من يحرس حاكمية الشيعة من خلافات زعمائها؟

من يحرس حاكمية الشيعة من خلافات زعمائها؟
يعاني الإطار التنسيقي أزمة هوية ورؤية سياسية نتيجة تصاعد الخلافات الداخلية وتضارب المشاريع والقيادات، وسط تراجع الثقة الشعبية وتباين المواقف بشأن السيادة والدولة والعلاقة مع إيران، مما يهدد قدرته على الحفاظ على وحدته واستمراره السياسي....

على أي أساس ينبغي أن تجتمع قوى الإطار التنسيقي؟

‎سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر الأزمة التي يعيشها هذا التكتل منذ سنوات. فما هو القاسم المشترك الذي يفترض أن يوحد هذه القوى المتباينة؟

وما هي الثوابت التي ما زالت قادرة على جمعها تحت سقف واحد؟

يقال إن الإطار يجتمع على (المصالح العليا للشيعة). لكن ما هي هذه المصالح تحديداً؟ وهل جرى الاتفاق عليها فعلاً؟

أم أن تعريفها نفسه محل نزاع بين أطراف الإطار؟

هناك من يختزلها في الحفاظ على (حاكمية الشيعة)، وهو مفهوم يثير بدوره الكثير من الأسئلة والنقاشات. لكن المفارقة أن أكبر تهديد لهذه الحاكمية المزعومة لا يأتي من الخصوم بقدر ما يأتي من داخل البيت الشيعي نفسه و من الخلافات العميقة والتنافس المحتدم بين قوى الإطار.

بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي في العراق، يبدو الشرخ داخل الإطار التنسيقي أوسع من أي وقت مضى. ولم يعد الأمر مجرد اختلاف في آليات العمل أو وسائل تطبيق الثوابت، بل أصبح خلافاً على الثوابت ذاتها.

‎لا اتفاق على تعريف العدو.

‎لا اتفاق على مفهوم السيادة.

‎لا اتفاق على شكل الدولة أو مشروع إدارتها.

‎رؤى متناقضة، ومشاريع متنافسة، وزعامات تتكاثر بوتيرة أسرع من قدرة الإطار على استيعابها.

لقد تحول المشهد إلى ما يشبه (مفقساً للقيادات)، حيث يرى كل زعيم نفسه الأحق بقيادة الشيعة والعراق معاً، ويقدم مشروعه بوصفه الطريق الوحيد للنجاة، محاطاً بهالة من القداسة ومضمخا برصيد من التاريخ الجهادي والسياسي الطويل.

لكن أين هو المشروع الجامع؟

‎وأين هي المرجعية السياسية التي يحتكم إليها الجميع؟

لا أحد يقبل بقيادة الآخر، ولا أحد يثق تماماً بما يدور في ذهن شريكه.

المفارقة الأكبر أن قوى الإطار تقر بأن سيادة العراق ما زالت منقوصة، وأن الدولة لم تستكمل بناء مؤسساتها، وأن المخاطر تحاصر البلاد من كل اتجاه. ومع ذلك، تتحدث في الوقت نفسه عن حصر السلاح بيد الدولة وتسليم الملف الأمني بالكامل إلى مؤسسات ما زالت هي نفسها تشكك بقدرتها على توفير الحماية الكافية.

‎أما التحول الأكثر حساسية، فهو الاتجاه المتزايد نحو فك الارتباط السياسي والفكري مع إيران، أو على الأقل فصل مسار شيعة العراق عن المسار العام للقوى الشيعية في المنطقة والعالم، تحت عنوان الالتزام برؤية المرجعية الدينية العليا.

‎غير أن هذا التوجه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت قوى الإطار لتصل إلى ما وصلت إليه لولا سنوات طويلة من التنسيق والتكامل مع القوى الشيعية خارج العراق؟ وهل يمكنها اليوم إعادة تعريف هويتها السياسية بمعزل عن ذلك الإرث؟

‎ومن أغرب مفارقات المشهد أن الإطار التنسيقي، ومعه التيار الصدري في مراحل مختلفة، غالباً ما ينتهي إلى اختيار رؤساء وزراء لا يعبرون بالكامل عن رؤاه المعلنة أو ثوابته المرفوعة.

‎ليس لأنهم يمثلون المشروع الأفضل، بل لأنهم يشكلون حلاً وسطاً يمنع تغلب طرف على آخر.

‎وهكذا يتحول رئيس الوزراء التوافقي، بعد فترة قصيرة، إلى منافس جديد للجميع، وربما إلى لاعب أقوى من القوى التي جاءت به أساساً.

‎اليوم لا يبدو أن الإطار يفقد تنظيماته السياسية فحسب، بل يفقد شيئاً أكثر خطورة: جمهوره.

‎ذلك الجمهور الذي دافع عنه طويلاً وقدم له فرصاً متكررة، بات ينظر بقلق متزايد إلى أداء قياداته. وحتى داخل الأطر التنظيمية نفسها بدأت أصوات التشكيك والاعتراض ترتفع بصورة غير مسبوقة.

‎إنها ليست أزمة تحالف سياسي فقط، بل أزمة هوية ومشروع ورؤية.

والسؤال الذي يزداد إلحاحاً يوماً بعد آخر:

‎هل ما زال الإطار التنسيقي يملك فكرة جامعة يمكن أن تبقيه موحداً؟

أم أنه تحول إلى ساحة تنافس مفتوحة، يجمع أطرافها الخوف من الانقسام أكثر مما تجمعها عقيدة الالتحام ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *