هوية الاقتصاد العراقي بين الاشتراكية والسوق الاجتماعي
هوية الاقتصاد العراقي تقف اليوم أمام سؤال حاسم: هل المطلوب كسر ما تبقى من الاشتراكية دفعة واحدة،
أم إعادة تموضع دور الدولة داخل آليات السوق الاجتماعي بطريقة تحفظ الإنتاج،
والعدالة، والاستقرار، والسيادة الاقتصادية؟ فالنقاش الذي فتحته حكومة السيد علي الزيدي حول إنهاء ما تسميه “نهج الاشتراكية” لا ينبغي أن يبقى حبيس الشعار السياسي أو التصنيف النظري بين اقتصاد رأسمالي واقتصاد اشتراكي.
فالعراق، في نظر كثير من الخبراء والباحثين والأكاديميين، لا يملك نموذجاً اقتصادياً واضح الملامح.
فهو يوصف مرة بأنه اقتصاد ريعي، ومرة بأنه اقتصاد مختلط، ومرة بأنه اقتصاد مشوه تتحكم به الدولة في الرواتب والإنفاق،
بينما تترك السوق تعمل بلا إنتاجية حقيقية ولا منافسة منظمة.
الدولة والقطاع العام في قراءة الاقتصاد السياسي
في القراءة الماركسية الكلاسيكية، لا ينفصل دور الدولة والقطاع العام عن سؤال السيطرة على أدوات الإنتاج،
خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة. فالقطاع العام، عندما يدار بكفاءة،
يمكن أن يكون أداة لتنظيم الاقتصاد، وضمان المصلحة العامة، ومنع احتكار الموارد الحيوية.
لكن المشكلة لا تكمن في وجود القطاع العام بحد ذاته، بل في طريقة إدارته.
فالقطاع العام المنتج يختلف عن القطاع العام المترهل،
والدولة المنظمة تختلف عن الدولة المتضخمة، والحماية الاجتماعية تختلف عن شراء الولاءات عبر الوظائف والإنفاق غير المنتج.
لذلك، فإن النقاش العراقي لا ينبغي أن يدور حول سؤال مبسط: هل نحن اشتراكيون أم رأسماليون؟ بل حول سؤال أعمق: كيف نبني اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات فعالة، وسوقاً منضبطة، ودولة قادرة على حماية المصلحة العامة دون خنق المبادرة الخاصة؟
جوهر الإشكالية ليس في التوصيف النظري
جوهر الإشكالية لا يتمثل في اختيار نموذج اقتصادي جاهز، ولا في الاستغراق في توصيف الاقتصاد العراقي،
ولا في هندسة انتقال شكلي من الريع إلى السوق.
المشكلة الأعمق تكمن في إعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة الخلل البنيوي الذي يجعل القرارات الاقتصادية ضعيفة الأثر، ومترددة، وخاضعة للتوازنات السياسية.
فأي حديث عن إنهاء الاشتراكية أو تحرير الاقتصاد لن يكون ذا معنى إذا بقيت المؤسسات عاجزة عن تنفيذ السياسات،
وإذا بقيت القوانين ضعيفة التطبيق، وإذا بقيت الإدارة العامة محكومة بالمحاصصة، وإذا ظل القطاع الخاص تابعاً للدولة لا شريكاً منتجاً معها.
ومن هنا، فإن المدخل الحقيقي لا يكون في كسر الاشتراكية بشعار سياسي،
بل في إعادة تموضع الدولة داخل اقتصاد سوق اجتماعي، يحافظ على دورها السيادي والتنظيمي،
ويفتح المجال أمام الإنتاج والاستثمار والمنافسة.
الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق
يعد الانتقال من اقتصاد اشتراكي مخطط وموجه إلى اقتصاد سوق إنتاجي عملية معقدة،
تشمل تحرير الأسعار، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، ومكافحة التضخم،
وتشكيل أدوات للاستقرار المالي والنقدي، والخصخصة، وإنشاء مؤسسات تحمي الملكية الخاصة وتمنع الاحتكار.
لكن هذه العملية ليست وصفة حسابية يمكن نقلها من بلد إلى آخر. فهي ترتبط بطبيعة الدولة،
ومستوى نضج المؤسسات، ودرجة الثقة الاجتماعية، وحجم القطاع العام،
وقدرة السوق على امتصاص الصدمات، ووجود شبكات حماية اجتماعية فعالة.
وخلال الفترات الانتقالية، يبقى للدولة دور محوري. فهي ليست مجرد جهة تنسحب من الاقتصاد،
بل ضامن للتحول، ومنظم للسوق، وحامٍ للاستقرار الاجتماعي، ومراقب لمنع انتقال الثروة العامة إلى شبكات ضيقة تحت عنوان الخصخصة أو التحرير.
دروس التجارب الانتقالية
أظهرت التجارب التاريخية أن الانتقال الاقتصادي السريع وغير المنضبط قد يؤدي إلى خسائر فادحة للمجتمع.
ففي بعض النماذج، تركزت جهود الدولة ومواردها على بناء نظام اقتصادي جديد بصورة قسرية،
وتم تأميم قطاعات واسعة، وإلغاء علاقات السوق، وإعادة تشكيل الصناعة والزراعة بقرارات فوقية.
وقد أدت هذه التحولات في حالات كثيرة إلى تشوهات في البنية الصناعية،
حيث سادت الصناعات الاستخراجية والثقيلة، بينما تضررت الزراعة وقوى الإنتاج.
كما أضعفت أساليب العنف السياسي والاجتماعي،
التي رافقت بعض التجارب، قدرة النظام على التطور الذاتي والتصحيح اللاحق.
وفي نهاية القرن العشرين، ظهرت أمام الدول الخارجة من النماذج الاشتراكية أو الموجهة استراتيجيتان رئيسيتان: العلاج بالصدمة، والنهج التدريجي.
العلاج بالصدمة: الانتقال السريع والمكلف
يقوم العلاج بالصدمة على انتقال سريع وواسع النطاق إلى اقتصاد السوق.
وتشمل أبرز إجراءاته التحرير الفوري للأسعار، والتخلي عن نظام التخطيط الحكومي،
واعتماد سياسة نقدية صارمة لكبح التضخم، وتنفيذ الخصخصة الجماعية، وفتح السوق أمام التجارة الخارجية.
يؤدي هذا النهج، في العادة، إلى نتائج صعبة في المدى القصير،
مثل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع التضخم، وتوسع البطالة،
وظهور تكاليف اجتماعية قاسية. لكنه قد يسمح، في بعض الحالات،
بانهيار سريع للنظام القديم وإرساء أساس لنمو اقتصادي جديد،
كما جرى في تجارب مثل بولندا، ودول البلطيق، وجمهورية التشيك.
لكن تطبيق هذا النموذج في العراق دون حماية اجتماعية ومؤسسات قوية قد يكون شديد الخطورة،
لأن الاقتصاد العراقي يعتمد على الريع، وسوق العمل مرتبط بالدولة،
والقطاع الخاص لا يزال هشاً وغير قادر وحده على استيعاب صدمة واسعة.
النهج التدريجي: الإصلاح المرحلي تحت رقابة الدولة
أما النهج التدريجي فيقوم على إصلاحات مرحلية تسيطر عليها الدولة وتدير إيقاعها.
ويشمل ذلك الحفاظ على السيطرة على القطاعات الرئيسة، مع تطوير القطاع الخاص في الوقت نفسه،
والتحرير التدريجي للأسعار، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وبناء المؤسسات قبل تحرير السوق بالكامل.
ميزة هذا النهج أنه يتجنب الصدمات الاجتماعية العميقة والانخفاض الحاد في مستويات المعيشة.
كما يمنح الدولة فرصة لاختبار السياسات وتصحيحها، وتطوير القطاع الخاص تدريجياً، وبناء البيئة القانونية والمؤسسية اللازمة.
لكن مشكلته أنه قد يؤخر عملية الانتقال لعقود إذا تحول التدرج إلى ذريعة للتردد،
أو إذا استخدمته شبكات المصالح لحماية امتيازاتها. وقد ظهرت نماذج لهذا المسار في تجارب مثل الصين وفيتنام،
مع اختلاف السياقات والمؤسسات والقيادة الاقتصادية.
العراق بحاجة إلى منهجية تشاركية تكاملية
في الواقع العراقي، لا يبدو العلاج بالصدمة مناسباً بمفرده، ولا يكفي النهج التدريجي إذا تحول إلى بطء بلا نتائج.
لذلك يمكن تبني منهجية تشاركية تكاملية تجمع بين الحسم والتدرج بحسب طبيعة كل قطاع ودرجة حساسيته.
فالقطاعات الاستراتيجية مثل النفط والطاقة والمياه والاتصالات والمنافذ الحيوية تحتاج إلى دور سيادي واضح للدولة.
أما القطاعات الإنتاجية والخدمية والتجارية، فيمكن فتح المجال فيها أمام القطاع الخاص وفق قواعد منافسة عادلة ورقابة مؤسسية صارمة.
وبهذا المعنى، لا تُكسر الاشتراكية عملياً بضربة واحدة، بل تذوب وتتموضع داخل آليات السوق الاجتماعي،
بحيث تبقى الدولة حاضرة في التنظيم والعدالة والحماية والسيادة،
بينما تتراجع عن الإدارة المباشرة غير الكفوءة للأنشطة التي يستطيع السوق المنتج إدارتها بكفاءة أعلى.
تحرير الأسعار والتجارة بشروط واقعية
تعد عملية تحرير الأسعار والتجارة إحدى الخطوات الرئيسة في تفكيك النموذج الموجه.
فهي تنقل الاقتصاد من التسعير الذي تسيطر عليه الدولة إلى التسعير القائم على العرض والطلب والمنافسة.
لكن تحرير الأسعار في العراق لا يجوز أن يتم دون دراسة أثره الاجتماعي. فالسلع الأساسية،
والطاقة، والخدمات العامة، والنقل، والغذاء، تمس حياة المواطنين مباشرة.
لذلك يجب أن يكون التحرير تدريجياً ومصحوباً بدعم ذكي للفئات الهشة، لا بدعم شامل يذهب للأغنياء والفقراء معاً.
كما أن فتح التجارة يجب أن يرافقه دعم حقيقي للمنتج المحلي، لا ترك السوق نهباً للاستيراد العشوائي.
فالمنافسة لا تكون عادلة إذا كان المنتج المحلي يواجه كلفة طاقة مرتفعة، وتمويلاً ضعيفاً، وبنية تحتية متدهورة، وبيروقراطية معقدة.
الخصخصة بين الإصلاح وبيع الدولة
الخصخصة تعني نقل بعض ملكيات الدولة أو إدارتها إلى القطاع الخاص،
سواء في الخدمات أو تجارة التجزئة أو بعض الصناعات أو البنية التحتية.
وقد تكون الخصخصة أداة إصلاح إذا حسنت الكفاءة، ووسعت الاستثمار، ورفعت جودة الخدمة.
لكن الخصخصة قد تتحول إلى بيع للدولة إذا جرت بلا شفافية، أو لصالح شبكات سياسية ومالية محددة،
أو في ظل ضعف القضاء والرقابة. فالخطر في العراق ليس فقط أن تبقى الدولة مترهلة،
بل أن تنتقل أصولها إلى احتكارات خاصة أكثر فساداً من الإدارة العامة نفسها.
لذلك، يجب أن تكون الخصخصة انتقائية، ومدروسة، وخاضعة لتقييم وطني.
وينبغي التمييز بين قطاعات يجوز فتحها للمنافسة، وقطاعات يجب أن تبقى تحت ملكية أو رقابة سيادية مباشرة.
الاستقرار المالي والنقدي شرط الانتقال
لا يمكن بناء اقتصاد سوق اجتماعي دون استقرار مالي ونقدي. فالتحول الاقتصادي يحتاج إلى ضبط عجز الموازنة،
والسيطرة على التضخم، وتنظيم المعروض النقدي،
وتعزيز استقلال البنك المركزي، وبناء أدوات للسياسة النقدية والمالية.
أما طباعة النقود، فلا يمكن التعامل معها بوصفها حلاً سهلاً لتغطية العجز.
فقد تكون جزءاً من إدارة مالية محدودة ومحكومة، لكنها إذا تحولت إلى أداة دائمة لتمويل الإنفاق غير المنتج،
فإنها تقود إلى التضخم، وتضعف الثقة بالعملة، وتزيد الضغوط على الفئات الفقيرة والمتوسطة.
ولهذا، فإن الاستقرار المالي لا يتحقق بطباعة النقود فقط، بل بإصلاح الإنفاق العام،
وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ومحاربة الهدر، وإعادة توجيه الموارد نحو قطاعات منتجة.
الإصلاح المؤسسي قبل تحرير السوق
الإصلاح المؤسسي يمثل الشرط الأكثر أهمية في أي انتقال اقتصادي عراقي. فلا يكفي تحرير الأسعار،
ولا يكفي فتح السوق، ولا تكفي الخصخصة، إذا لم تكن هناك مؤسسات تحمي الملكية،
وتمنع الاحتكار، وتنفذ العقود، وتحاسب الفساد، وتضمن العدالة الضريبية.
ويشمل ذلك بناء إطار قانوني واضح للأعمال، وتطوير النظام المصرفي، وتعزيز استقلال البنك المركزي،
وتفعيل لجان مكافحة الاحتكار، وإصلاح الإدارة الضريبية، وتحديث الجمارك،
وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتوفير قضاء تجاري سريع وموثوق.
فالسوق لا يعمل في الفراغ. السوق يحتاج إلى دولة قوية بالقانون، لا دولة متضخمة بالوظائف وضعيفة في التنظيم.
انفتاح الاقتصاد لا يعني فقدان السيادة
يتطلب التحول الاقتصادي أيضاً الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وخفض الحواجز التجارية المدروسة،
وجذب الاستثمارات، وتحسين قابلية تحويل العملة الوطنية،
وربط العراق بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
لكن الانفتاح لا يعني فقدان السيادة الاقتصادية.
فالدولة الذكية لا تغلق الاقتصاد ولا تفتحه بلا ضوابط.
إنها تفتح ما يخدم الإنتاج والاستثمار ونقل المعرفة،
وتحمي ما يرتبط بالأمن الوطني والموارد الاستراتيجية والاستقرار الاجتماعي.
وبالنسبة للعراق، يجب أن يكون الانفتاح موجهاً لخدمة بناء قاعدة إنتاجية، لا لتعميق الاستيراد والاعتماد على الخارج.
السوق الاجتماعي كخيار عراقي واقعي
السوق الاجتماعي قد يكون الخيار الأكثر واقعية للعراق، لأنه لا يلغي دور الدولة،
ولا يترك المجتمع تحت رحمة السوق المنفلتة. فهو يقوم على اقتصاد منتج ومنافس،
مع دولة قوية في التنظيم والحماية الاجتماعية، وضمان الحد الأدنى من العدالة.
في هذا النموذج،لا تدير الدولة كل شيء، لكنها لا تتخلى عن مسؤوليتها.لا تحتكر الإنتاج، لكنها تمنع الاحتكار.لا توزع الريع بلا كفاءة، لكنها تحمي الفئات الهشة.لا تخنق القطاع الخاص، لكنها تلزمه بالقانون والضرائب والشفافية وحقوق العاملين.
وهذا هو المعنى العملي لعبارة أن الاشتراكية لا تُكسر، بل تذوب وتتموضع في آليات السوق الاجتماعي؛
أي تتحول من إدارة مباشرة ومترهلة إلى وظيفة تنظيمية وعدلية وسيادية داخل اقتصاد منتج.
تقييم التحول يحتاج إلى مؤشرات لا شعارات
لتقييم مسار التحول الاقتصادي، لا بد من الاعتماد على مؤشرات الاقتصاد الكلي والبيانات الرسمية،
مثل معدلات النمو، والتضخم، والبطالة، والإيرادات غير النفطية، وحجم الاستثمار الخاص،
ونسبة الصادرات غير النفطية، وإنتاجية العمل، ومستوى الدين العام، وكفاءة الإنفاق.
ويمكن الاستفادة من قواعد بيانات البنك الدولي، والتقارير التحليلية لصندوق النقد الدولي،
فضلاً عن قواعد البيانات الرسمية للبنك المركزي العراقي، ووزارة المالية، ووزارة التخطيط.
فالإصلاح الاقتصادي لا يقاس بعدد الشعارات المعلنة، بل بقدرته على تحسين حياة الناس،
وخلق فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، وتحويل الدولة من موزع للريع إلى صانع للسياسات والمؤسسات.
خاتمة: لا سوق بلا دولة ولا دولة بلا إنتاج
في المحصلة، لا يحتاج العراق إلى معركة أيديولوجية جديدة بين الاشتراكية والرأسمالية،
بل إلى نموذج اقتصادي وطني واضح، يوازن بين الدولة والسوق،
وبين الإنتاج والحماية، وبين الاستثمار والعدالة، وبين الانفتاح والسيادة.
إن إنهاء نهج الاشتراكية، إذا فهم بوصفه تفكيكاً للدولة وبيعاً للأصول ورفعاً عشوائياً للدعم،
سيقود إلى صدمة اجتماعية واقتصادية خطرة. أما إذا فهم بوصفه انتقالاً منظماً نحو سوق اجتماعي منتج،
ومؤسسات قوية، وقطاع خاص مسؤول، ودولة حارسة للمصلحة العامة،
فقد يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد العراقي.
فلا سوق حقيقية بلا دولة قانون، ولا دولة قوية بلا إنتاج.
وبين هذين الحدين يجب أن تتشكل هوية الاقتصاد العراقي الجديدة.


