مقدمة: سؤال افتراضي
ماذا لو جاءنا الحسين زائراً؟
لنفرض أنه جاءنا حقاً — لا في المنام ولا في الرؤيا، بل في لحظة تاريخية حقيقية — ليجلس معنا في هذا الزمن. لجلسنا كلنا: شيعة وسنة، عرباً وكرداً، وبقية المستضعفين من كل الشرائع والألوان واللغات. لجلسنا نسأله بصدق: كيف انتصرت بدمك للمستضعفين على السيف؟
وسيكون السؤال أشبه بالصرخة، لأننا في زمن يُقتل فيه المستضعفون ويُشردون ويُحاصرون، ومع ذلك يُطلب منهم — بل يُفرض عليهم — أن يسلموا سلاحهم “للسلام” و”للاستقرار” و”للحوار”.
الجواب الحسيني: النصر بالدم لا بالسيف.
لو سألناه، لكان جوابه — بلا تردد — في مقولة واحدة جامعة مانعة:
> “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، ولا أقول كما قال أصحاب الكهف: ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيئ لنا من أمرنا رشداً﴾، بل أقول: ﴿فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما يتبعون أهواءهم﴾، ومن يتبع هواه بغير هدى من الله فما له من ولي وما له من نصير.”
لكن جوابه لن يكون كلاماً فحسب، بل سيكون فعلاً يُفسّر الكلام. سيرفع يده الشريفة — تلك التي رفعها يوم عاشوراء وهو يقول “هل من ناصر ينصرنا” — وسيشير إلى جرحه، ثم إلى رأسه المرفوع على الرمح، ثم إلى أطفاله الذين ماتوا عطشاً، ثم إلى أصحابه الذين قُتلوا واحداً تلو الآخر ولم يُسلّموا.
وسيقول لنا — بلسان الإمام المعصوم الذي لا يخطئ في فهم مشيئة الله:
> “لم أنتصر بالسيف، لأن السيف كان في يد العدو. أنا انتصرت لأن الدم أقوى من السيف. الدم يُولد قضية، والسيف يُولد جريمة. الدم يُحيي الضمير، والسيف يُميته. أنا لم أُقاتل لأنتصر عسكرياً — فالتاريخ يعلم أنني أستشهدت — بل قاتلت لأُثبت أن هناك فرقاً بين من يموت طوعاً للحق ومن يقتل غيره كرهاً للحق.”
موقف الحسين عليه السلام من أصحابه: شهادة السلاح المحتفظ به.
وهنا يأتي السؤال الأهم: ما موقف الحسين من أصحابه الذين استشهدوا جميعاً ولم يسلّموا سلاحهم؟
لنقرأ التاريخ بدقة:
– الحُرّ بن يزيد الرياحي — الذي كان في جيش عمر بن سعد — لمّا رأى الحسين، سلّم نفسه للحق، ولكنه لم يسلّم سلاحه. بل حمل سيفه وقاتل حتى استشهد.
– حبيب بن مظاهر — شيخ الأنصار — رفض أن يُسلّم السلاح، وقال: “والله لا أُسلّمك يا ابن رسول الله”.
– العباس بن علي عليه السلام — العلم والراية — لم يُسلّم السلاح حتى قطّعت يمينه، ثم يسراه، ثم استشهد وهو يحمل الماء لا السلاح، لكنه لم يُسلّم رايته.
– علي الأكبر — شبيه جده — قاتل حتى أستشهد، ولم يُسلّم.
– حتى عبد الله الرضيع — الذي لم يحمل سلاحاً — كان “سلاحه” صرخة الحق حين أستقبل النبلة في نحره.
الحسين عليه السلام — الإمام المعصوم — هل رضي عنهم؟
الجواب في زيارة الناحية المقدسة التي نُقلت عن الإمام الصادق عليه السلام، وهي من أدقّ النصوص في تقييم الموقف:
يقول الإمام زين العابدين في الدعاء للمُجاهدين:
> “اللهم اجعلنا من الذين قاتلوا في سبيلك فقُتلوا، ولم يُسلّموا ولم يُذلّوا…”
إذاً: الحسين لم يَرضَ عنهم فحسب، بل جعل رضاه عنهم سنة إلهية.
موقف الإمام الحسين عليه السلام من تسليم السلاح في زمن الاحتلال:
وهنا يأتي التطبيق: هل يُطلب من المقاومين اليوم تسليم السلاح؟
في فلسطين المحتلة، في لبنان، في اليمن، في العراق نفسه — يُطلب من المستضعفين أن يسلّموا سلاحهم “للدولة” أو “للسلام” أو “للمصالحة الوطنية”.
لكن السؤال الحسيني هو: من تُسلّم السلاح له؟
– هل تُسلّم السلاح لمن احتل أرضك؟
– هل تُسلّم السلاح لمن حاصر أطفالك؟
– هل تُسلّم السلاح لمن يُهجّر عائلتك؟
الحسين لم يُسلّم السلاح ليزيد — ويزيد كان “خليفة” مستمكن على الأرض الإسلامية بزعم أهل زمانه وموالييه. فكيف يُسلّم المستضعفون سلاحهم “لأمريكا والكيان الصهيوني ” وأذنابهما؟
السلاح في فقه الحسين ليس آلة قتل، بل هو آلة حماية للكرامة. ومن هنا، فإن تسليم السلاح في ظل الاحتلال ليس “سلاماً”، بل هو استسلام. والاستسلام — في منطق الحسين — خيانة لله وللرسول وللمستضعفين.
حسين العصر: الإمام الخامنئي ونصر المستضعفين:
إذا كان الحسين قد خرج لأجل المستضعفين، فإن من يُنصر المستضعفين اليوم — في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا — هو من سار على نهجه. ومن يُحاصر ويُستهدف ويُتهم ولا يُسلّم السلاح، هو من يُطبّق سُنّته.
الإمام علي الخامنئي — قدس سره الشريف — لم يُسلّم السلاح، بل قال في خطاباته المتكررة:
> “لماذا يجب أن تكون إيران قوية؟ لأن الضعف يدعو العدو إلى الاعتداء. الحسين لم يكن ضعيفاً — بل كان قوياً بإيمانه — لكنه كان قليل العدد. نحن يجب أن نكون قويين بعدداً وسلاحاً وإيماناً.”
وهو — كما الحسين — يُستهدف شخصياً، ويُحاصر شعبه، ويُقتل أتباعه، ومع ذلك لا يُسلّم السلاح ولا يُجري تفاوضاً على الكرامة.
ولكن الفرق — وهو فرق تاريخي مهم — أن الحسين كان في كربلاء محدود العدد والإمكانات، فكان نصره بالدم. أما اليوم، فإن نهج
الحسين يقتضي أن يكون المستضعفون أقوياء حتى لا يُذبحوا كما ذُبح الحسين عليه السلام وأصحابه فيسود الظلم على الأرض.
الخاتمة: استقبال جثمان حسين العصر
إذا كنا نحب الحسين حقاً — لا مجرد حب عاطفي في مجالس العزاء — فعلينا أن:
- نستقبل جثمان “حسين العصر” في العراق أحسن استقبال — سواء كان هذا “الحسين العصر” هو الإمام الخامنئي نفسه، أو هو كل شهيد يسقط على طريق القدس، أو هو كل مقاوم يرفض التسليم.
- نستمر على نهجه ونهج جده — أي نهج الرفض المطلق للظلم، والقبول المطلق للشهادة في سبيل الحق.
- لا نُسلّم السلاح — ليس تعصباً، بل لأن تسليم السلاح في زمن العدوان هو تسليم للدين والعرض والأرض.
- نستمر بالكفاح — حتى النصر أو الشهادة. كما قال الحسين: “هيهات منا الذلة”.
التوقيع: شهادة على التاريخ
> “إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.” — رسول الله ﷺ
> “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء.” — الإمام الخميني قدس سره
> “لن نترك السلاح، وسنستمر بالكفاح، حتى ننتصر أو يتقبّلنا الله شهداء نحن وعوائلنا.” — هذا هو العهد الحسيني.
الحسين لم يأتِ زائراً بعد، لكنه — في الحقيقة — لم يغب. هو حاضر في كل بندقية تُرفض الاحتلال، وفي كل صاروخ يُدافع عن المستضعفين، وفي كل جثمانٍ يُحمل على الأكتاف من غزة إلى صنعاء إلى بيروت إلى بغداد.
فلنستقبل جثمان حسين عصرنا الإمام الخامنئي قدس سره الشريف ونبقى أحياءً على نهجه، لا أمواتاً في مجالسنا، ولنثبت للإمام الحسين عليه السلام أن صرخة (هل من ناصر ينصرنا) نسمعها كل يوم وها نحن نقدم جثمان حسين عصرنا زائراً شهيداً في مرقد جده الحسين الشهيد وسنتبعه مشيعين حتى يأذن الله سبحانه وتعالى ونلتحق بركبهم شهداء سعداء، وأعظم الله أجركم وأجرنا بإستشهاد قائدنا وإمامنا السيد الولي علي الخامنئي قدس سره الشريف.


