جذور الفساد في العراق : الاصلاح الاجتماعي كمدخل للعلاج

جذور الفساد في العراق : الاصلاح الاجتماعي كمدخل للعلاج
تحوّل الفساد في العراق من ظاهرة إدارية إلى ثقافة اجتماعية تغذيها المحسوبية والعشائرية والمباهاة وضعف المواطنة، ما يستوجب الجمع بين الردع القانوني والإصلاح التربوي والثقافي، وتعزيز النزاهة والهوية المدنية ومكافحة التمييز....

 

عندما يصبح الفساد ثقافة اجتماعية، يصبح من الصعب الاكتفاء بالعقوبة كأسلوب وحيد في الحد منه والقضاء عليه أسلوب تقليدي وغير كافي، فالفساد في العراق بات ثقافة عامة وأمر طبيعي لا يدعو للغرابة والدهشه، حيث أصبح مادة اعلامية ساخرة ومسلسل مكسيكي أعتاد المواطن على مشاهدته كل يوم ولكن بدون نهاية لحلقاته. ومن خلال هذه السطور سنحاول أن نسلط الضوء على الفساد بوصفه ثقافة مجتمعية بعد إن كان ظاهرة، وأن نسلك طريق أخر أخر في فك رموز وشفرات الفساد في العراق من خلال طرح الاسئلة الثلاثة التقليدية وهي : من ولماذا وكيف .؟ وكالأتي :

من أين جاء كل هذا الفساد

المتتبع لمسلسل الفساد في العراق يجد أنه كبير وضخم ومتنوع ويشمل جوانب السياسة والمجتمع على حد سواء، وبالتالي فإن موضوعة الفساد لا تقتصر بجوانبها السياسية والاقتصادية وحسب وإنما تشمل حتى الجانب الاجتماعي المغذي الرئيس للفساد.

اذ دأبت البحوث والمقالات في تفسير أسباب الفساد الاداري والمالي الى المحاصصة والتوافقات السياسية في تولي المناصب واتخاذ القرارات، فضلاً عن الازمات الاقتصادية والحروب التي مر بها البلد والانقسامات والهجرة والطائفية. حيث تم وضع كل هذه الاسباب وغيرها في سلة واحدة وتقديمها كإنموذج لأصل الفساد.

وهذا صحيح وسليم ولكن لا يمثل كل المشكلة والأصل الحقيقي لمنبع الفساد، حيث يبقى سؤال مهم وهو كل العالم ومنظوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعني من الفساد لكن لماذا في العراق أخذ كل هذا الحيز وهذا الحجم حتى صار كثقب أسود يلتهم كل ثرواته وأمواله .؟!

ونعم قد تكون الأسباب المعتادة مفسرة لظاهرة الفساد ولكنها لن تكون وحدها الكفيلة في تفسير ثقافة الفساد وهي المرحلة الأخطر من الفساد عندما يصبح أمر إعتيادي وطبيعي، وهنا لابد من معرفة كيف أصبح ثقافة بعد أن كان ظاهرة .

أن تحول الفساد في العراق من ظاهرة الى ثقافة يعود الى عوامل اجتماعية ونفسية يعاني من المجتمع العراقي هي ما أثرت وساهمت في أصل الفساد وتفاقمه، منها تنامي روح البداوة والتعصب العشائري بعد 2003 وبشكل واضح، وهذا له نتائج خطيرة تتمثل في محاولة ارضاء هذه النزعات مقابل اضمحلال روح المدنية والوطنية وانحسارها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك ثقافات وتوجهات سلبية كان لها دور في تكوين ونشأة الفساد في ذهنية الفرد العراقي، هذه التوجهات نمت روح الفساد في المنظومة الاجتماعية بالشكل الذي أصبح حاضنة للفساد الاجتماعي، فمثلاً كان يعرف قديماً في تقاليدنا ثقافة أن السارق أو اللص ليس شخص سلبي بل أنها من قيم الرجولة في مفهوم البداوة، حتى هناك بعض الأمثلة الشعبية المؤيدة لذلك مثل ( الي مايبوك مو رجال)، وكذلك التمييز في المعاملة وفي قضاء مصالح الناس بحسب المحسوبية والمنسوبية وتفضيل من هم من ذات العشيرة على غيرهم وبدون استحقاق بما فيها على المستوى الديني والمذهبي مثل مجهولية المالك وغيرها، هي ثقافات تعمل على تنمية روح الفساد في داخل النسيج الاجتماعي وتصبح السرقات او ما يعرف مثل بالحواسم والفرهود مسائل مباحة لدى الكثيرين وعامل نفسي مهم في تحويل ما هو منبوذ وغير اخلاقي الى طبيعي ولا غبار عليه، ما يعني أننا مجتمع بذور الفساد قائمة فيه ومهيأ للفساد بين الحين والأخر وينتظر الفرصة فقط.

لماذا كل هذا الفساد

إن طبيعة المجتمع العراقي هي طبيعة يمكن وصفها اقتصادياً بإنه ذو نزعة مظهرية قائمة على المباهاة والتفاخر، اذ تجد العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص دائماً ما يتفاخر بالانساب والاجداد والاموال والثراء، ويسعى الى أن يظهر أمام المجتمع بأفضل صورة حتى لا يتم انتقاده أو حتى يحظى بالاحترام والتقدير والمكانة الاجتماعية التي يسعى لها وفقاً لما نشأ عليه وتربى هذا الشخص .؟!

وبالتالي حتى يصل الى هذه المنزلة تجده في تنافس دائم مع غيره في أن يبقى هو ذو الوجاهة والمنزلة والمكانة عند الاخرين، وكي يصل لهذه المكانة عليه بالبذخ والاسراف فوق ما هو معقول كي تبقى الابصار اليه شاخصة أو حتى يحافظ على ما تحصل عليه من منصب ومكانه، ولأن موارده قد لا تكفي فأنه يضطر الى استخدام طرق غير قانونية لتوفير مزيد من الأموال من خلال النصب والاحتيال والرشوة وشراء الذمم والالتفاف على القوانين والتزوير والتلاعب ..الخ.

وعلى سبيل المثال لو أخذنا وكيل وزير النفط الحالي المتهم بقضايا فساد متعددة، وقارنا بين حجم الاموال التي تحصل عليها مع شخص اخر بنفس المستوى في دولة أخرى، لوجدنا ان الشخص الاخر الفاسد ممكن يرضى بمبالغ معينة لمجرد تحسين وضعه الاجتماعي ويكتفي بشراء منزل جديد او سيارة فقط، في حين نجد وكيل النفط هذا لا يتوقف عند حد معين، فكم الاموال التي عُثر عليها ولا يزال يبحث عنها تكفي لاشباع دولة ..!! فلماذا كل هذه الاموال وكان من الممكن أن يكتفي بشيء يكفيه ويكفي حالته ؟.

ان تفسير ذلك يعود الى ماذكرناه سابقاً وهو ان هكذا شخص يريد أن يمتلك كل شيء بحيث يبقى هو الأكثر امتلاكاً للعقارات والسيارات والاموال بحيث لا يقارن اخر به او أن يقال له فلان يمتلك منزلاً او سيارة انت لاتملكها، فيبدأ بداخله روح الجشع والصراع والتنافس والتسابق في الحصول على مزيد من الأموال وهكذا الحال مع غيره، ومن حيث لا شعور تجده يوغل في الفساد سيما في ظل عدم وجود رقابة او متابعة على مايقوم به.

كيف نواجه كل هذا الفساد

إن المقال وما يريد أن يصل اليه لا يسعى الى الغاء دور الجهات الرقابية في مكافحة الفساد، بل بالعكس هو يبحث في كيفية مكافحة الفساد من المنبع وليس من المصب وهذا ما تقوم به أجهزة مكافحة الفساد من خلال مؤسسات الدولة الرسمية المتعددة. ومن أجل مواجهة الفساد ومكافحته من المنبع قبل حدوثه لأبد من اتخاذ خطوات أخرى وعدم الاكتفاء بمواجهته عند المصب أي بعد وقوعه، وهذه الخطوات يجب أن تنطلق من الأساس السايكولوجي والسيسولوجي للمجتمع، أي دراسة المجتمع دراسة نفسية واجتماعية للحد من ثقافة الفساد قبل وقوعها.

ومن جملة ذلك هو الأتي :

– البدء من رياض الاطفال والمدارس والجامعات واعتماد منهج تربوي قائم على أساس نبذ الفساد بأشكاله المختلفة من سرقة ومحسوبية ومنسوبية واستغلال …الخ من مظاهر الفساد، على أن يتضمن ذلك ممارسات تطبيقية وعملية وعدم الاكتفاء بالجانب النظري.

– اتباع سياسة تشجيع ومكافأة المواطن النزيه والمخلص في عمله واداء واجباته والمواقف الايجابية وعدم الاكتفاء بالعقوبات حال وقوع الفساد، وتعزيز القيم الايجابية كالنزاهة والاخلاص في العمل والمبادىء السامية.

– محاربة الظواهر الثقافية السلبية كالمنسوبية والمحسوبية والتمييز الفئوي والعرقي والطائفي والعنصرية والحزبية والعنف من خلال حملة وطنية حقيقية تاخذ على عاتقها تجريم ومعاقبة كل من يستغل الدين والمذهب والعشيرة وغيرها في تحقيق منافع اجتماعية ومادية خاصة على حساب الأخرين.

– العمل على صناعة وتكوين وانشاء مجتمع بهوية مدنية خالصة قائم على أساس فكرة المواطنة والحقوق والواجبات بعيداً عن الهويات الفرعية الأخرى، وأن يكون التعامل مع افراد المجتمع على هذا الاساس بعيداً عن المسميات الأخرى الضيقة، وأن يكون الوطن هو الغاية الأسمى للجميع.

خلاصة القول هو أن يكون هناك نوعين من المعالجة الفساد خصوصاً بعد ما أصبح ثقافة مجتمعية، وهو أن تكون المعالجة بإتجاهين، اتجاه اجتماعي يكافح الفساد من المنبع من قبل وحدوثه واتجاه عملي سياسي يكافح الفساد بعد حدوثه، وإن الاكتفاء بمكافحة الفساد من خلال الاجهزة التقليدية قد يساهم في الحد منه ولكن من المؤكد لن يقضي عليه تماماً.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *