد خسرت روسيا، وفق تقديره، 3000 تريليون دولار. كما ارتفع مستوى الفقر بصورة حادة.
إضافة إلى ذلك، انخفض مستوى المعيشة بقوة. ووصل المجتمع الروسي إلى حافة المجاعة.
وقد حدث ذلك بعد أن حققت روسيا قفزة حداثية كبرى. فقد انتقلت من التخلف القيصري إلى موقع القطب العالمي الثاني.
ورغم كل نقائص التجربة الاشتراكية الستالينية، كان يمكن علاج سلبياتها داخلياً. لكن الانهيار فتح باب النهب الواسع.
الخصخصة العشوائية لا تنقذ الدولة
نبّه د. المرسومي أيضاً إلى خطورة البدائل العشوائية. وخصّ بالتحذير خطط الحكومة العراقية الجديدة.
فرأى أن الأصول الحكومية تساوي تريليونات الدولارات. لكن الحكومة قد تبيعها بأسعار رمزية.
وهذا، في تقديره، لا يخدم الدولة ولا الشعب. بل يخدم شبكات المصالح والمال السياسي.
مع ذلك، دعا أصحاب القرار إلى دراسة الملف بتأنٍ شديد. كما دعاهم إلى اتباع أسلوب التدريج في الحل.
وبمعنى آخر، ينصح د. المرسومي الحاكمين بالتأني. لكنه لا يدعوهم إلى اكتشاف سبل تفادي المصيبة.
ومن هنا يأتي الاعتراض الأساسي. فالتدرج في السم لا يغير طبيعته.
المرسومي والانسحاب من الشأن العام
يمثل د. المرسومي رجل علم وأكاديمياً محترماً. وقد قدم جهداً مميزاً في ميدانه.
لكنه، للأسف، أعلن اعتزاله الشأن العام قبل أيام. وجاء ذلك بعد إشكال مع موظفين صغار في مجلس النواب.
فقد عامله هؤلاء بنوع من التنمر وانعدام اللياقة. كما هددوه بمقاضاته بعد أن كشف إحدى أكاذيبهم.
وتعلقت تلك الأكذوبة بعدد موظفي البرلمان. كما تعلقت بالأموال الهائلة التي يتقاضونها رواتب.
وقد استند د. المرسومي إلى أرقام وإحصاءات رسمية. وجاءت هذه الأرقام في قانون الموازنة المصادق عليه.
لذلك، يجب التضامن معه ومع كل أكاديمي عراقي مستقل. فاضطهاد الرأي لا يبني دولة ولا معرفة.
لكن هذا التضامن لا يمنع المصارحة. ويجب أن نقول له وللرأي العام ما نراه صائباً.
السم الزعاف يبقى سماً
تواجه البلاد كوارث محدقة بالشعب والوطن. لذلك لا يكفي أن نخفف سرعة الوقوع فيها.
فالسم الزعاف يبقى سماً. ولا فرق بين من يتجرعه بالتدريج أو دفعة واحدة.
كما أن الليبرالية الجديدة في الاقتصاد تشبه هذا السم. وقد أثبتت تجارب كثيرة خطورتها.
ومن هنا، لا تكفي نصائح التدرج والتأني. بل يجب رفض المسار كله إذا كان يقود إلى الخراب.
ورقة الكاظمي البيضاء
أما في تفاصيل مشاريع حكومة الزيدي، فقد ذكّر د. المرسومي بورقة الكاظمي البيضاء.
ظهرت هذه الورقة في عهد مصطفى الكاظمي. وقدمت نسخة صغيرة وبائسة من الليبرالية الجديدة.
وقد فصلت الورقة هذه الوصفة على مقاسات العراق. كما حظيت بدعم دولي من جهات مشبوهة.
ومن هذه الجهات البنك الدولي ومجموعة السبع الرأسمالية الأغنى. وقد وصفوها بأنها وصفة مجربة.
وقالوا إن خبراء ومتخصصين أعدوها لإنقاذ الاقتصاد العراقي من الانهيار. لكن الشيطان نفسه لا يعرف كيف ينهار اقتصاد العراق.
فالعراق يملك ثروات نفطية وغازية ومعدنية وزراعية. كما لم يتعرض لكارثة طبيعية أو غزو من كوكب آخر.
وعود جميلة بلا واقع
روّج الإعلام الرسمي وشبه الرسمي لورقة الكاظمي البيضاء. وقال إنها تقلل الاعتماد الكلي على النفط.
كما قال إنها تطور القطاع الخاص. وتنوع مصادر الدخل، وتصلح مؤسسات الدولة والشركات العامة.
وهذا كلام جميل دون شك. لكنه يعبر عن رغبات وتهويمات لا عن خطط علمية رصينة.
لذلك لم يجد طريقه إلى أرض الواقع. فالمشهد السياسي تقاسمت فيه أحزاب الفساد غنائم الدولة.
وتصرف هذه الأحزاب كما تصرف الغزاة في القرى المغزوة قديماً. لذلك بقيت شعارات الإصلاح حبراً على ورق.
فبناء اقتصاد متنوع الإنتاج لم يتحقق. كما لم تتراجع هيمنة النفط على الناتج المحلي.
ولم تنهض بيئة الأعمال كما وعدوا. كما لم تظهر فرص عمل مستدامة خارج الوظائف الحكومية.
الهروب من أصل الفساد
وعدت ورقة الكاظمي بتخفيف العجز المالي. كما وعدت بالحد من الهدر في الإنفاق العام.
وتكرر ورقة الزيدي الآن الكلام نفسه. لكنها تضيف عداء واضحاً لشبح تسميه الاشتراكية.
غير أن صاحب القرار هرب من معالجة الفساد المالي والإداري. كما تجاهل استرجاع تريليونات الدنانير المنهوبة.
ولم يخفض مرتبات المسؤولين والنواب والرئاسات. رغم أن أرقامها فلكية ولا تشبه حياة العراقيين.
بدلاً من ذلك، اتجهت الخطة إلى الفئات الهشة. فاستهدفت مخصصات الشبكة الاجتماعية.
كما اتجهت إلى وقف التعيينات. وحاولت سابقاً إلغاء البطاقة التموينية.
وتعيش ملايين الأسر العراقية على هذه البطاقة منذ حصار التسعينات. وقد اغتنى الزيدي منها، كما يقول النص، حتى صار مليارديراً.
لكنه اليوم يخطط، وفق ما تسرب من اجتماعاته، إلى إلغائها بجرة قلم. كما يخطط لإلغاء مخصصات الفقراء والأرامل وعوائل الشهداء.
وتشمل الخطط أيضاً فئات هشّة ومهمشة أخرى. لذلك يبدو الإصلاح موجهاً ضد الضعفاء لا ضد الفاسدين.
لماذا برنامج الزيدي أخطر؟
لا يبدو تشبيه برنامج الزيدي بورقة الكاظمي دقيقاً تماماً. رغم أن البرنامجين ينتميان إلى الجوهر نفسه.
فكلاهما ينتمي طبقياً إلى خطط الليبرالية الجديدة. كما يعتمد منطق الصدمة والترويع.
ويشبه المسار الطريقة اليلتسنية في تفكيك الدولة. لكنه قد يكون في العراق أكثر حدة وتشنجاً.
كما قد يضر غالبية العراقيين وثروات بلادهم بصورة أوسع. ولذلك ينطبق على حكومة الزيدي مثل معروف.
إنها تذهب إلى الحج والناس راجعون. فقد تخلت دول كثيرة عن هذه النظرية التدميرية المغامرة.
ونجت دول أخرى لأنها قاومتها. ومن هذه الدول ماليزيا مهاتير محمد في التسعينات.
كما طبقتها بعض الدول باعتدال ثم تخلت عنها. لأن النتائج كشفت خطرها على الدولة والمجتمع.
أسس الليبرالية الجديدة
تقوم الليبرالية الجديدة على إطلاق العنان لقوى السوق. وتضعف دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.
أول هذه الأسس هو الخصخصة. وهي بيع ملكية وإدارة الخدمات والمؤسسات العامة للقطاع الخاص.
وتشمل هذه الخدمات الصحة والتعليم والكهرباء. وغالباً تبيعها الحكومات بأسعار رمزية.
أما الأساس الثاني فهو تحرير الأسواق. ويعني إزالة القيود الحكومية أمام الشركات والمستثمرين.
وهذا يسهل حركة رؤوس الأموال. لكنه قد يفرغ العراق من ثرواته أكثر من ذي قبل.
كما قد يدفع الأسواق إلى موجات غلاء متتابعة. وعندها يدفع المواطن الثمن وحده.
أما الأساس الثالث فهو تقليص الإنفاق العام. ويشمل خفض الدعم والخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين.
ويبررون ذلك بتقليص عجز الموازنة. لكنهم لا يقتربون من نهب المال العام.
أما الأساس الرابع فهو الاعتماد على قوى السوق. ويرون أن المنافسة الحرة تخصص الموارد بكفاءة.
لكن تجارب كثيرة كشفت فشل هذه الآلية. فقد حولت بعض البلدان إلى مساحات بائسة للمهمشين.
ويذكر النص مثال البرازيل. فقد تحولت مناطق غابات واسعة إلى صحارى ومجمعات سكنية فقيرة حول المدن.
تحذيرات المرسومي ليست جديدة
ليست تحذيرات د. المرسومي جديدة. لكن لا يريد أحد سماعها إلا بعد وقوع المصيبة.
يقول المتحدث إن البرنامج الذي يرفعه الزيدي اليوم هو برنامج الورقة البيضاء. وهو نفسه برنامج صندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي.
كما يذكر أن مصطفى الكاظمي رفعه من قبل. ويرى أن البرنامج يحمل إجراءات كثيرة وقاسية.
ومن هذه الإجراءات إلغاء الدعم الحكومي للوقود. كما يشمل تحرير الأسعار، وربما تعويم العملة.
ويشمل أيضاً تخفيض الإنفاق الحكومي. كما يشمل تخفيض الرواتب وخصخصة المشاريع الحكومية والقطاع العام.
وهذه الإجراءات يطلبها صندوق النقد الدولي من الدول المثقلة بالديون. كما يطلبها من الدول ذات المشكلات الاقتصادية البنيوية.
ويضيف المتحدث أن الحكومة ستطبق عشرة إلى اثني عشر إجراءً. ومن هذه الإجراءات تنقيد البطاقة التموينية.
أي تحويلها من مواد غذائية إلى نقود. ثم تأتي خطوة الإلغاء لاحقاً.
كما تشمل الإجراءات تخفيض شبكة الحماية الاجتماعية. وقد تقصرها الحكومة على أعداد محدودة.
وتشمل أيضاً خفض الرواتب. كما توجد موضوعات كثيرة في الطريق إلى التطبيق.
تعويم العملة وخطر الانهيار
أما بخصوص تعويم العملة، فقد حذر د. المشهداني من نتائجه. فقد يعني التعويم انهيار العملة العراقية.
وعندها قد يقفز سعر صرف الدولار من المئات إلى الآلاف. وقد يبدأ السعر بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دينار.
ثم قد يتفاقم الوضع أكثر. ولذلك لا يبدو التعويم إجراءً فنياً محايداً.
بل يمثل مغامرة اجتماعية واقتصادية كبرى. وقد تضرب دخل الفقراء والموظفين بسرعة.
ومن هنا، لا تنفصل سياسة العملة عن العدالة الاجتماعية. كما لا تنفصل عن مستقبل الدولة نفسها.
البديل في التغيير الجذري الاشتراكي
قال د. المرسومي في مداخلته عبارة مهمة جداً. ورغم عموميتها، تحمل معنى سياسياً واضحاً.
قال إنهم اختاروا الإصلاح الاقتصادي المؤلم للناس. لكنه أشار إلى طريق آخر لم تجربه الحكومة.
ويرى أن ذلك الطريق يخفف وطأة الأزمة. لكنه قد يفرض تكاليف سياسية كبيرة على الحكومة.
وبكلمات أخرى، توجد طريقة مختلفة للإصلاح الاقتصادي. وهي لا تعتمد على خطط صندوق النقد الدولي القاسية.
كما لا تؤذي غالبية الشعب العراقي. لكنها تحتاج إلى ثمن سياسي لا تريد الحكومة دفعه.
أين جذر المشكلة؟
السؤال هنا واضح. ما هي الخطوات المختلفة التي يقصدها د. المرسومي؟
وهل يمكن استنتاجها من السياق؟ يبدو أن المسألة لا تقف عند الاقتصاد وحده.
فجذر مشكلة العراق سياسي أولاً. ويتعلق بسيادة البلد واستقلاله المنقوص.
كما يتعلق بطبيعة النظام القائم على الطائفية السياسية. وهذا النظام لا ينسجم مع طبيعة المجتمع العراقي.
لذلك، تحتاج المشكلة السياسية إلى حل سياسي. ويبدأ ذلك بتفكيك نظام المحاصصة والتوافق الطائفي.
كما يحتاج العراق إلى إعادة كتابة الدستور. لكن هذا المسار يمثل انتحاراً سياسياً للنخب الحاكمة الفاسدة.
هل قصد المرسومي هذا الطريق؟
يبدو أن د. المرسومي لا يقصد هذا الجانب على الأرجح. بل يقصد بديلاً اقتصادياً أقل إيلاماً للناس.
وقد يتمثل هذا البديل في فتح معركة واسعة وقاسية مع الفساد. كما يستهدف الفاسدين داخل الدولة.
لكن هذا الحلم صعب المنال. فالفاسدون لا يكافحون الفساد بنجاح.
كما أن اللصوص لا يستطيعون أداء مهمات الشرطة والقانون. ومن هنا تفشل كل حملة يقودها أهل المنظومة نفسها.
لذلك، لا يكفي تغيير العناوين. كما لا يكفي استبدال ورقة بيضاء بورقة أكثر قسوة.
العودة إلى الشعب
ستعود الأمور عاجلاً أو آجلاً إلى الشعب نفسه. فهو الطرف الوحيد القادر على حسم الصراع لمصلحته.
ويحتاج هذا الحسم إلى تغيير جذري وشامل. كما يحتاج إلى استعادة العراق من قبضة نخب الفساد والتبعية.
فقد اختطفت هذه النخب الدولة. كما وضعت ثروات البلد في مسار الخطر.
ومن هنا، يحتاج العراق إلى خطط إصلاح وتنمية حقيقية. ويحتاج إلى أفق اشتراكي شجاع.
فهذا الأفق وحده، في نظر النص، يستطيع إنقاذ العراق وشعبه. كما يستطيع حمايته من خطر الزوال ككيان وشعب وحضارة وثروات.
الخلاصة
في المحصلة، لا تمثل الليبرالية الجديدة إصلاحاً محايداً. بل تمثل مشروعاً طبقياً يهدد الفقراء والموظفين وثروات الدولة.
كما أن برنامج الزيدي لا يخرج عن هذا المسار. بل قد يطبقه بصورة أشد من ورقة الكاظمي البيضاء.
ولذلك، لا يكفي التدرج في تطبيق المصيبة. فالمشكلة لا تكمن في السرعة فقط، بل في الاتجاه نفسه.
أما البديل الحقيقي، فيبدأ من تفكيك المحاصصة. كما يمر عبر مواجهة الفساد واستعادة السيادة والمال العام.
وفي النهاية، يبقى الشعب هو صاحب القرار الأخير. فهو وحده يستطيع إسقاط مسار الخراب وفتح طريق تغيير جذري.


