أمةٌ يباغتها الرعد

الاستشراف العربي وأمة يباغتها الرعد
قراءة في غياب الاستشراف العربي، وصعود الخرافة، وهجرة العقول، وحاجة الأوطان إلى وعي يقود المستقبل لا يباغته الرعد...

الاستشراف العربي وأزمة قراءة المستقبل

بينما تقف في قلب العاصمة الهولندية أمستردام، حيث تسابق مراكز الأبحاث والدراسات الزمن لقراءة تحولات الطقس والسياسة والمجتمع لقرن قادم، تلتفت بقلبك وعقلك نحو جغرافيتك العربية.

وهناك، تجد مفارقة موجعة تدمي القلوب؛ فنحن أمة تملك رادارات متطورة لرصد الأمطار، وتعرف متى يأتي الغيث ومتى يشتد البرد، لكنها تقف عمياء أمام رعود السياسة، وبروق الكوارث الاجتماعية، وثورات الشعوب المباغتة.

هذه الفجوة لا تعبّر عن قصور إداري فقط، بل تكشف غياب فلسفة الاستشراف العربي.

فصانع القرار لدينا يستغرق في حسابات اللحظة الراهنة، ويغرق في جمع العقارات والأموال،

ويرى في الكرسي مغنماً شخصياً لا تكليفاً تاريخياً.

وحين يغيب القائد المستشرف، يتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة لتدبير الصدف، وتصبح الشعوب وقوداً لتحولات يخطط لها الآخرون خلف الحدود.

فراغ التخطيط وصعود الخرافة

ترك هذا الغياب الممنهج للتخطيط فراغاً مرعباً في العقل الجمعي، ولم يكن هذا الفراغ ليبقى شاغراً.

فحين توارى المفكرون، فتحت شاشاتنا أبوابها للدجالين والمشعوذين وقارئي الفنجان والورق، حتى تحولت الخرافة إلى تجارة تدر الملايين.

إن هذا الابتذال ليس عفوياً، بل يمثل استراتيجية تهدف إلى تخدير الوعي العام وتسطيحه.

والشيء بالشيء يُذكر، فقد نبهنا المفكر الفذ مالك بن نبي، في تشريحه لأزمات العالم الإسلامي،

إلى أن العقول حين تفقد القدرة على التفكيك والنقد وقراءة ما وراء الأخبار، تصبح بيئة خصبة للأفكار الدخيلة التي تزرعها أجهزة لا تريد لهذه الأمة أن تنهض.

وفي الوقت الذي يضم فيه الغرب آلاف المراكز الاستشرافية التي تدرس أدق تفاصيل مستقبلنا،

نجد عقولنا مستهلكة في صراعات هامشية، وتكفير متبادل، وتسقيط، ووشاية.

وكأننا نهرب من استحقاقات الحاضر لنحتمي بصراعات التاريخ، بدل أن نبني وعياً قادراً على قراءة الغد.

المثقف الحقيقي وكلفة السؤال

في هذا المشهد المأزوم، يدفع المثقف الحقيقي الكلفة الأكبر. فالأنظمة التي تبحث عن الطاعة العمياء لا تطيق السؤال والمراجعة، ولذلك جعلت المعرفي والمفكر منبوذاً ومحارباً، يواجه إما جدران الزنازين أو جحيم العزلة والكآبة.

وقد دفع هذا الحصار الفكري أبرز العقول العراقية والعربية إلى الهجرة، فتوزعوا في منافي الأرض، من السويد إلى كندا وبريطانيا وهولندا.

وهكذا، تلقفت الدول الغربية هذه الهجرة الجماعية للأدمغة بكل ترحاب، وبنت بها أمجادها وتطورها، بينما فرغت الأوطان من طاقاتها الحية.

وفي غياب هؤلاء، تُرك الحبل على الغارب لمنصات العالم الافتراضي، كي تقود الذوق العام نحو منحدر من السطحية والابتذال.

وهذا المنحدر يستهدف وعي الشباب وقيمهم، في الوقت الذي تدار فيه المناصب بآلية المحسوبية والقرابة، فيُسند قرار الثقافة مثلاً لمن لا يميز بين الألف المقصورة ورقبة البعير.

السياسة الحقيقية في تفاصيل الأرصفة

إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بالانخداع بالشعارات البراقة، ولا بالاستسلام لواقع مأزوم.

فالوجه الحقيقي للسياسة والمستقبل لا يقبع في خطابات السلطة،

ولا في وعود معارضة تقول عكس ما تفعل، بل يختبئ في التفاصيل المجهرية المهملة على أرصفة الحياة.

يمكن أن تلمح هذا الوجه في عيني صبية تبيع المناديل تحت شمس الصيف القائظ، وتلاحق ظل شجرة يتبدل.

كما يمكن أن تراه في المفارقة الموجعة بين نيران آبار النفط المشتعلة في الأفق، وبين أطفال حفاة يبحثون عن الغد بين تلال النفايات.

إن جوهر الأوطان لا يظهر في الخطابات الكبيرة وحدها، بل يُكتب في مناهج التعليم، وفي شكل الشارع، وفي أحوال الأطفال،

وحتى في أقفال الأبواب وحديد النوافذ التي تعكس حجم التوجس من القادم.

ومن هنا، يصبح الاستشراف العربي الحقيقي قراءة للإنسان قبل قراءة الأرقام، وقراءة للهوامش قبل الاكتفاء بواجهات السلطة.

الإنسان هو الثروة الحقيقية

يبدأ تغيير هذا الواقع من الإيمان بأن الثروة الحقيقية لا تكمن في المقدرات المدفونة تحت الأرض.

بل تكمن في انتشال الإنسان المنسي في القاع، وإعادة الاعتبار للعقول التي جرى إقصاؤها أو دفعها إلى المنافي.

ومن هنا، من بلاد الغربة والمنافي، حيث نرقب كيف تبني الشعوب قوتها باحترام أدق تفاصيل مواطنيها،

يبقى الرهان معقوداً على مواجهة الحقائق كما هي بلا تزييف. فلا يمكن لأمة أن تصنع مستقبلها وهي تهرب من تشخيص عللها، ولا يمكن لوطن أن ينهض إذا ظل يطارد مفكريه ويفتح الشاشات للمشعوذين.

ولذلك، ينبغي أن تتحول الأوطان من مجرد غصّة وحكايات نتحسر عليها في المغترب، إلى جغرافيا حية تنبض بالكرامة.

كما ينبغي أن تصنع فعلها الحضاري بيدها، وأن تقود غدها بوعي حقيقي لا تباغته العواصف، ولا يفاجئه الرعد كلما تغير وجه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *