من “فدائيي الإسلام” إلى “الحرس الثوري”: كيف صنع الإيرانيون معسكراً إسلامياً نداً للعالم

من فدائيي الإسلام إلى الحرس الثوري كيف صنع الإيرانيون معسكراً إسلامياً نداً للعالم
تحولت إيران من دولة ضعيفة إلى قوة إقليمية عبر استثمار تجاربها التاريخية، من فدائيي الإسلام إلى الثورة الإسلامية، مع بناء مؤسسات قوية واستراتيجية ردع إقليمية، ما أفرز معسكرًا إسلاميًا قادرًا على فرض توازن وتأثير دولي....

تمهيد: حين تكون التجربة أغلى من الذهب.

في عالم السياسة، لا تُبنى الإمبراطوريات بين عشية وضحاها، ولا تُصنع القوة العظمى من فراغ. فخلف كل دولة ترفع رأسها بين الأمم، تكمن سنوات من التجارب المريرة، والدروس المستخلصة من الدم، والحسابات الدقيقة للأخطاء التي كادت تُفقدها كل شيء. وإذا كان الغرب يتباهى بقرون من التجربة الاستعمارية، فإن الشعوب المستضعفة كانت تدفع ثمن هذه “التجربة” بأرواح أبنائها وثرواتها.

لكن السؤال الذي يُقلق المحللين اليوم: كيف استطاعت إيران – الدولة التي عانت من انقلابات واستعمار وديكتاتوريات – أن تصبح في غضون أربعين عاماً قوة إقليمية وصاعدة بإتجاه العالمية بسرعة الضوء و لايمكن أن يستهان بها؟ وكيف تحولت من مجرد “دولة نامية” إلى “معسكر إسلامي” يمتلك قوة رادعة تُجبر أكبر قوى العالم على احترام حدودها؟

الجواب يكمن في جملة واحدة: الاستفادة من التجارب السابقة. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز حركة “فدائيي الإسلام” بقيادة آية الله السيد مجتبى نواف صفوي (1924-1956) كأول نواة حقيقية للتجربة الإيرانية الحديثة في مواجهة الاستعمار.

الفصل الأول: فدائيي الإسلام – التجربة الأولى والدرس الأغلى

1.1 ولادة النواة (1945)

في عام 1945، وفي ظل احتلال الحلفاء لإيران، وفي ظل ضعف الدولة القاجارية ثم سيطرة الشاه الموالي للغرب، تأسست حركة “فدائيي الإسلام” على يد شاب في العشرين من عمره: السيد مجتبى نواف صفوي. لم تكن الحركة مجرد جماعة دينية تقليدية، بل كانت أول تنظيم إسلامي ثوري منظم في إيران الحديثة يجمع بين العقيدة والعمل المسلح والتنظيم السري.

ما ميز هذه الحركة هو أنها لم تكن “جماعة دعوية” تنتظر الناس حتى يأتوا إليها، بل كانت “حركة جهادية” تذهب إلى الناس وتُغير الواقع بقوة السلاح والإيمان. وضعت الحركة أهدافاً واضحة:

– إقامة الحكومة الإسلامية.

– محاربة الاستعمار الغربي.

– تصفية العملاء والمنافقين.

– توحيد الصف الإسلامي.

1.2 التجارب والأخطاء: دروس دفعت ثمنها الدم

لكن التجربة كانت قاسية. فدائيي الإسلام، رغم شجاعتهم، ارتكبوا أخطاء استراتيجية جسيمة:

– الانعزال عن الجماهير: ركزت الحركة على العمل السري والاغتيالات، مما أبعدها عن بناء قاعدة شعبية واسعة.

– غياب البديل السياسي: كانت تستطيع أن تنفذ عمليات نوعية، لكنها لم تستطع أن تحكم. لم يكن لديها مشروع دولة متكامل.

– الاستعجال: أرادت تغيير النظام دفعة واحدة، دون الاستعداد للمرحلة الانتقالية.

– سهولة الاختراق: رغم صغر حجمها وطبيعتها السرية لكن من خلال العجلة بتنفيذ مشروعها، استطاعت أجهزة الأمن السافاك اختراقها بسهولة.

وكانت النتيجة: إعدام آية الله نواف صفوي في 1956، وتفكك الحركة، وعودة الشاه أقوى من قبل بفضل دعم المخابرات الأمريكية والبريطانية.

لكن هنا يكمن السر: لم تمت الأفكار مع صاحبها. فقد كانت هذه التجربة الأولى بمثابة “المختبر” الذي اختبر فيه الإيرانيون ما ينجح وما يفشل.

الفصل الثاني: بين 1956 و1979 – سنوات التحليل والاستعداد

2.1 ثورة 1963: التجربة الثانية

عندما قاد الإمام الخميني قدس سره انتفاضة 15 خرداد 1963 ضد “الثورة البيضاء” الشاهانشاهيه، كان يستفيد من درس فدائيي الإسلام. لاحظ الإمام الخميني أن:

– القوة العسكرية وحدها غير كافية.

– الحاجة ملحة لتحشيد الجماهير.

– لا بد من رجل دين مرجع يقود الحركة، لا مجرد مناضل شاب.

لكن الانتفاضة قُمعت، وأرسل الإمام الخميني إلى المنفى. ومرة أخرى، كانت التجربة مكلفة، لكنها أضافت درساً جديداً: لا بد من انتظار اللحظة المناسبة، وبناء التنظيم بعيداً عن أعين السافاك.

2.2 سنوات النار والدم: 1963-1979

خلال ستة عشر عاماً في المنفى، عمل الإمام الخميني ورفاقه على:

– تأسيس شبكة عالمية: التواصل مع الجاليات الإيرانية والحركات الإسلامية في لبنان والعراق.

– توحيد الخطاب: الانتقال من الخطاب المذهبي الضيق إلى الخطاب الإسلامي الشامل.

– دراسة التجارب الناجحة: خاصة تجربة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وتجربة فيتنام، وتجربة الثورة الكوبية.

وفي الداخل، كانت هناك تنظيمات مختلفة تتعلم من أخطاء فدائيي الإسلام:

– منظمة مجاهدي خلق (قبل انحرافها).

– حركة أمل (في لبنان).

– حركات الطلاب الإسلاميين.

كل هذه كانت “حلقات تدريب” للمرحلة القادمة.

الفصل الثالث: الثورة الإسلامية 1979 – حين تُطبق الدروس

3.1 لماذا نجحت الثورة هذه المرة؟

عندما اندلعت ثورة 1979، كانت مختلفة عن كل ما سبقها لسبب بسيط: لقد استفاد الإيرانيون من كل تجاربهم السابقة.

التجربة السابقة الدرس المستخلص التطبيق في 1979 فدائيي الإسلام (1945-1956) ضرورة 1-التنظيم العسكري والاستعداد للدفاع.

2- تأسيس الحرس الثوري.

3-انتفاضة 1963 أهمية الزعامة المرجعية والتحشيد الجماهيريقيادة الإمام الخميني .

4-انقلاب 1953 عدم الثقة بالغرب وعملائه شعار “لا شرقية لا غربية”  .

5-تجارب التنظيمات السرية. 6-ضرورة الشرعية الشعبية والمؤسساتية إجراء استفتاء شعبي.

3.2 تأسيس الحرس الثوري: فدائيي الإسلام “المحترفون”

في 5 مايو 1979، أي بعد أقل من شهرين من انتصار الثورة، أُعلن عن تأسيس “حرس الثورة الإسلامية”. لم يكن هذا قراراً عابراً، بل كان استخلاصاً متعمداً لتجربة فدائيي الإسلام:

أولاً: التنظيم

– فدائيي الإسلام: عشرات المقاتلين.

– الحرس الثوري: مئات الآلاف من المقاتلين المنظمين.

ثانياً: الشرعية

– فدائيي الإسلام: تنظيم سري يُصنف “خارج عن إطار الدولة”.

– الحرس الثوري: مؤسسة دستورية تابعة للدولة.

ثالثاً: المهمة

– فدائيي الإسلام: اغتيالات انتقامية.

– الحرس الثوري: دفاع عن الثورة وبناء القدرة الاستراتيجية.

رابعاً: العمق الاستراتيجي

– فدائيي الإسلام: محصور في طهران.

– الحرس الثوري: امتداد إقليمي ودولي (محور المقاومة ).

لقد كان الحرس الثوري بمثابة “فدائيي الإسلام الناضجين”: يحملون نفس العقيدة، لكن بأدوات دولة حديثة.

الفصل الرابع: من الدفاع إلى الردع – بناء المعسكر الإسلامي

4.1 الحرب المفروضة (1980-1988): اختبار النار

عندما غزا صدام حسين إيران في 1980، كان العالم يتوقع سقوط الثورة في أشهر. لكن ما حدث كان العكس:

– الحرس الثوري تحول من قوة صغيرة إلى جيش شعبي ضخم.

– تجربة الكتائب في لبنان انتقلت إلى إيران وعادت أكثر نضجاً.

– الشباب الإيرانيون تعلموا فنون الحرب الحديثة.

وانتهت الحرب بـ”النصر المُحزن”، لكنه كان نصراً استراتيجياً في الحقيقة: فقد أثبتت إيران أنها قادرة على الصمود أمام تحالف عالمي (حكومة البعث في العراق+الغرب+العرب).

4.2 الاستراتيجية الجديدة: الامتداد الإقليمي

في التسعينات، بدأت إيران تطبق درساً جديداً: “إذا كنت ضعيفاً، سيجتمع العالم عليك. وإذا كنت قوياً، سيتصارعون على صداقتك”.

فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن الحدود، بنت إيران:

– محور المقاومة: حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، الفصائل الفلسطينية، فصائل المقاومة في العراق، النظام السوري سابقاً.

– القدرات الصاروخية: برنامج صاروخي متطور يجعل أي عدوان على إيران مكلفاً جداً.

– القدرات النووية السلمية: رفع مستوى الردع دون الوصول إلى التصعيد.

4.3 اليوم: معسكر إسلامي بقوة رادعة:

بعد أربعين عاماً من الثورة، أصبح الواقع مختلفاً تماماً:

– إيران تمتلك أكبر ترسانة صاروخية في المنطقة.

– محور المقاومة يُشكل تهديداً استراتيجياً للمصالح الأمريكية والصهيونية.

– حلفاء إيران يتحكمون بمضائق استراتيجية (هرمز، باب المندب).

– إيران عضو مراقب في منظمة شنغهاي، وتحالفاتها مع روسيا والصين تُضاعف قوتها.

لقد تحولت إيران من “دولة منبوذة” إلى “قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها”.

الفصل الخامس: المعسكر الإسلامي نداً للمعسكرين العالميين

5.1 المعادلة الجديدة

في الحرب الباردة، كان العالم مقسماً بين:

– المعسكر الرأسمالي (الغرب بقيادة أمريكا).

– المعسكر الاشتراكي (الشرق بقيادة الاتحاد السوفييتي).

لكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ظهر معسكر ثالث: المعسكر الإسلامي المقاوم بقيادة إيران.

1-المعسكر الرأسمالي: الولايات المتحدة الأمريكية والناتو، الاقتصاد الرأسمالي،القيم الليبرالية، الهيمنة العسكرية التوسع .

2 – المعسكر الاشتراكي: (سابقاً) روسيا والصين حالياً، الاقتصاد الأشتراكي، القيم الماركسية والكونفوشوسية، الهيمنة العسكرية الحياد والتوسع بالشراكات الإستراتيجية إقتصادية أمنية (في الوقت الحالي على الأقل) .

المعسكر الإسلامي:إيران محور المقاومة، الاقتصاد المقاوم، القيم الإسلامية، الإيديولوجي  المقاومة والتحرر.

5.2 لماذا يُعتبر المعسكر الإسلامي “نداً”؟

الندية لا تعني بالضرورة التكافؤ في كل شيء، بل تعني القدرة على فرض شروطك:

– إيران تستطيع أن تُغلق مضيق هرمز، فيُرتفع سعر النفط عالمياً.

– إيران تستطيع أن تُدمر المصالح الأمريكية في المنطقة عبر محور المقاومة .

– إيران تستطيع أن تُطيل أمد أي حرب، مما يجعلها غير مجدية اقتصادياً للعدو.

– إيران تستطيع أن تُصدّر نموذجها (كما حدث في اليمن والعراق ولبنان).

هذه القدرات تجعل أي حساب عسكري ضد إيران معقداً جداً، وهذا هو معنى “الندية”.

خاتمة: العبرة والعبر

من آية الله مجتبى نواف صفوى قدس سره إلى الجنيرال قاسم سليماني رضوان الله عليه…

في يناير 2020، اغتالت الولايات المتحدة القائد قاسم سليماني. وفي اللحظة التي أُعلن فيها الخبر، تذكر كثيرون نواف صفوي. فالرجلان يمثلان نفس المسار:

– نواف صفوي: بداية التجربة، الدم، الشهادة، الدرس.

– قاسم سليماني: نضوج التجربة، القوة، الامتداد، الشهادة أيضاً.

* لكن الفرق الجوهري: نواف صفوي مات ومعه حركة صغيرة.

* أما سليماني فمات ومعه إمبراطورية استراتيجية لا تموت بموت رجل.

السر في الاستمرارية

إيران استفادت من تجاربها لأنها:

  1. وثّقت أخطاءها: لم تُمح التجارب الفاشلة، بل دُرست وحُللت.
  2. بنت المؤسسات: الحرس الثوري ليس رجلاً واحداً، بل مؤسسة.
  3. ربطت العقيدة بالواقع: لم تبقَ الأفكار نظرية، بل طُبقت وطُوّرت.
  4. صبرت: أربعون عاماً من البناء، ليست فترة قصيرة.

رسالة للمستقبل

اليوم، حين ينظر العالم إلى إيران، يرى دولةً تملك:

– صواريخ تصل إلى تل أبيب.

– أصدقاء في أربع عواصم عربية على الأقل.

– مقعداً في مفاوضات دولية لا يمكن استبعادها منه.

– نموذجاً يُحتذى لدى شعوب مظلومة.

كل هذا بدأ بتجربة صغيرة في 1945، بدأها شاب يُدعى مجتبى نواف صفوي، دفع حياته ثمناً لها.

فإذا كان الغرب يفتخر بتجاربه الاستعمارية الممتدة عبر قرون، فلنا أن نفتخر بتجربتنا المقاومة الممتدة عبر عقود، لأننا لم نبنِ قوتنا على جماجم الآخرين، بل على دم شهدائنا وعرق مجاهدينا.

إن المعسكر الإسلامي اليوم ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو مشروع حضاري بديل. مشروع يقول للعالم: هناك طريق آخر غير الرأسمالية المتوحشة، وغير الاشتراكية الفاشلة. طريق يجمع بين الروح والمادة، بين العقيدة والعلم، بين المقاومة والبناء.

وهذا الطريق، مهما طال، مهما كانت التضحيات، هو الطريق الوحيد الذي يضمن للأجيال القادمة عالماً لا يُذل فيه المؤمنون، ولا يُستعبد فيه المستضعفون.

بسم الله الرحمن الرحيم

“إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون”

صدق الله العلي العظيم

(سورة فصلت: 30)

أخيراً : رسالة التأريخ من آية الله مجتبى نواف صفوي قدس سره إلى آية الله مجتبى خامنئي دام ظله أمضي فالأحرار في هذا العالم معك ماضون على طريق النصر أو الشهادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *