مخاطر الإصابة بالمرض الهولندي

مخاطر الإصابة بالمرض الهولندي
يعكس اعتماد العراق المفرط على النفط إصابته بالمرض الهولندي، إذ جعل الموازنة رهينة للأزمات العالمية، ما يستدعي تنويع مصادر الدخل عبر الغاز والفوسفات والكبريت والسياحة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي...

المرض الهولندي هو تعبير مجازي يطلق على اقتصاديات الدول عندما تعتمد على مصدر واحد او مصدرين لإيرادات الموازنة السنوية مع تراجع واضح في نسب مساهمة باقي المصادر من القطاعات الاقتصادية المختلفة، وترجع أصول التسمية الى النصف الأول من القرن المنصرم عندما تم اكتشاف كميات كبيرة من الغاز الطبيعي في بحر الشمال لتعتمده دولة هولندا بشكل يفوق ال 90% كمصدر لإيرادات الموازنة العامة ولتحقق وفرة اقتصادية للشعب مقرونة بكسل وتراجع لمساهمة باقي القطاعات في إيرادات الموازنة وارتبط الاقتصاد الهولندي بمتغيرات السوق العالمية وما يرافقها من أزمات مهددة البنية الاقتصادية.
وإذا ما قارنا بنية الاقتصاد العراقي حالياً مع بنية الاقتصاد الهولندي في تلك الفترة نجد تشابه كبير من ناحية الاعتماد بنسبة تفوق ال 90% على مصدر او قطاع واحد ليشكل الجزء الأعظم من الإيرادات السنوية مع فارق بسيط هو ان الشعب العراقي لم يألف الوفرة والرفاهية التي تمتع بها الشعب الهولندي خلال فترة الإصابة بهذا المرض
هذه الاعتمادية في العراق كانت لها تداعيات اقتصادية هددت بنية الاقتصاد العراقي لتهدد بدورها باقي البنى المكونة للمجتمع وتعرض الاقتصاد العراقي الى أزمات خانقة وما زال ومن بين الازمات الاقتصادية المعاصرة هي
• ازمة عام 1990 التي حصلت بسبب فرض الحصار الاقتصادي على بيع المنتوجات النفطية العراقية واستيراد السلع ليدخل المجتمع العراقي في سنين عجاف كان من الممكن تلافي البعض من اثارها لو ان العراق امتلك قوة وتنوع في القطاعين الزراعي والصناعي تلبيةً للحاجات المحلية.
• ازمة عام 2008 وهي ازمة مالية عالمية تهاوى فيها سعر برميل النفط من 150 دولار الى 32 دولار بسبب قلة السيولة العالمية الامر الذي اضطر وزارة المالية العراقية الى الغاء الشق الاستثماري من الموازنة المالية السنوية لتلك السنة والإبقاء على الجانب التشغيلي (رواتب ومدفوعات مستحقة) وهذا الشق شمله التخفيض ايضاً.
• ازمة الصدمة المزدوجة 2014-2015 وتمثلت هذه الصدمة بانخفاض أسعار النفط عالمياً لما يزيد عن 50% اذ انخفض سعر البرميل الواحد من 116 دولار الى 50 دولار، تزامن هذا الانخفاض مع احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمساحات واسعة من الأراضي العراقية لذلك سميت بالصدمة المزدوجة وفي سبيل المعالجة لجأت الحكومة العراقية في حينها لما يعرف بالادخار الاجباري بنسبة 3,8% من رواتب الموظفين لتعيد تلك المبالغ فيما بعد مع ارتفاع أسعار النفط واثار هذا الاجراء استياء واضح بين الأوساط الشعبية مع عدم امتلاك الحكومة العراقية لخيارات انية لتجاوز تلك الازمة الخانقة سوى خيار الادخار الاجباري.
• ازمة عام 2020 التي حدثت بسبب تفشي وباء كورونا واغراق السوق بالنفط السعودي والروسي بفعل التنافس الاقتصادي مع تدني الطلب العالمي بسبب الاغلاق الاجباري وحضر التجول بسبب فايروس كورنا الذي تحول من وباء الى جائحة الامر الذي أدى الى تدهور أسعار النفط وتراجع إيرادات العراق السنوية بشكل كبير خلال تلك السنة
• ازمة عام 2026 (حالياً) والتي حدثت بسبب العدوان الأمريكي على إيران والغلق المتبادل لمضيق هرمز وبحر العرب من الجانب الإيراني والامريكي وتبلغ نسبة الصادرات النفطية العراقية عن طريق مضيق هرمز بحدود ال 90% الامر الذي اضطر الحكومة العراقية الى اللجوء الى السحب من الاحتياطي الفدرالي لتأمين الجانب التشغيلي من الموازنة السنوية المتمثل بالرواتب مع بقاء المديونية الداخلية المستحقة للشركات.
هذه الازمات الخانقة التي تعرض لها الاقتصاد العراقي في تاريخه المعاصر تبين بشدة انه مصاب بالمرض الهولندي وعلى الحكومات العراقية المتعاقبة البحث عن حلول ناجعة مستدامة للخروج من تداعيات الإصابة بهذا المرض.

ومن بين المعالجات الممكنة هو العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل فالعراق يمتلك احتياطي مؤكد من الغاز يبلغ ( 7,126) ترليون قدم مكعب وبذلك يحتل المرتبة الحادية عشر في الاحتياطي العالمي بينما يحتل المرتبة 57 في الإنتاج وفي ذلك مفارقة تدل على ان العراق غير مستثمر لموارد الغاز الطبيعي بشكل امثل ومن الملفت للنظر ان العراق خلال سبعينيات القرن المنصرم كان يصدر الغاز الفائض عن حاجته الى دول الجوار بينما انعكس الوضع حالياً لنعتمد على غاز دول الجوار في سبيل تشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية فلو حقق العراق الاستثمار الأمثل في مجال الغاز الطبيعي لخرج من وصف الدولة الريعية وهو وصف مرادف لوصف الإصابة بالمرض الهولندي لا سيما مع رغبة الدول الاوربية بتقليل الطلب على الغاز الروسي مع تصاعد حدة الصراع ما بين دولة أوكرانيا وخلفها الدول الاوربية من جهة ودولة روسيا الاتحادية من جهة أخرى، كذلك يمتلك العراق 9% من احتياطي الفوسفات العالمي ويمتلك ثلثي الاحتياطي العالمي من الكبريت الرسوبي الحر ومن ابرز حقول الكبريت هو حقل المشراق ويدخل الكبريت في صناعة الأسمدة والمبيدات الحشرية والبارود فضلاً عن امتلاك العراق لإمكانية استغلال ملف السياحة الدينية والاثارية بشكل يعظم من إيرادات الموازنة السنوية وهذا ما لا نلمسه حالياً اذ توجد الكثير من المواقع الاثرية بلا شواخص تروي اصل حكايتها بل الانكى من ذلك انها عرضة للاندثار.
وعلى هدىً مما سبق لو استغل العراق القدرات الاستخراجية والامكانيات الاقتصادية التي لديه وكذلك موقعه الجغرافي لكان من الممكن ان يتعافى من الإصابة بالمرض الهولندي وتداعياته على البنية الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *