مستنقع هرمز: كيف تُبدد قوة الولايات المتحده الامريكيه أوراق التفاوض لصالح ردع الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه ؟

مستنقع هرمز كيف تُبدد قوة الولايات المتحده الامريكيه أوراق التفاوض لصالح ردع الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه ؟
تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وسط مواجهة عسكرية محدودة أبرزت فعالية الردع غير المتكافئ، وعكست تعقيدات المأزق الاستراتيجي الأمريكي، مع تنامي مخاطر التصعيد الإقليمي وتراجع فرص التسوية السياسية وتزايد التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية...

المواجهة الميدانية: رسائل بالنار في مضيق هرمز
​شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تصعيداً عسكرياً خطيراً في منطقة الخليج الفارسي
حيث حاولت أربع سفن حربية أمريكية عبور مضيق هرمز بالقوة وتحت غطاء جوي مكثف في خطوة بدا أنها محاولة عملية لفرض الإرادة العسكرية وتطبيق التهديدات التي لوّحت بها إدارة الرئيس ترامب منذ بدء الصراع قبل نحو أربعة أشهر.
​الموقف سرعان ما اشتعل ميدانياً إذ واجهت القوة البحرية الأمريكية رداً إيرانياً فورياً عبر إطلاق نار تحذيري مكثف أسفر عن إسقاط عدد من الطائرات الأمريكية المسيّرة.
وجاء هذا التطور بعد توتر آخر حاولت فيه واشنطن تأمين عبور ناقلة تجارية وهو ما تصدت له طهران ليرد الجانب الأمريكي باستهداف بحارة إيرانيين تلاه رد إيراني مباشر استهدف قاعدة عسكرية أمريكية في الكويت بصاروخ تحذيري.

جغرافيا المواجهة: استراتيجية الردع غير المتكافئ
​تُثبت هذه التطورات المتلاحقة نجاعة فرضية سياسية وعسكرية قديمة متجددة تُعرف بـ “استراتيجية الردع غير المتكافئ”(Asymmetric Deterrence).
نجحت الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه من خلال استغلال ميزاتها الجغرافية الاستراتيجية وتوظيف ترسانتها من الصواريخ والمسيرات في خلق توازن رعب مع القوة البحرية الأمريكية الضخمة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
​إن طهران عملياً لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كلياً بقرار رسمي فالاضطرابات الأمنية المتكررة كفيلة بفرض إغلاق واقعي يمنحها سيطرة أعمق ويجعل الأطراف الدولية تتوجس من العبور دون تفاهمات معها.
هذا الرد المحدود والمسقوف يدفع واشنطن إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على أي مغامرة عسكرية واسعة لفتح المضيق بالقوة.
المأزق الأمريكي والتوقيت الحرج
​تأتي المحاولات الأمريكية لانتزاع أوراق ضغط ميدانية في وقت حرج جداً لإدارة ترامب، التي تسابق الزمن لتحقيق حسم عسكري أو سياسي قبل استحقاقات داخلية ودولية بارزة ممثلة في انتخابات التجديد النصفي وبطولة كأس العالم لكرة القدم.
​ولكن وبدلاً من تفعيل القنوات الدبلوماسية الجادة عبر الوساطات الإقليمية أو الدولية (كعُمان أو باكستان أو الصين) يفضّل البيت الأبيض خيار التصعيد العسكري وهو سلوك لا يساهم إلا في إطالة أمد الأزمة وتعميق خسائر الجانب المعتدي فضلاً عن تداعياته الكارثية على الاقتصاد العالمي جراء الارتفاع المتصاعد في أسعار النفط.
التحولات الداخلية وتلاشي خيارات السلام
​على الصعيد السياسي تؤدي هذه الاستراتيجية الأمريكية الصادمة إلى نتائج عكسية تماماً فسياسة حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب تساهم في إضعاف وتهميش تيارات المفاوضين المؤمنين بالسلام داخل إيران وفي المقابل تُرسخ وتُقوي نفوذ دعاة الحرب والمواجهة.
​من الواضح تماماً أن البيئة السياسية والعسكرية الإيرانية قد تغيرت جذرياً في الآونة الأخيرة ولم تعد تلك الدولة التي تحذر المواجهة المباشرة بل تبدو اليوم أكثر استعداداً وقدرة على خوض حرب مفتوحة ممتدة لسنوات وعلى جبهات متعددة.

خاتمة: دروس التاريخ ومصير الإمبراطوريات
​ربما تعوز مستشاري البيت الأبيض القراءة الدقيقة للتاريخ فالإستراتيجيات العسكرية التي تبدأ باستعراض مفرط للقوة غالباً ما تنتهي بالانزلاق في مستنقعات استنزاف طويلة كما حدث سابقاً في فيتنام والعراق وأفغانستان.
​وإذا كانت تلك الحروب السابقة قد شكلت معاول هدم أضعفت النفوذ الإمبراطوري الأمريكي برغم احتلال تلك الأراضي فإن خوض مواجهة مباشرة مع دولة بحجم إيران وقدراتها دون القدرة على فرض السيطرة الميدانية، سيعني بالضرورة أن يكون الارتداد على الإمبراطورية الأمريكية أسرع عمقاً وأشد تدميراً.
وهذا ما نتج عنه اليوم من خلال تراجع الولايات المتحده الامريكيه بفتح الحصار عن السواحل والمواني الايرانيه حيث الاختناق الاقتصادي المتاثر والمتضرر الاكثر هو الولايات المتحده ومجموعتها والعالم في قبال تضرر أقل لصالح الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه كونها محاصره منذ سبع واربعون سنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *