الحقيقة أن المشهد السوري رغم التعقيدات الحاصلة به لكنه يكاد يشرح نفسه بنفسه للمتابعين، فأن كل ما يحصل في الساحة السورية هي عملية خداع إستراتيجي، ولو عدنا إلى أحداث طوفان الأقصى سنفهم ما يحصل بشكل أوسع.
ماذا حققت عملية طوفان الأقصى؟
1-كشفت حقيقة الضعف الأمني والعسكري والإستخباراتي للكيان الصهيوني.
2-هددت وجود الكيان الصهيوني وأمنه الداخلي.
3-أعادة الوحدة الأسلامية بعد سنين عدة من الصراعات الطائفية.
4-كشفت زيف الحكام العرب وتواطئهم مع الكيان الصهيوني.
5-حركت الشارع الغربي وكشفت وجه الإرهاب الصهيوني والأميركي.
وطبعاً كل هذه المتغيرات أثرت على المسارات الزمنية للمشروع الإستراتيجي الصهيوأميركي (الدين العالمي الواحد أو الإبراهيمية) لتحقيق الهدف الأكبر وهو (دولة الكيان الصهيوني الكبرى)، لذلك شرعت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني لوضع خطة قائمة على الخداع الإستراتيجي لتعويض الخسارة الزمنية لذلك المشروع وإعادته للجدول الزمني المرسوم له.
الخطة الصهيوأميركية:
1-الدعم المفتوح للكيان الصهيوني لأخماد جبهة غزة، وتحييد حزب الله.
2-أسقاط نظام بشار الأسد والضغط بالتهديد على الحكومة العراقية لمنع تدخل المقاومة الإسلامية العراقية والتصدي كما حصل عام ٢٠١١.
3-أعادة الطائفية للمشهد العالمي من جديد.
4-أعادة مفهوم الأرهاب المسلم إلى عقلية الشارع الغربي.
5-إيجاد بديل أقليمي مسلم يحل مكان الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولمعرفة كيف تم تطبيق كل هذا علينا أولاً تحديد أهم معرقلات المشروع الإبراهيمي وهي…
1-الوحدة الإسلامية :حيث تمنع الجميع بالإنزلاق بفخ الدين العالمي الجديد وبأننا كلنا أبناء نبي الله إبراهيم عليه السلام.
2-محور المقاومة والممانعة فوجود المحور عسكرياً يعطل عجلة تقدم المشروع الإبراهيمي، ثقافياً يسلط الضوء على عمليات التظليل ويكشف الحقائق من خلال جهاد التبيين، جغرافياً محور المقاومة يقطع جغرافية المسار الإبراهيمي من الوسط بالتحديد ولو شاهد أحدكم خارطة تنقل سيدنا إبراهيم منذ خرج من العراق حتى وصل إلى مكة المكرمة سيتأكد من هذا المسار وخطر بقاء المحور بتلك الرقعة الجغرافية.
3-طريق الحرير: وهو واحد من أهم العقبات بوجه المشروع الإبراهيمي حيث يعتمد المشروع الإبراهيمي على إزالة الحدود الجغرافية بين الدول، وتحويلها إلى فيدراليات إبراهيمية، ويكون الكيان الصهيوني عاصمة تلك الفيدراليات، وبسبب تفوقه التكنولوجي يصبح هو المشرف على إدارة ثروات تلك الفيدراليات، بينما طريق الحرير يعتمد طريقة رابح رابح حيث كل دولة لديها ثروات طبيعية تقوم الصين ببناء مصانع لأستثمار تلك الثروات وتصدر بأسم دولة صاحب الثروات وتكون إدارتها من نفس الدولة صاحبة الثروات، اي ان طريق الحرير يعتمد اللامركزية في إدارة الثروات و لا يتبنى فكرة مركزية إدارة الثروات مثل المشروع الإبراهيمي، وهذا يعطينا تصور كامل عن رفض الولايات المتحدة الأمريكية لتوقيع السيد عادل عبد المهدي لاتفاقات أقتصادية مع الصين عام ٢٠١٨.
آليات تطبيق المشروع الصهيوأميركي:
1-الطريق البري لدعم الكيان الصهيوني: الكل يعرف الكيان الصهيوني لا يستطيع خوض حرب طويلة الأمد بسبب أحتياجه لعناصر الأحتياط أو حتى طلب مجندين للخدمة وبذلك أغلب العاملين في المصانع أذا ألتحقوا لصفوف الجيش سيتوقف عملهم في المصانع وغيرها من الدوائر الاقتصاية الصهيونية مما يؤثر على الوضع الاقتصادي الصهيوني لذلك ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على بعض الدول العربية لفتح طريق بري لنقل المساعدات للكيان الصهيوني، وبذلك حققت هدفين الأول أستمرار الكيان الصهيوني والثاني سخط جماهيري على حكومات تلك البلدان العربية وأستثمار ذلك السخط بعد سقوط بشار الأسد، لتوجيه بوصلة الإسلامي السني لتركيا كقيادة سنية.
2-عملية البيجر: رغم الفيديو الذي أنتشر للكشف عن أحداث تلك العملية من قبل عميلين صهيونيين لكن كل هذا كذب وتضليل، فالمسئول عن العملية هي الولايات المتحدة الأمريكية فجهاز CIA يمتلك قسم أسمه قسم التوريد مهمته تأسيس شركات وهمية وتصدير بضائع لعدة دول من تلك الشركات للأستفادة منها أما بعمليات التصفية أو بأقامت علاقات لفتح مجال التجسس أو لجمع المعلومات وأرشفتها في داتا شاملة تسمى (Big data).
3-أسقاط نظام الأسد: بدأت العملية تزامنية حيث يشغل حزب الله بالحرب مع الكيان في حين تستعد الجماعات لتنفيذ الهجوم لكن قبل ذلك يتم التنسيق مع روسيا لأستبدال ساحة سوريا بساحة أوكرانيا، لتحييد دور المقاومة، للمضي قدماً بتنفيذ مشروع الإبراهيمية الذي يحتاج عدم وجود قوة عسكرية ممانعة للمشروع قد تعطل المسار، وإقامت عمليات صناعة خطاب بالحرب الناعمة لفرض مقبولية المشروع من الشعوب.
4-أعطاء الضوء الأخضر لتركيا لكي تلعب دور أسقاط الأسد والحضور كواجهة إسلامية مع هيئة تحرير الشام، لعدة أسباب أهمها…
5-السيطرة التركية:لمنع مرور طريق الحرير من خلال العراق إلى أوروبا وكذلك طريق التنمية الذي سيكون نقطة تفاوض قوية بيد تركيا في حال توغلت القوات التركية لتصل إلى الموصل، حيث سابقاً كان لدينا بديل في حال أختلفنا مع تركيا نستطيع تغيير الطريق من خلال سنجار أو معبر البوكمال بأتجاه سوريا ثم إلى البحر المتوسط وصولاً لأوروبا، اما اليوم نحن ما بين منفذ تركي ومنفذ أميركي ومنفذ جولاني صهيوني.
6-اعادة مشهد الإرهاب الاسلامي: بالمختصر بعد حادثة الدهس الغير مبررة من ملحد سعودي لمجموعة مواطنين ألمان، غرد إيدي كوهين قائلاً “ليس كل مسلم أرهابي لكن كل أرهابي مسلم”، بعدها تم تعطيل حساب المنفذ السعودي وحذفت تغريداته التي كانت تثبت دعمه للكيان الصهيوني ثم أعيد تفعيل الحساب من جديد على منصة أكس.
الأستنتاج:
بعد تحقيق كل هذه الأهداف الآنية للمشروع الصهيوأميركي تتضح لنا الصورة وهي…
1-هيئة تحرير الشام منظمة صهيونية مدعومة من الكيان الصهيوني والدليل أنها لا تشارك بالحرب مع الجيش الوطني السوري ضد قوات قسد المدعومة أمريكياً لتلعب دوراً مهماً مستقبلاً لمنح قسد حكم ذاتي وهذا يتوافق مع رغبة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.
2-تركيا تلعب دور بمحاربة الأكراد لتوسيع الفجوة الوطنية بين الشعب السوري للوصول إلى التقسيم، ورغم أن التقسيم يضر بالمصالح التركية الآنية لكن لاحقاً بعد أكتمال عملية تنفيذ المشروع الإبراهيمي ستحظى تركيا بالمرتبة الثانية بعد الكيان الصهيوني بالعائدات المالية من أستثمار الطاقة خصوصاً بعد ما سيتم أتباعها من قبل الإسلام السني كقيادة أسلامية، ووجود تركيا كمسئول في منظمة الطاقة في شنغهاي هو خير دليل على تهيئتها لذلك الدور.
3-الولايات المتحدة الأمريكية تضغط على كل دول المنطقة من خلال أفتعال الأزمات ثم حلها للوصول إلى سيناريوهات التقسيم وفق الفيدراليات الإبراهيمية، وبسبب الخلافات بين هذه التكتلات المنقسمة لايمكن أن تقام اي نوع من الحلف فيما بينها مما يجعل المنطقة كلها ضعيفة ومقسمة فتكون الوجهة فرض قوة الكيان الصهيوني لسيطرته وأستثمار ثروات الشعوب، وبذلك تأمن الولايات المتحدة الأمريكية هذه المنطقة لتتوجه نحو شرق آسيا لمواجهة كوريا الشمالية بالتحديد لأن الصين تلعب أقتصاديا مع أميركا وهذه اللعبة عند تطبيق مشروع الإبراهيمية في غرب آسيا سترجح كفت الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك تصبح كوريا الشمالية هي الخطر الأوحد في شرق آسيا بسبب جنون رئيسها وعدم فهم آلية تفكيره، ولأنها حليفة لروسيا وفق تحالف دفاع مشترك.
4-تطويع الدول العربية للقبول بحكومات أخوانية بدل السلفية لتربط مع تركيا بشكل مباشر، وأستبدال مشروع القضية الفلسطينية للأخوان المسلمين في فلسطين بقضية الحكومة الإسلامية، وبذلك تصبح تابعة لتركيا التي تكون حلقة وصل غير معلنة ما بين الأخوان في فلسطين وقرارات الكيان الصهيوني وبذلك تحل أزمة التهديد الأمني للعمق الصهيوني.
5-من الممكن فتح جبهة أرمينيا لمحاصرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعطيل مشاريعها الأقتصادية النافذة من جبهة أرمينيا وزيادة العقوبات، لأثارة الشارع الإيراني ضد الحكومة والدفع بإقامت ثورة لتغيير نظام الحكم في إيران.
ختاماً :
بعد التفكيك للمشهد العام فليس بالضرورة أن تتحقق خطوات كسر محور المقاومة أو يتم تفكيكه فأن الفن النبيل في لعبة الملاكمة قد لا ينتصر من يحقق نقاط أكثر أنما ينتصر من يحقق الضربة القاضية، وأنا لا أفهم لماذا كل هذا الأصرار من الكيان الصهيوني على وإقامت دولة صهيونية، أليس من الغباء جمع اليهود كلهم في رقعة جغرافية صغيرة في زمن ينتشر به السلاح النووي؟


