لم يكن اسم “سبايكر” في أصله حاملا لأي دلالة على المجزرة المروعة التي تعرض لها طلاب الكلية العسكرية من أبناء هذا الوطن. ومع مرور الزمن، أصبح الاسم مرادفًا للجريمة حتى بدا وكأن العلاقة بينهما من المسلمات، مع أن لا ملازمة لفظية ولا معنوية بين الاسم والمأساة. وهنا يبرز سؤال مشروع ؛ هل جرى تكريس هذا المفهوم في الوعي الجمعي ليصرف الأنظار عن الجناة الحقيقيين وعن البيئة الفكرية والاجتماعية التي أنتجت الجريمة؟
سبايكر ليست جريمة معزولة انتهت بانتهاء لحظتها الدموية، إنها تتكرر كل يوم بأشكال وصور مختلفة؛ سياسية وثقافية واجتماعية. لقد كانت المجزرة تعبيرًا صارخًا عن عمق الشرخ الذي ينهش المجتمع، وكاشفةً عن مسافة شاسعة بين إرادة الخير وإرادة الشر الكامنتين في تضاعيف هذا البلد.
إنها ليست جريمة جنائية تقليدية يُقتص فيها من الجناة ثم يُطوى الملف، بل هي تجلٍّ لصراع طويل من التراكمات التاريخية والسرديات الطائفية والعرقية التي عجزت العملية السياسية عن احتوائها ودمجها في مشروع وطني جامع، بل ربما أسهمت ـ بوعي أو بغير وعي ـ في ترسيخ بعضها وإدامتها.
سبايكر ليست مأساة مجموعة من الضحايا فحسب، بل مأساة وطن اعتاد المآسي حتى ألفها، واستمرأ تكرارها، وأصبح بارعًا في إعادة إنتاجها بأسماء وعناوين مختلفة.
لقد تغير النظام، لكن المنظومة الفكرية والاجتماعية التي تنتج الكراهية لم تتغير بالقدر الكافي. وظن كثيرون أن إنصاف المظلوم يتحقق بمجرد أن يصبح حاكمًا، وأن الظالم يكفي أن يصبح محكومًا. اعتقدنا أن المظلومية وليدة الاستبداد السياسي وحده، ونسينا أن جذورها الأعمق تمتد إلى الأحقاد المتراكمة والعصبيات المتجذرة في النفوس.
صحيح أن حزب البعث كان هو الحاكم، لكن الطائفية البغيضة هي التي تحكمه وتحركه . وإذا كان اجتثاث البعث ضرورة لحماية الوطن، فأيُّهما أولى بالاجتثاث؛ التنظيم السياسي أم الفكرة الطائفية التي تتلون بكل الأشكال وتجد لنفسها في كل عصر وعاءً جديدًا؟
قيل لنا إن الوطن يحتاج إلى التسامح والتصالح والتناصح، وهذا حق لا جدال فيه. لكن أين التصارح؟ وأين الاعتراف بالمسؤولية؟ وأين المراجعة الصادقة التي تسبق المصالحة الحقيقية؟ إن بناء الأوطان لا يقوم على تجاوز الجراح بالصمت، بل على مواجهتها بالحقيقة والاعتراف والإنصاف.
ولعل أخطر ما في مأساة سبايكر أنها لم تبدأ يوم وقوع المجزرة، ولم تنتهِ عند حدودها. إنها تبدأ في العقل الذي يبرر الكراهية، وفي الخطاب الذي يغذي الانقسام، وفي التنشئة التي تزرع العداء بدل المواطنة.
ذلك الطفل الذي حمل السلاح وصوّبه إلى رأس أخيه في الوطن، هل كان بعثيًا؟ هل عانى من ظلم السلطة؟ هل قرأ التاريخ وعرف تعقيداته؟ أم أنه ايضًا كان ضحية تنشئة متوحشة غرست في وجدانه الكراهية قبل أن يتعلم معنى الوطن؟
لهذا فإن الثأر الحقيقي لضحايا سبايكر لا يكون بالقضاء والقصاص وحده، بل باجتثاث الجذور الفكرية والأخلاقية التي أنتجت الجريمة. اجتثاث الطائفية من النفوس قبل المؤسسات، ومن الثقافة قبل السياسة، ومن المناهج قبل الشعارات.
اجتثوا الطائفية، تثأروا لضحايا سبايكر.
اجتثوا الطائفية، تمنعوا تكرار سبايكر.
اجتثوا الطائفية، فلن تعودوا بحاجة إلى اجتثاث أي عنوان آخر.
اجتثوها من العِرق ليحيا العراق


